| كلمة الإدارة |
| التميز خلال 24 ساعة | |||
العضو الأكثر نشاطاً هذا اليوم ![]() |
الموضوع النشط هذا اليوم ![]() |
المشرف المميزلهذا اليوم ![]() |
|
همسات![]() |
ملح الحياة بنكهة جنوبية .
بقلم : طير حلحال ![]() |
قريبا![]() |
|
.:: إعلانات الموقع ::. |
||||
|
|
||||
| قال الله تعالى: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } سورة ق الآية 18 | ||||
الإهداءات |
|
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#121 |
|
عضو فضي
|
الفصل السابع و الأربعون
الناس منازل و درجات وأهل الجاهلية مثل غيرهم من شعوب ذلك الزمن: أحرار و عبيد، يستوي في ذلك الأعرابيّ وأهل المدر. والحرّ نقيض العبد، والحرة نقيض الأمة. والحرّ هو الذي يتصرف بأموره كما يشاء. و أما العبد فلا، فأمره بيد مالكه، فلا يجوز له إن يفعل شيئاً من غير رضا سيده ومالك رقبته. و يعبر عن الحر بلفظة "حرم" في المسند، فيقال: "حرم"، أي "حرّ". والجمع "أحرر"، أي "أحرار". والجاهليون وان بدوا "دمقراطيين" شعبيين، لا فرق عندهم بين حر وعبد، كبير أو صغير. يخاطب الفقير ملكه أو سيد قبيلته بلهجة بسيطة تنم عن "دمقراطية" عميقة أصيلة. إلا انهم في الواقع طبقيون يعاملون الناس حسب منازلهم و درجاتهم، ويعملون بمبدأ عدم التكافؤ بين الناس. وآية ذلك عُرف جلوس الناس في مجالس الملوك والمجتمعات، وعرفي تقديم الطعام أو الشراب مبتدئين بالملك ثم بمن يجلس على جانبه الأيمن باعتبار انه أشرف القوم ثم بالجالس على الجانب الأيسر من الملك، على ترتيب الناس في درجات جلوسهم أو حسب إشارة الملك إلى السافي أو مقدم الطعام. ثم في نظرتهم إلى "الحق" و إلى الأعراف الاجتماعية كالأخذ بالثأر والزواج. فلهم في الأخذ بالثأر مبدأ مقرر معروف. هو إن القتيل إذا كان شريفاً في قومه، وكان قاتله وضيعاً صعلوكا، أو عبداً فلا يقبل أهل القتيل ب "القوَد"، بل بعرف تكافؤ الدم. فعندهم إن دم القتيل الشريف، لا يغسل إلا بدم شريف مثله ومن أهل مكانته، ومعنى هذا إن قتل القاتل لا يكفي، بل لا بد لأهل القتيل في هذه الحالة من البحث عن شريف من قوم القاتل يكون مكافئاً للقتيل في المنزلة والمكانة حتى يقتل به، فيغسل عندئذ بقتله دمه. وينام الثأر. وقد يكون المقتول وهو ما يحدث في الغالب بريئاً ولا علاقة له بالقتيل ولا القاتل. ولكن العرف القائم على نظرية التكافؤ بين الطبقات، لا يفهم براءة بريء، وحق قتل القاتل وحده، بل يدين بعقيدة إن الدم لا يغسل إلا بدم مواز له، فلا بد من قتل شريف بشريف إذن حتى ينام أهل القتيل. والى ما تقدم من الإسراف في القتل وقتل البريء بدم مقتول، أشير في القرآن الكريم: )ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ومن قتل مظلوماً، فقد جعلنا لوليه سلطاناً، فلا يسرف في القتل(. "وذلك إن أهل الجاهلية، كانوا يفعلون ذلك، إذا قتل رجل رجلاً عمد ولي القتيل إلى الشريف من قبيلة القاتل فقتله بوليه، وترك القاتل، فنهى الله عزّ وجلّ عن ذلك عباده، وقال لرسوله، عليه السلام، قتل غير القائل بالمقتول معصية وسرف، فلا تقتل به غير قاتله. وان قتلت القاتل بالمقتول، فلا تمثل به". وعلى هذه النظرية الطبيعية بنوا تقييم أثمان الديات، أي ثمن الدم. فدية الملوك في الجاهلية أعلى ما دفع ثمناً عن دم. إذ جعلت دية الملك ألفاً من الإبل، شرفت لذلك بدية الملك. تليها في الثمن ديات الأشراف وسادات القوم حسب الشرف والمنزلة حتى تصل إلى ديات المغمورين المطمورين فتكون أقلها ثمناً. إذ تبلغ خمساً من الإبل، وقد تنقص في ذلك. وعلى هذه النظرية القائمة على "الفوقية" و "التحتية"، قدرت فدية الأسرى أيضاً. ففدية الملوك الذين يقعون في أسر آسر ألف من الإبل، وعرفت ب "فدية الملوك" وفدية من هم دونهم أقل حتى تصل إلى أبخس ثمن، وهي فدية سواد الناس. ولهذا حرص الأسير الشريف الذي لا يعرفه آسره على اخفاء شخصيته وعلى التظاهر بالإملاق وبأنه من المغمورين ليجنب نفسه دفع فدية عالية قد يفرضها آسره عليه، فتوجعه ولؤلمه. ومن هذه النظرة أيضاً ولد اعتقاد أهل الجاهلية إن دم الرئيس يشفي من عضة الكلب الكلب. فإذا كُلب إنسان أتوا رجلاً شريفاً فيقطر لهم من دم إصبعه فيسقون المكَلوب فيبرأ. أو يسقونه من دم ملك فيشفى. جاء في المثل: دماء الملوك شفاء الكلب. ودماء الملوك أشفى من الكلب. قال أهل الأخبار عن الكلب: "وأجمعت العرب إن دواءه قطرة من دم ملك يخلط بماء فيسقاه"، فيشفى بذلك من الكلب. ولو لم يكن للجاهليين رأي خاص في الملوك والأشراف، وفي وجود تفوق لهم على سواد الناس، لما اعتقدوا هذا الاعتقاد في اشفاء دماء الملوك والأشراف لمن يصاب بالكلب. وبعدم شفاء دم غيرهم لهؤلاء المرضى. ومن هذه النظرة أيضاً، تولد امتناعهم من تزويج بنات الأشراف والأسر من رجال هم دون البنت في المنزلة. وهو عرف يراعونه ويحافظون عليه إلى يومنا هذا. ويزدرون من شأن الخارج على "التكافؤ" بين البنت والولد في الزواج. وقد يرفضون تزويج رجل ثري مكتنز للمال، من امرأة فقيرة شريفة الأصل، إذا كان الرجل من أصل ذابل، كأن يكون أبوه أوجده "صانعاً" أو "خضاراً"، لأن الأصل في نظر العرب فوق المال. والشريفة يجب ألا تزوج إلا من شريف مثلها، مراعاة منهم لمبدأ نقاوة الأصل وانجاب الأولاد النجباء. و من هذه النظرة امتنع العرب من تزويج بناتهم من الأعاجم حتى لو كان ذلك الأعجمي ملكاً. وقد رأينا كيف إن "النعمان بن المنذر"، رد طلب "كسرى" لما طلب منه تزويجه إحدى بناته من أحد أبنائه. وشقَّ ذلك عليه حتى انه لم يمالك من ضبط نفسه، ففال للرسول: أما في عين السواد وفارس ما تبغون حاجتكم. ومراده من لفظة "عين" البقر. ومن اغتنام "زيد بن عديّ بن زيد العبادي" هذه الفرصة، وكان هو الذي اقترح على "كسرى" إن يزوج أحد ولده من بنات النعمان، فقال لكسرى: "قد كنت أخبرتك بضنهم بنسائهم على غيرهم، وان ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعري على الشبع والرياشر، واختيارهم السموم والرياح على طيب أرنجك هذه حتى انهم ليسمونها السجن". ومن قوله له: "أيها الملك: إن شر شيء في العرب وفي النعمان انهم يتكرمون عن العجم". فكان ما كان من غضب "كسرى" على النعمان ومن القضاء عليه على النحو الذي تحدثت عنه. وقد جعل بعض العلماء تخوف العرب من القهر. عليهم و من طمع غير الأكفاء في بناتهم، في جملة العوامل التي حملتهم على وأد البنات. "قال قتادة: كان مضر وخزاعة يدفنون البنات أحياء، وأشدّهم في هذا تميم. زعموا خوف القهر عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن". ومن شروط الكفاءة في الزواج عند الجاهليين، التكافؤ في النسب والحسب والمكانة وفي الأصل. وسبب امتناع العربي من تزويج ابنته إلى أعجمي، هو تكرم العرب عن الأعاجم واستعلاؤهم جمليهم. ونظرتهم إلى الأعاجم على انهم دونهم في المنزلة والكرامة. لذلك رأوا إن تزويج بنت عربية إلى علج أعجميّ، خسة ما بعدها خسّة ودناءة ما وراءها دناءة. حتى وان كان العربي فقيراً لا يملك شيئاً. بل اعابوا العربي الذي يتزوج اعجمية بسبب النسل، واستصغروا شأن المولود من أب عربيّ ومن أم أعجمية. فهو وان كان عربياً في عرف العرب من اجل إن النسبَ إلى الأب، ولكنه أعجميّ من ناحية الأم، فهو دون الأصيل في المرتبة. وفي غنى العربية بالمصطلحات الكثيرة التي تطلق على السادة والأشراف وعلى الفقراء. و المعدمين الترِبين وعلى الطبقات الأخرى، دلالة ليس فوقها دلالة على وجود هذه النظرة الطَبقية عندهم، وعلى نظرتهم إلى أنفسهم على انهم منازل ودرجات، وانهم غير متكافئين. وان القيادة في المجتمع يجب إن تكون للبيوت. ثم إن الأحرار على منازل ودرجات. وهم متفاوتون من حيث الشرف والمال. ويظهر التفاوت بين أهل المَدَر أكثر مما يظهر بين أهل الوبر، ذلك لأن الأعرابي فخور بنفسه، يرى انه "شريف" مثل غيره نبيل وان قل ماله وشح. ثم إن التفاوت بين الطبقات لا يمكن إن يظهر في البادية ظهوره بين الضواحي والقرى، لأن طبيعة البادية لا تساعد على ظهور ذلك التباين، حتى إن عبيد الأعراب لم يكونوا يكوّنون طبقة خاصة مضطهدة، ينطر إليها نظرة أهل القرى بازدراء، بل كانوا يعدون في البادية كأعضاء من أعضاء الأسرة. والتباين الطبقي هو على ما أوضح ما يكون في اليمن، لأن الطبيعة قد حبت أرض اليمن خيرات وجوّاً لم تحبُ المناطق الأخرى من جزيرة العلاب مثلها، فكانت نتيجة ذلك ظهور الاقطاع فيها، واشتدت الحاجة إلى شراء الرقيق واستجلابه لإستغلال التربة واستثمار خيرات الأرض وتشغيله في المهن الوضيعة، وظهر في اليمن أغنياء ومتوسطو حال وفقراء معدمون، أي طبقات اجتماعية كونت ذلك المجتمع بشكل واضح لا نراه في المجتمعات العربية الأخرى، أشير اليهم في الكتابات. رجال الدين ورجال الدين طبقة في رأس طبقات المجتمع مكانة ومنزلة، ولها امتيازات خاصة، لأنها ألْسنِة الآلهة الناطقة على هذه الأرض، والآمرة والناهية باسمها، وهي تقرب الناس إلى الالهة، وتحرم وتحلل. وقد رأينا إن أوائل حكام العربية الجنوبية هم "مكربون"، أي رجال دين. ولرجال الدين أملاك وأموال، ولهم على الناس حقوق، يأخذونها منهم، كما تأخذ الحكومة حقها من الشعب. وهم طبقة كبيرة ذات قوة وسلطان مصالحها مع مصالح الحكام بالرغم من الانفصام الذي وقع فيما بين الدولة والمعبد، وإبعاد "المكرب" عن الحكم، وحصر حق الحكم في الملك وحده، وحصر حق ادارة المعبد، في رجال الدين وحدهم وذلك لأن مصالح الملك ومصالح رجال الدين متشابهة، وكل جهة من الجهتين بها حاجة إلى مساعدة الجهه الأخرى. وكثيراً ما نقرأ في كتابات معين: إن ال "شوع" أو ال "رشو" الفلاني قدّم قرباناً إلى آلهة معين، أو بنى معبداً، أو أقام بناء، أو عمل عملا تقدمةً لآلهة معين. ولفظتا "شوع" و "رشو" تعنيان الكاهن والسادن، أي منزلهة دينية ذات مركز سام، وهي أعلى درجات الكهنوت في العربية الجنوبية. السادة والأشراف ويعبر عن السادة و الأشراف بتعابر التعظيم والتفخيم، ومنها لفظة " أبعل" "ابعل"، أي سيد ورئيس. وهي لفظة استعملت للالهة كذلك. استعملت بمعنى رب وإله. فورد "ود بعل... " و " عشتر بعل..." وهكذا. وقد استعملت في النصوص القديمة خاصة. ويقال للسادة "أسود " "اسواد" في العربية الجنوبية، وهم السادة الأشراف. وتقابل اللفظة لفظة "سادات، في عربيتنا. وهم سادة القوم وأشرافهم وأصحاب المنزلة والمكانة في المجتمع. ويعدّ أعضاء الأسرة المالكة في طليعة السادات، وهم في السيادة على حسب قربهم أو بعدهم من الملك، ويقدمون على هذا الأساس عند حضورهم إلى الملك وفي المواسم الرسمية. ولهم أرضون يستغلونها، ورقيق يخدمهم. ويعبر عن وجيه القوم وذي المنزلة والمكانة بلفظة "كهثم" "كهث" وعكسها الوضيع والخامل و الصغير والحقير، فقد ورد: "كل انسم كهثم وقطم"، ومعناها: "كل إنسان: كبير وصغير" أو "كل إنسان وجيه ووضيع". وتطلق لفظة "القطين" وهي " قطنم" و "قطن" في لغة المسند، على الخدم والأتباع والإماء في لغة القرآن الكريم. فهي إذنْ في نفس المعنى المراد من اللفظة في لغة المسند. وقد ذكر علماء اللغة إن القطين أتباع الملك ومماليكه. ويقابل أهل الوجاهة والمنزلة في المجتمع، من يطلق عليهم " ص غ رم" "صغرم"، أي صغير ويراد بها سواد الناس، ممن لا وجاهة لهم ولا مركز لدى الحكومة والمجتمع، كما في هذه الجملة: "كبرم فاوصغرم"، ومعناها: "كبير أو صغير". وفي الدرجات العليا من درجات المجتمع، الأقيال وهم إقطاعيون كبار، لهم أرضون واسعة وسلطان، وقد يجد "القول" القَيْلُ قوة في نفسه ومنعة، فينازع الملوك على الملك، ويأخذ الحكم بيده. وترد في الموارد الإسلامية درجة أخرى تذكر عادة مع الأقيال، هي درجة "ذو" وتجمع أذواء. ويظهر إنها من الدرجات الإقطاعية التي صار لها شأن في العهود المتأخرة القريبة من الإسلام. ويراد بها أصحاب الأرضيين ورؤساء الإقطاعيات، كما تطلق على رؤساء القبائل. وقد أخذت من "ذ" التي ترد في المسند، ومعناها "ذو" في عربيتنا وهي بمعنى "صاحب" في العربيات الجنوبية. الوجوه وسادة القوم هم وجوه المجتمع وسادات القبائل وقادة الجيوش. من "مقتوين" ومن أمراء حرب، ومن المقربين إلى الملوك وكبار موظفي الدولة. وهم أنفسهم من الطبقات العالية في الغالب.وقد ورثوا منازلهم إرثاً ؛ ولهم أرضون وثراء وقصور يقيمون فيها، وبيوت مشيدة، وخدم يخدمونهم، وقد حصلنا على أسماء عدد منهم من الكتابات. والتجارة من أشرف ما يشتغل به إنسان عند قريش وعند غيرهم من العرب. وقد اشتغل بها أكثر أشراف مكة، إذ كانوا تجاراً يتاجرون مع اليمن ومع بلاد الشام والعراق. وقد كانت الحرفة الوحيدة المربحة في جزيرة العرب. فالزراعة لا تدر عليهم ربحاً كبيراً، لعدم توفر الماء الكافي لزراعة أرضين واسعة تأتي لأصحابها بغلات واسعة وبأموال طائلة، والصناعة غير متيسرة، لذلك عافوها وعابوها، ولم تكن لديهم وسيلة مربحة أخرى غير التجارة. ومن الألفاظ الدالة على الوجاهة والمكانة عند العرب الجنوبيين، لفظة "قرمن"، أي " القرم". وهي في هذا المعنى في عربيتنا كذلك، فيقال للسيد قرم. والقرم من الرجال السيد المعظم و "المقرم"، هو أيضاً السيد المعظم. المحاربون ويكون المحاربون طبقة خاصة بهم، وهم أناس احترفوا، الخدمة العسكرية وعاشوا عليها، وقد أشير إليهم في الكتابات وعرفوا ب " قسم" "قسد" "ق س د". وقد ذكروا بعد أصحاب الأرض في إحدى الكتابات، وقبل "التجار" "مكر" و " الكيالين " " سلا " في كتابة أخرى. وقد أشار، إليهم "سترابو " إذ جعلهم في الطبقة الأولى من طبقات المجتمع في "العربية السعيدة". وكان قد قسم هذا المجتمع ثلاثَ طبقات: المحاربين، والمزارعين، وأصحاب الحرف اليدوية. ويظهر من دراسة بعض النصوص التي وردت فيها كلمة "قسون"، إن "القسود"، كونوا طبقة كبيرة خاصة في دولة سبأ، كانت منزلتها دون منزلة الأشراف و أصحاب الإقطاع وفوق رقيق الارض، المسمون ب "ادومت"، التابعين للأرض و الذين يباعون معها عند بيع الأرض. وكانوا يستغلون الأرض التي تعلم لهم لاستغلالها في مقابل أداء الخدمة العسكرية والاشتراك في القتال عند وقوعه، فهم عساكر وفلاحون في آن واحد. ويشبه حالهم حال العساكر الذين منحهم الخلفاء الراشدون ارضين زراعية لاستغلالها في مقابل هرعهم إلى القتال مع المحاربين عند توجيه الدعوة لهم. وهو نظام كان عند الساسانيين والبيزنطيين. وقد كان الأشراف وأصحاب الإقطاع يستأجرون من لا ارض له، بإعطائه أرضاً لاستغلالها في مقابل الدفاع عنهم والقتال دونهم. ولذلك كان لكل إقطاعي "قسود" أستطيع تسميتهم بالفلاحين المحاربين. يحاربون معه ويدافعون عنه. و إذا مات سيدهم، صارت السيادة إلى من ينتقل الإرث إليه. ويعرف المحارب ب "اسدم" "اسد" في العربيات الجنوبية، أي جندي وعسكري في اصطلاحنا اليوم. وهم أحرار وعبيد. ووردت في بعض الكتابات جملة "اسد املكن" "اسد املكان"، أي "جنود الملك" و "جنود الملوك" وذلك تعبيراً عن جماعة اختصت بالخدمة في جيش الملك. وقد أشير إليهم في كتابة بمناسبة إنشاء طريق. ويلحق هذه الطبقة طبقة ال "اتمت" ويراد بها الجنود المرتزقة: أو ما يعبر عنه ب "العساكر" في الزمن الحاضر، وقد كوّن "العساكر" أو "عساكر السلطان" كما عرفوا في بعض البلاد الإسلامية في أيام الخلافة طبقة خاصة، اعتمدت على سلطانها وقوتها، فلم تحفل بأحد وأخذت تعتدي على الآهلين. وقد كانوا خليطاً من الأحرار ومن الرقيق. اعتمد عليهم الحكام في الدفاع عنهم وفي القضاء على خصومهم، فعاشوا على خدمة سادتهم، وقد صارت حرفتهم وراثية، فابن ال "اتمت"، ينتسب إلى الخدمة في المعسكر أيضاً حين بلوغه سن الخدمة ويعيش، في خدمة سيده. التجار وتوابعهم ويكوّن "التجار" طبقة خاصة من طبقات المجتمع العربي الجنوبي. ويقال لهم "مكر" في لغة المسند. وقد كانوا يتاجرون في البرّ والبحر، ولهم قوافل وطبقات دنيا من رقيق وخدم تؤدي الواجبات التي يريدها سادكم منهم. وكان لهذه الطبقة شأن خطر في تأريخ العربية الجنوبية في القديم، وأثر بليغ في اقتصاد للبلاد، وتزويد الحكومة بمصدر كبير من مصادر دخلها وهو الضرائب التي كانت تدفعها إليها. وقد تعرض علماء العربية للفظة "المكر"، فقالوا: إن من معانيها السوق، وفيها يقع المكر والخداع. وان "الماكر" العير تحمل الزبيب، والتمكر احتكار الحبوب في البيوت. ولهذه المعاني صلة مباشرة بالتجارة وبالاتجار في البر والبحر. وفي العربية طبقة عرفت ب "سلا"، تعاطت تجارة الملح، كانت تبيعه وتستورده وتصدره وتقوم بنقله من مواضعه إلى الأسواق. وقد شبه "رودوكناكس" هذه الطبقة ب "الكواليان " في الوقت الحاضر. الطبقات الدنيا ومن الطبقات الدنيا عند العرب الجنوبيين: ال "ادم". وال "صغرم" "الصغر" "الصغار"، و الأجراء "اجرم"، و المتربون "غبر"، و ال "ومي" "امي". الادم وترد في كتابات المسند كلمة هي "ادم" و "ادومت". وتقابل لفظتي "ادم" و "ادومت" و "آدمي" و "أوادم" في العراق، بمعنى خادم وخدم. ووردت في صورة: " اديمت" "ا دي م ت" و "ادوم" في الكتابات القتبانية المتأخرة. وتؤدي معنى التبعية. وأعني بالتبعية الاعتراف بسيادة رئيس على مرؤوس. فقد كان أصحاب الأرض يؤجرون الأرض لمن لا ارض لهم، ومن لا مال لهم، فيقيمون فيها يشتغلون لأصحابها، ويكونون تبعاً لهم. ويعبرون عن هذه التبعية بتلك اللفظة المعبرة عنها. فهم في هذه الحالة إذن مزارعون يعيشون من كراء الأرض. وقد وردت هذه اللفظة بهذا المعنى، خاصة في النصوص المتعلقة بقبيلة "سخيم". وهي ذات أملاك واسعة وأرضين خصبة، وأجرتها لمن لا ارض له من المتوافدين عليها من الأماكن الأخرى، لتستغل هذه الأرضين وتعيش عليها، معترفة بذلك إنها في حماية هذه القبيلة وفي خدمتها. وهي فضلا عن ذلك تعبر عن التبعية بكل أشكالها، فتعبر عن الانتماء إلى شخص أو قبيلة كذلك، بمعنى إن "الادم" تابع لذلك الشخص أو القبيلة، منتمٍ إليه. ولذلك يذكر ال "ادم" اسم سيده الذي ينتمي إليه ومحتمي به، كأن يذكر اسمه أو اسم القبيلة التي ينتمي إليها. وقد يعبر باللفظة عن معنى "تابع" و "خادم" بالمعنى المجازي أيضاً، في مثل مصطلح "ادم ملكن" أي "خادم الملك" و "عبد الملك" و " آدم الملك". وذلك تعبيراً عن الاحترام للملك وعن الإقرار بتبعية الشخص المذكور له، وبإخلاصه له إخلاص العبد لسيده، وان كنا نجد إن للملك حاشية كبيرة هي حاشية "ادم" حقيقية، أي طبقة لا تملك أرضاً ولا ملكاً، ومعاشها من خدمة الملك، حيث يتولى القصر الإنفاق عليها، كما كانت للأسرة الكبيرة جماعات من ال "ادم" تخدمها وتؤدي لها مختلف الأعمال. فال "ادم" إذن وفي الغالب، تعبير عن جماعة من الناس كانوا أحراراً، إلا انهم لم يكونوا من المتمكنين في حياتهم من حيازة أرض أو ملك، لذلك جعلوا أنفسهم في خدمة غيرهم، بأن كروا الأرضين من أصحابها، لاستغلالها في مقابل حق معلوم، أو اتفقوا مع ثري على أداء عمل له في مقابل أجر يقدمونه إليه. وهم طبقة واسعة العدد. وهي لذلك أرقى منزلة وأحسن حالاً من حال العبيد المملوكين، والرقيق المشترى من الأسواق. وقد فسرّ بعض الباحثين كلمة "ادوم" "ادوام" و "اديمت"، و " ادومت"، بمعنى عمال الأرض، أو طبقة واطئة من المزارعين الذين لا يملكون أرضاً، أحوالهم ضعيفة، لأن ما ينتجونه لا يكفي لإعاشتهم. وذكروا إن كلمة "ضعيف" المستعملة في العربية الجنوبية تعبر عن ذلك المعنى المراد من تلك الكلمات. وقد ورد في بعض النصوص لفظ "ا ج ر م" بمعنى "أجير" و "أجراء"، وهم الأشخاص الذين يشتغلون بأجور يدفعها لهم أصحاب الأرضين أو أصحاب المال أو أصحاب العمل. وقد كانوا طبقة من الطبقات الدنيا، بدليل ذكرهم في هذه الجملة: "كل معنم حرم واجرم"، "كلّ معينىّ حرّ وأجير"، أي كل فرد من أبناء معين حر وأجير، بتعبير أوضح. والأجراء هم أكثر حرية من العبيد، لأنهم يشتغلون بأجر وبعقود يتفقون عليها. فإذا انتهى العقد، أو حصل خلاف، جاز للأجير الانتقال إلى موضع آخر، أو إلى صاحب محل آخر للعمل لديه، على حين لا يجوز للعبد فعل ذلك، لأنه ملك يمين. والأجراء أناس أحرار، يستطيعون التنقل والتصرف بحرية، ولكنهم فقراء معدمون لا بملكون شيئاً، وعيشتهم من العمل الذي يقومون به لغيرهم مقابل الأجر الذي يقدمه رب العمل لهم. وقد يكون الأجر الذي يدفع عن عمل مقطوع، وقد يكون عن أمد يحدد كأن يكون أجر يوم واحد أو أيام، فإذا تم النهار دفع الآجر للأجير. وقد يكون الأجر لموسم كامل، كموسم زرع. وقد كان الأجراء يشتغلون في الزراعة خاصة كحرث الأرض وزرعها أو حصاد الزرع أو قطف الثمر. ولضعف هذه الطبقة، وعدم تمكنها من أخذ حقها بالقوة، كان بعض من يؤجرهم يأكل حقوقهم، ولا يدفع أجورهم، أو يأكل قسماً منها. و نجد هذه الطبقة في العراق حيث أشير إليها في شريعة "حمورابي"، كما نجدها في أماكن أخرى من العالم، وما زال العامل يستخدم في مقابل أجور يومية للقيام بمختلف الأعمال. وقد ورد في الكتابات القتبانية ذكر جماعتين: جماعة عرفت ب "غبر"، وجماعة عبر عنها ب "ومي"، أو "امي". و "الغبر" في عربية القرآن الكريم هم الفقراء والصعاليك، وفي العربية كلمة أخرى تؤدي هذا المعنى هي لفظة "غَبْراء الناس"، أي فقرائهم، ومنه قيل للمحاويج بنو غَبْراء، كأنهم نسبوا إلى الأرض والتراب. وبنو غبراء الفقراء. و أما "الغرباء"، فهم الصعاليك. فالغبر، إذن هم "طبقة من الطبقات البائسة الدنيا التي كانت في قتبان وفي غير قتبان، طبقة من الفقراء والصعاليك، لا تملك شيئاً، ليس لها في حياتها غير البؤس والتعاسة لأنها ولدت بائسة تاعسة فعاشت في تعاستها هذه في هذا العالم على صدقات الناس وعلى ما يحصلون عليه بالسرقة أو بالاستجداء و بالقيام بالخدمات والأعمال المتعبة في سبيل الحصول على ما يقوتهم إلى يوم خلاصهم من هذا العالم بالوفاة. وبمعنى المحاويج والصعاليك فُسّر بيت "طرفة بن العبد"، بقوله: رأيت بني غبراء لا ينكروننـي ولا أهل هذاك الطراف الممدّد وعرفت "بنو غبراء" ب "المدقعين" للصوقهم بالدقعاء، وهي الأرض. كأنهم لا حائل بينهم وبينها، و "الدوقعة الفقر والذلّ" و "جوع أدقع وديقوع شديد". و أما "الومي" "امي?" فطبقة من الطبقات الدنيا كذلك، من هذه الطبقات العاملة البائسة التاعسة التي لا تحصل على عيشها إلا بشق الأنفس. ولعلهّا الطبقة التي يقال لها "شفلوت" في العربية الجنوبية في هذه الأيام. ويجوز إن تكون للكلمة صلة بلفظة "امي" في عربيتنا التي تعني الجاهل والشخص الذي لا يقرأ ولا يكتب. وفي العربية لفظة "الحشم"، قبل إنها تعني المماليك والأتباع، مماليك كانوا أو أحراراً. وورد إن الحشم الأحرار، والقطين: المماليك. رؤوس وأذناب ونجد التفاوت الاجتماعي في ذروته عند العرب الجنوبيين كما بينت ذلك من إيرادي للمصطلحات الاجتماعية المتقدمة. ويقع هذا التفاوت في الدولة وفي المجتمع عند الحضر وعند "اعربن" الأعراب. ويقع بين القبائل كما يقع في القبيلة الواحدة. فالقبائل أيضاً منازل ودرجات. وعلى رأس القبائل القبيلة التي ينتسب لها المكربون أو الملوك. مثل "معين" و "سبأ" و "قتبان" و "حضرموت" و "أوسان". ولهذا ذكرت مع الآلهة والحكّام ونسبت إليها الحكومات. ثم ذكر بعدها القبائل الأخرى التي هي أقل أهمية منها. أما في القبيلة الواحدة، فنجد تفاوتاً بين أبنائها، وقد رتبوا وصنفوا في درجات ومنازل. أعلاها عند السبئيين مثلا أعضاء ال "مزود" و "حسود?"، أصحاب المشورة والرأي والذين يستشيرهم الملوك، وهم طبقة ممتازة كانت فوق القانون، ذات امتيازات خاصة. يليها أصحاب الأملاك والأرض والمال المسمّون ب "مسحنين" في السبئية، و ب "طبنن" في القتبانية. ثم تليها طبقات أخرى تتدنى حتى تصل إلى أشفل، وهي طبقة "الادومت" "ادم": طبقة "الاوادم" أي الخدم. ويعدّ المقربون إلى الملوك من أشراف الناس ومن أصحاب الحظوة والجاه. وهذا شيء طبيعي، بالنسبة لكل مكان وزمان، فالذي يصل إلى الملك أو الحاكم لا بد وان يكون من ذوي الجاه والمنزلة والمكانة. وقد عرف من اختص بالملوك ب "أصفياء الملوك" وب "أحباء الملك" وب "ندماء الملوك"، وهم من الخاصة بالطبع. و يعبر عنهم ب "مودد ملكن" في العربيات الجنوبية. وأدنى الطبقات منزلةَ في المجتمع ؛ هي طبقة العبيد، هي طبقة تقوم بالخدمة وبسائر الأعمال التي يأنف الإنسان الحر من ممارستها. وقد يكون معظم أفرادها من الزنوج المستوردين من إفريقية. و أما الباقون فمن الرقيق الأبيض المستورد من أسواق العراق ومن أسواق بلاد الشام.، قد كان العبيد ملكاً يباع ويشترى بيع الأموال المتقولة، ويتصرف صاحب العبد به تصرفه بملكه الخاص، ولم يخول القانون العبد حق إبداء رأيه في مستقبله في أي حال من الأحوال، لأنه ملك، وبضاعة مملوكة، وكالماشية، وان كان إنساناً حيّاً له ما لكل إنسان من روح و إدراك وشعور. ويعرف العبد بلفظة "عبدم" في الكتابات العربية الجنوبية، أي "عبد". وبلفظة "عبدن"، أي "العبد". وتشمل كل العبيد، مهما اختلفت ألوان بشرتهم. وترد هذه اللفظة في عربية القرآن الكريم كذلك، وفي سائر اللهجات العربية الأخرى مثل اللهجة "اللحيانية"؛ كما ترد في لغة بني إدم "عبدو" وفي اللغة العبرانية. وتستعمل اللفظة للتعبير أيضاً عن العبودية المعنوية، مثل نسبة. عبودية الإنسان إلى الآلهة أو للملوك أو الكبار وللأشراف والسادات. وتؤدي لفظة "قن" معنى عبد ؛ أما "قنت" "قنيت" "قنية"، فتؤدي معنى عبدة. وردت بهذا المعنى في الكتابات الصفوية. وتعبر عن طبقة العبيد التي كانت منتشرة في كل أنحاء جزيرة العرب، وفي كل، أنحاء العالم إذ ذاك. إذ كانت القوانين الحكومية والقوانين الدولية تعدّ الاتجار ببيع الرقيق تجارة مشروعة وتعدّ العبد ملك يمين لصاحبه، متى ابق جاز لصاحبه ومالكه قتله. وهو ملك مثل أي ملك، وحق الملكية حقّ مقدس مصون. و "القن" في عربية القرآن: العبد الذي مُلك هو وأبواه. وعرف انه العبد الذي ولد عندك، ولا يستطع إن يخرج عنك. وورد "لم نكن عبيد قن، انما كُنا عبيد مملكة". وقيل: عبد قن الذي كان أبوه مملوكاً لمواليه، فإذا لم يكن كذلك فهو عبد مملكة. فالقن إذن هو عبد بالولادة، وقد ورثه سيده ؛ فهو عَبْد عبدٍ، أو عبدُ عبيدٍ. و "القي المملوك، فهو في ملك سيده.وقد اقتني وصار في مقتنيات مالكه، فهو من طبقة المملوكين. ومن هذه الطبقة المملوكة جماعة عرفت ب "رب ملكن" "ربب ملكن" "ربيب الملوك" "ربيب الملك"، بمعنى "عبد الملك" و "عبيد الملك". أبناء الحبش والأبناء وقد تولد من استيلاء الحبش على اليمن جيل جديد تعرّب وكوّن، طبقة خاصة من طبقات مجتمع الين. وقد تكون هذا الجيل من عنصرين: حبش ولدوا في اليمن من أبوين حبشيين، ثم بقوا في اليمن وعاش أبناؤهم فيها، وحبش تزوّجوا من اليمن، فنشأ لهم نسل فيه دماء الحبش ودماء أهل اليمن. وقد عاش الجيلان في اليمن وتعربا و نسيا أصلهما وصارا يتكلمان العربية و اعتدّاها لغتهما، ولكن ملامحهما الافريقية، أو الملامح المختلطة دساسة، لم تتمكن من الاختفاء عن الجيلين، بل بقيت تنطق بأصلهما وبصلتهما القديمة بالأرض السوداء. وعرف الجيل الذي ظهر في اليمن من تزوّج الفرس في العرب ب "الأبناء"، وغلب عليهم الاسم لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم. وقد كتب إليهم النبي يدعوهم إلى الإسلام. وقد ساعدوا المسلمين ودافعوا عن الإسلام وقاوموا الردة، ومنهم وهب بات منبه بن سيج بن ذكبار، و طاووس، وذادويه، وفيروز الديلمي. وقد قيل عنهم: الأبناء قوم من العجم سكنوا اليمن، وهم الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لما جاء يستنجده على الحبشة فنصرره وملكوا اليمن وتديروها وتزّوجوا في العرب ؛ فقيل لأولادهم الأبناء، وغلب عليهم هذا الاسم لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم. وذكر أنهم عرفوا ب "أبناوي" في لغة "بني سعد" و "بنوي" في لغة بعض العرب. ويظهر من بعض الأخبار إن العرب توسعت في مفهوم الأبناء فأطلقتها على كل الفرس الذين اجتذبتهم الحروب إلى جزيرة العرب. وءإف "الأبناء " بتسمية أخرى أيضاً هي "بنو الأحرار". أما الذين ولدوا من آباء فرس وأمهات عربيات فقد عرفوا في الكوفة بالأحامرة، و في البصرة بالأساورة، و في جزيرة العرب بالخضارمة، وفي الشام بالجراجمة. وقد ذهبت بعض كتب التواريخ التي ألفها أهل اليمن، "إن أبناء اليمن يتسبون إلى "هرمز" الفارسي الذي أرسله كسرى مع سيف بن ذي يزن. فاستوطن اليمن. وأولد ثلاثة، بهلوان و دادوان وبانيان؛ فأعقب بهلوان بهلول. و الدادويون يسعوان، ومنهم بنو المتمير بصنعاء وصعدة وجراف الطاهر ونحر البون. والدادويون خوارج. ومنهم غزا كراذمار وهم خلق كثير". وعرف العربيّ المولود من أمة ب "الهجين". وهو معيب. وقيل هو ابن الأمة الراعية ما لم تحصن، فإذا حصنت فليس الولد بهجين. أو "مَنْ أبوة في من أمه". "قال المبرد: قيل لولد العربي من غير العربية هجين، لأن الغالب على أولاد العرب الأدمة. وكانت تسمى العجم الحمراء ورقاب المزاود، لغلبة البياض على ألوانهم". أما طبقات المجتمع الحضري بالنسبة إلى العرب الآخرين وأسماؤها، فلا ذكر لها في النصوص الجاهلية، و إنما ذكرت في الموارد الإسلامية، وأكثره مما يخص عرب الحجاز؛ لأن اكثر ما ورد عن الجاهلية القريبة من الإسلام هو مما يخص موطن الإسلام. فكل اعتمادنا فيه على هذه الموارد الإسلامية. وفي العربية ألفاظ عديدة تعبر عن منازل الناس في الشرف والسيادة. هي في الواقع من النعوت التي أطلقها الناس على الأشراف مبالغة في مدحهم وتفخيمهم وأشراف القوم هم سادتهم من أرباب البيوت. ونجد في الموارد الإسلامية ذكر "أشراف قريش". وهم كبار قريش وسادتها وأصحاب البيوت فيها. كما نجد تعبيراً يدل على الرئاسة والزعامة هو "رحى القوم"، يقال لسيد القوم الذي يصدرون عن رأيه وينتهون إلى أمره. وقد عُيّر السودان في الجاهلية وفي الإسلام. عيّروا بسوادهم وبملامح أجسامهم وبطريقة تكلمهم. هذا حسان يهجو أحدهم بقوله: وأمّك سوداء نوبـيّة كأن أناملها الحنظب و "الخلاس" الولد بين أبوين أبيض وأسود، ابيض وسوداء أو اسود وبيضاء. فهو المضرب. وقال بعض علماء اللغة: تقول العرب للغلام إذا كانت أمه سوداء وأبوه عربياً آدم فجاءت بولد بن لونيهما غلام خلاسية والأنثى خلاسية قال الجاحظ: "ورأينا الخلاسيَّ من الناس، وهو الذي يتخلق بين الحبشيّ والبيضاء، والعادة من هذا التركيب انه يخرج اعظم من أبويه وأقوى من أصليه ومثمريه. ورأينا البَيْسريّ من الناس، وهو الذي يخلق من منن البيض والهند، لا يخرج ذلك النتاج على مقدار ضخم الأبوين قوتهما، ولكنه يجيء أحسن وأملح".. وقد شابت السنة هؤلاء "طُمطمانية"، أي عجمة. قال عنترة: تأوي له قلص النعام كما أوت خرق يمانية لأعجمَ طمطـم السادات وسادة القوم إشرافهم ورؤساؤهم، وذكر إن السيد الذي فاق غيره بالعقل والمال والدفع والنفع، المعطي ماله في حقوقه المعين بنفسه. وذكر إن السيد: الحليم لا يغلبه غضبه. والسيادة منزلة ودرجة، ولا تأتي أحداً إلا باعتراف قومه له بسيادته عليهم وبتنصيبهم له سيداً عليهم. وكانوا إذا سوّدوا شخصاً عصبوه، والتعصيب التسويد، وهذا كانوا يسمّون السيّد المطاع معصَّباً. وذكر إن العصابة العمامة. وكانت عمائم سادة العرب هي العمائم الحمر. وتعدّ الأسر الحاكمة التي ينشأ فيها عدد كبير من الملوك والحكام أسراً عريقة في الشرف، وينظر إليها نظرة تقدير واحترام، لأنهم ورثوا المجد عن آبائهم أباً بعد أب. وينطبق ذلك على سادات القبائل الذين يرثون سيادتهم قبائلهم أباً عن جد، فانهم يفتخرون بذلك على غيرهم، لأنهم ليسوا من أولئك الذين انتزعوا السيادة فصاروا سادة، على حين كان آباؤهم أو أجدادهم من الخاملين. وقصد سادات القبائل وبعض الشعراء الكبار الملوك، ورحلوا إليهم من منازلهم، وتقربوا إليهم، وتوسطوا لديهم لبعض الناس. وقد عرف هؤلاء ب "الرحال". ولهذا نجد في الكتب، إنها إذا تعرضت لمثل هؤلاء قالت عنهم انهم من "الرحال". فقد عرف "عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب" ب "عروة الرحال"، "و إنما سُميّ الرحال لنحلته إلى الملوك". كما عرفوا ب "زوّار الملوك"، ومنهم "أبو زيد الطائي". وأشراف الناس، هم الذين نالوا الشرف والسؤدد بين قومهم، فسادوهم. والسيد هو الرئيس، ويطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم وعلى من ساد قومه، مثل سادات القبائل. وقد نعت رسول الله "سعد بن معاذ" ب "سيّد الأنصار". وتقول العرب "هذا سيدّنا" و "فلان سيّدنا"، أي رئيسنا والذي نعظمه. وتقول "ساد قومه"، أي صار سيدهم ورئيسهم. ونعت "قيس بن عديّ" ب "سيد قريش". وكان يوم وفاة "سعد بن معاذ" بالمدينة يوماً مشهوداً. حتى حضر الرسول جنازته وكبر عليه تسعاً، كما كبر على حمزة، تعظيماً لشأنه. وشهد دفنه. وكان من عادة أهل مكة في الجاهلية انه إذا مات لهم سيد كبيرٌ أغلقوا أسواقهم أعظاماً لموته، وتعبيراً عن تقديرهم له. فغلق الأسواق عند الجاهلين عند وفاة رجل خطير من إمارات التقدير والتعظيم. ومن إمارات تكريم الميت الشريف، تجمع الناس عند بيته، احتفالاً به لنقله إلى موضع دفنه. و إذا كان الميت خطر الشأن كان الجمع اكبر. وهو يتناسب في كثرته مع مكانة ودرجة الميت في المجتمع. وقد ذكر انهم كانوا يقولون للرجل الشريف يقتل: "العقيرة". والسادات هم الرؤوس، رؤوس الناس. أما من دونهم فأذناب. وعرفوا ب "أذناب الناس و ذنباتهم"، أي اتباعهم وسفلتهم، والاتباع دون الرؤساء. يقال: جاء فلان بذنبه، أي اتباعه. قال الحطيئة يمدح قوماً: قوم هم الرأس والأذناب غيرهم ومن يسوّي بأنف الناقة الذنـيا والسادات "مصابيح الظلام" ومشاعله، بنورهم يهتدي الفقراء و أصحاب الحاجة والفاقة، فينالون منهم ما يخفف عن كربهم وفقرهم. يطعمون الناس في الحضر والسفر، فهم سادة الناس وملاذهم حين تغلق كل الأبواب. بأوجه الأذناب التاعسين البائسين. ويقال لأشراف قوم و للبارزبن منهم وجوه القوم ووجهاء القوم، فورد "وكان من وجوه القرشين"، و "كان من وجوه قريش". و أما "سروات" مثل "سروات الانصار" و "سروات قريش"، ففي هذا المعنى أيضاً، وجوه الأنصار وأشرافهم ووجوه قريش وأشرافهم. و "السرّي"، هو الرئيس. وتعني كلمة "النواصي" خيار العرب وأشرافهم. فيقال هو ناصية قومه، وهو من ناصيتهم ونواصيهم. و "النصية" من القوم الخيار الأشراف. ويعرف الأشراف المعرقون ب "النجوم"، و واحدهم "نجم". وقد أشار إليهم "حسان" في شعره، فذكر إن الذين يحملون "اللواء" أي "لواء الحرب"، هم النجوم. ويقال لسادة الناس "الجحاجح" كذلك،. ويقال لهم: "العَرى"، وهم سادات الناس الذين يعتصم بهم الضعفاء، ويعيشون بعُرفهم. شبهوا بعرى الشجر العاصمة الماشية في الجدب. و أما لفظة "ربّ" التي تعني بعلا أيضاً، وإلهاً، والتي تعبر عن معنى "إله" في الزمن الحاضر؛ فقد أطلقت في لغة المسند على السيد والشريف، لتعبر عن معاني التفخيم والاحترام، وأطلقت في معنى "إله" أيضاً في النصوص المتأخرة في الغالب، وهي من الألفاظ السامية القديمة.التي وردت في معظم لغات السامين. وقد وردت في عربيتنا بمعنى المالك والسيد والمدبّر، وأطلقت بمعنى الملك كذلك. وقد كان أهل الجاهلية يطلقونها على الملك، قال الحارث بن حِلِزَّةَ: وهو الربّ والشهيد على يو م الحيارين والبلاء بـلاء هنا وللسن أهمية. كبيرة عند العرب، لأن الإنسان إذا ما تقدم في السن ازدادت حكمته و تجاربه في الحياة ورجح عقله. لذلك يكون مرجعاً لمن هو دونه في للعمر، وملاذاً في المشورات، ويعبر عنهم ب "ذوي الأسنان". وهم الطبقة الذكية الفطنة المجربة من ذوي المكانة في الناس بالطبع. ولهذا نجد القبائل تتمسك بأخذ الرأي والمشورة من ساداتها المسنين ومن حكمائها المعمرَّين، لأنهم عركوا الحياة وخبروها وعرفوا ما فيها من مرّ وحلو. لذلك جعلوهم في الطبقات العليا من الناس. و "الربّ" الرئيس والمرجع ومن تكون إليه الطاعة. والأرباب، هم السادات "قال المنذر يوماً لخالد، وهم على الشراب، يا خالد، من ربك? فقال خالد: عمرو بن مسعود ربيّ وربك. فأمسك عليهما". و "المنذر" هو المنذر الأكبر اللخمي، وخالد، هو خالد بن نضلة. ولهذا كان يقول العبد لسيّده: ربيّ. وتقول حاشية السيد والملك لسيدها وملكها: ربنا. قال الحارث بن حلزّة: ربُّنا وابننا وأفضـل مـن يم شي ومن دُون ما لديه الثناء وقال لبيد حين ذكر حذيفة بن بدر: وأهلكن يوماً ربّ كندة وابنـه ورب معدٍّ بين خَبْتٍ و عرعر و "الخُطر" الأشراف من الرجال العظيمو القدر والمنزلة. والخطير الواحد. ويقال للرجل الشريف، هو عظيم الخطر. وقوم خطرون: قوم أشراف، ويقال "العبقري" للكامل والسيد من الرجال. وهو سيد القوم وكبيرهم والذي ليس فوقه شيء والشديد القوي. وقد عرف سادة قريش ووجوهها ب "خضراء قريش". ولما صعد الرسول "الصفا"، عام الفتح، وجاءت الأنصار فأطافوا بالصفا وجاء "أبو سفيان"، فقال: "يا رسول اللهِ أُبيدت خضراء قريش! لا قريش بعد اليوم". يقصد نخبة قريش وخاصتها، في مقابل "أوباش قريش"، الذين قال عنهم الرسول للأنصار: يا معشر الأنصار! هل ترون أوباش قريش. والأخضر عند العرب الأسود. و قد افتخر "الفضل بن عباس بن عتبة اللهبي" بلونه، إذ قال: وأنا الأخضر من يعرفـنـي أخضر الجلدة في بيت العرب يقول: أنا خالص لأن ألوان العرب السمرة، وأنه عربي محض لأن العرب تصف ألوانها بالسواد، وتصف ألوان العجم بالحمرة، والخضرة عند العرب السواد. وورد "خضر غسان"، و "خضر محارب". قال الشاعر: إن الخضارمة الخضر الذين غدوا أهل البريص ثمانٍ منهم الحكـم والخضارمة جمع خضرم، وهو السيد الحمول. ويقال لمن هم دون الأشراف وفوق الطبقات الدنيا، "أوساط الناس"، و "الأوساط"، و "اللهازم". يقال هو من لهازم القبيلة، أي من أوساطها لا اشرافها. المستضعفون من الناس والمستضعفون من الناس، كثيرون، وقد نظر إليهم مجتمعهم نظرة ازدراء واستهجان، و اعتدّهم من الطبقات الدنيا. إما لفقرهم وضيق ذات يدهم، ومنهم الفقراء والصعاليك والمحتاجون وأبناء السبيل، و أما لطيشهم وخروجهم من مجتمعهم، ومنهم الطريد والضالّ والخليع، و أما لانشغالهم بحرف يدوية، وهي حرف لا تليق بالرجل الكريم، ولا سيما الحرف الدنيا مثل الحلاقة والحجامة والحمالة وأمثالها، و أما من ناحية أصلهم، مثل إن يكونوا عبيداً أو عبيداً مملوكين. ولاستصغارهم شأن الحرف اليدوية، لم يقبل عليها الأحرار و أبناء البيوت، إلا من اضطرته الفاقة و وجد إلا سبيل له إلى العيش إلا بالاشتغال بها، فانصرف إليها صاغراً. وهذا كان اكبر أصحاب الأعمال اليدوية من الرقيق والأعاجم واليهود. و إذا أخذنا بروايات أهل الأخبار نجد إن عدد أصحاب الحرف اليدوية كان قليلاً جداً، فلم يكن في مكة مثلا أحد من النجارين البارعين على ما يفهم من رواياتهم كروايتهم عن إعادة بناء الكعبة قبل النبوة بخمس سنين، أو كانوا قلة يعدّون عداً. وكذلك يقال عن بقية الحرف، و يقال مثل ذلك عن يثرب. ولا استبعد إن تكون في روايات أهل الأخبار مبالغات، ولكننا لا نستطيع نكران ازدراء العرب للحرف والصناعات. وكانوا يعيرون من يتزوج من ابنة صائغ أو حداد أو نجار، ويعرون نسله، ولا سيما إذا كان من بيت رفيع. وقد وجد أعداء "النعمان بن المنذر" آخر ملوك الحيرة وحساده في أمه "سلمى" التي قيل إنها ابنة قين أو صائغ يهودي، سبباً قوياً من أسباب استهزائهم به والاستصغار لشأنه. أما الحرفي، أي الذي يشتغل بالحرف اليدوية، فلم يكن من السهل عليه التزوج من بنات الأحرار، لما قد تتعرض له أسر البنات من تعيير وسبّة وإهانة بين الناس، بتزويجهم ابنة حرة لشخص وضيع مستصغر. وأدنى المتعيشين بالحرف منزلة، الحلاقون والحجامون والحمالون، ثم أولئك الذين يعيشون على تلهية الناس، مثل سائس قرد، وهو الشخص الذي يربي القردة ويعلمها القيام ببعض الألعاب لتسلية المتفرجين وإضحاكهم في مقابل صدقة يقدمونها لقردته وله، ومثل أناس آخرون يربون حيوانات أخرى للغرض نفسه، أو يتخذون لهم مهنة إضحاك الناس عليهم لدر عطفهم والجود عليهم، ومثل المخنثون والمغنون المطربون. وقد عرف المعدمون المتربون، وهم الدين لا يملكون شيئاً ب "بني غبراء"، للزقهم بغبراء الأرض، ويقال لهم " الصعاليك" أيضاً، وقد ذكرت قبل قليل ورود لفظة "غبر" في الكتابات القتبانية، وان لها صلة ب "غبراء الناس" وب "بني غبراء" في عربيتنا. وقد تكون لهذا المصطلح صلة بمصطلح اختلف علماء التوراة في المراد منه، هو مصطلح "عم ه - ارز"، أي "ناس الأرض" "أهل الأرض"، فقد ذهب بعض العلماء إلى إنها تعني طبقة وضيعة من سواد الناس، أو "الفلاحين" الذين يعيشون على استغلال الأرض. ونعت الخادم الذي يخدم بطعام بطنه "بالعضروط"، وهو الصعلوك، والعضاريط الصعاليك. وتعهد إلى العضروط مختلف الخدمات، مثل العناية بالراحلة وأداء أي عمل آخر يقوم به في قابل طعام بطنه. و يقال للعضروط: اللعُموظ، وهو الذي يخدم بطنه. و "العضارِط" الأجراء. و "الخول" العبيد والخدم، ويقال: القوم خول فلان، أي أتباعه؛ وهم حشم الرجل وأتباعه. ويقع على العبد والأمَة فهم إذن الأتباع المغلوبون على أمرهم الخاضعون لحكم المتحكمين في رقابهم من السادة. والمملوك خلاف الحر، والرقيق: المملوك واحد وجمع. والرقيق العبد. ورَقَّ صار في عبودية. والعبد: المملوك خلاف الحر. ونجد لعلماء اللغة تفاسير كثيرة لمعنى "العبد"، والرقيق، وفي مدى حرية كل واحد منها. وقد استعملت لفظة "العبد" للدلالة على معان مجازية، ومعان حقيقية. فقد قصد بها الخضوع والتذلل، ولهذا نهي عن استعمالها بهذا المعنى في الإسلام، فورد: "لا يقل أحدكم لمملوكه عبدي وأمتَي، وليقل: فتاي وفتاتي". وقصد بها أيضاً العبودية الحقيقية. ولفظة "عبد" و "العبد" لفظة عامة في الأصل، وقد وردت بهذا المعنى في أكثر اللغات السامية، فاستعملت في معانٍ مجازية وفي معان حقيقية، ولم تكن تعني شخصاً مملوكاً بالمعنى الحقيقي من لفظة "مملوك" بالضرورة. وطالما نقرأ في كتب أهل الأخبار جملا، مثل: "ومن هو?إنما هو عبد من عبيدي"، و "أنت عبد من عبيدي"، وذلك تعبيراً عن ازدراء شخص لشخص آخر، واستصغاراً لشأنه، لأنه جعله في منزلة خدمه وعبيده. واستعملوا لفظة: "عبد" و "العبد" بالمعنى الحقيقي الخاص بالعبودية، وقصدوا بها "مملوكاً"، فقالوا: "كان عبداً روميّاً"، وقالوا: "كان عبداً حبشياً"، فقصدوا بها "مملوكاً" كائناً ما كان لونه، أو جنسه والظاهر إن المتأخرين قد غلَّبوا استعمالها على العبيد والسُّود، فأطلقوها عليهم من غير ذكر صفتهم، وعنوا بها الرقيق الأسود حَسْبُ. وقد ذكر بعض علماء اللغة إن "العبد" إذا ملك ولم يملك أبواه، أو الذي سبي، ولم يُملك أبواه. وقالوا: هم عبيد مملكة، وهو إن يغلب عليهم ويسُتعبدوا وهم أحرار. وفي الحديث: "إن الأشعث بن قيس خادم أهل نجران إلى عمر في رقابهم، وكان قد استعبدهم في الجاهلية، فلما أسلموا، أبوا عليه، فقالوا: يا أمر المؤمنين إنا إنما كنا عبيد مملكة ولم نكن عبيد قن. أي إن يغلب عليهم فيستعبدهم وهم في الأصل أحرار. وذكر علماء للعربية إن القن: العبد الذي مُلك هو و أبواه، ران العبد القن الذي ولد عندك ولا يستطيع إن يخرج عنك. وعبد قن خالص العبودة. فالقن إِذن، هو العبد المملوك، الذي تنقل إليه العبودية عن أبيه. وقد أسلفت إن هذه اللفظة وردت في لغة المسند، و إنها كانت تعني هذا المعنى عندهم أيضاً. ويشبه العبد القن، العبد الذي يقال له "cerf" عند الرومان. و لا القين": العبد والجمع قيان. ويعبر عن العبد بلفظة "مولى" أيضاً، ويراد نجها المعتق كذلك. وتؤدي معاني اجتماعية أخرى ذكرها علماء اللغة منها: الحليف، والعقيد، والربّ والمالك، والسيد. ويتبن معناها من الاستعمال. وقد كان بمكة وسائر الأمكنة الأخرى من جزيرة العرب عدد كبير من الموالي. والعبيد هم حاصل الحروب. فإذا وقع إنسان أسيراً في غزو أو حرب صار ملكاً لآسره، إن شاء مَنّ عليه ففك رقبته، وان شاء ملكه فصار عبداً له. يحتفظ به لنفسه إن أراد، أو أن يهديه لغيره فيصير في ملك من أهدي له، أو إن يبيعه، فيقبض ثمنه، فتنتقل ملكية العبد إلى شاريه. فالسباء هو مصدر مهم من مصادر الرقيق. ومورد آخر أمد الجاهليين بالعبيد، هو التجارة: تجارة العبيد. وقد اختص بها قوم عرفوا بالنخاسين. يأتون بالرقيق من مختلف الأماكن ويبيعونه. وكانت تجارة رابحة. ومن العبيد، قوم كانوا مدينون فلم يتمكنوا من سداد ديونهم فبيعوا رقيقاً. ومنهم من صار رقيقاً لعدم تمكنه من دفع مال يجب عليه تأديته. كالذي روي من تقامر أبي لهب و العاص بن هشام، على إن من قمر صار عبداً لصاحبه، فقمره أبو لهب فاسترقه واسترعاه ابله. ويكون عدد ما بملكه الإنسان من الرقيق إمارة علي الغنى والمنزلة والجاه والقوة. هم قوة لأنهم عُدّة لسيدهم في القتال وفي الدفاع عنه حتى وان كرهوه. وهم خدم له يؤدون له كل ما يطليه منهم من أعمال، ولا يخلو منهم بيت. وذكر إن بعض السادات كان يملك المئات من العبيد فلما وفد "ذو الكلاع ملك حمير" على أبي بكر "ومعه ألف عبد دون من كان معه من عشيرته وعليه التاج، وما وصفنا من البرود و الحلل". وكان كثير من ملاك الرقيق ذوو قلوب غلاط، لا يرحمون عبيدهم ولا يرفقون بهم. و إذا شهد العبد غزواً أو حرباً وغنم فلا يعطى حقه له. ويؤخذ سهمه ويعطى إلى سيده. ولم يكونوا يثقون بأمانة رقيقهم لذلك حقد العبيد على سادتهم، وانضموا إلى أعدائهم إن وجدوا فرصة مؤاتية لهم أملاً منهم بإصلاح الحال. ولما حاصر الرسول الطائف نادى مناديه: "أيما عبد نزل فهو حر وولاؤه لله ورسولهِ" فنزل جمع منهم وأسلموا وصاروا أحراراً. ويذكر علماء اللغة طبقة سمّوها "القطن"، وهم في عرفهم تبّاع الملك ومماليكه، والخدم والأتباع. وقالوا أيضاً: إن القطين تبع الرجل، ومماليكه، وخدمه. ويقال للرعية من الناس "السُّوقة" سمّوا بذلك لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم. و أما "سواد الناس"، فعامتهم. وكل من ذكرت من الطبقات الدنيا هم " سوقة" أو "عوام"، و "سواد". ويقال للأخلاط والسفلة من الناس: الأوباش. وهم مثل الأوشاب. و أما الأشابة فأخلاط الناس تجتمع من كل أوب و التأشب التجمع. ويقال: أوباش من الناس و أوشاب. وهم الضروب المتفرقون. ويذكر علماء اللغة إن أهل اليمن يطلقون على المستضعفين من الناس "مستخمرون". و "المستخمرون" هم الجيران الضعفاء. من "اخمره الشيء"، بمعنى أعطاه إياه أو ملكه بلغة اليمن. ويقال لأوغاد الناس و أرذاَلهم "الطغام" و "الطغامة". وذكر إن "طغامة" و "دغامة" الأحمق. وورد "باطاسة الأحلام"، بمعنى من لا عقل له ولا معرفة، وقبل: هم أوغاد الناس و أسافلهم. وعرف أوغاد الناس ب "أولاد درزة". وذكر إن أولاد درزة: السفلة والسقاط والغوغاء من الناس، كذلك أولاد ترنى. و "أولاد درزة" أيضاً الخياطون. ويقال: أولاد درزة هم الحاكة، وهم من أسافل الناس، كما صرح به المفسرون في قوله تعالى: واتبعك الأرذلون. وابن درزة الدعي، أو ابن أمة تُساعي، فجاءت به من المساعاة ولا يعرف له أب. أهل الوبر ما ذكرته عن المجتمع يتناول الحضر، أما المجتمع البدوي، أي مجتمع الأعراب، مجتمع ساذج ليس في تكوينه تعقيد ولا تعدد طبقات. صقلت البادية أهلها، وبسطت لهم أسلوب الحياة، وقلصت من الفروق الطبقية، فلا تجد فيها ما نجده عند الحضر من اختلاف كبير في منازل الناس. وكل ما هنالك من طبقات: سادات القبائل، وهم رؤساء القبيلة وأشرافها، وأحدهم "سيد القبيلة" أو رئيسا القبيلة. ثم أشراف العشائر و متفرعاتها. ولهم اموال، ورقيق يخدمونهم. أما سواد القبيلة، فهم منتشرون في أرض القبيلة على هيأة مجتمعات صغيرة متفرقة مبعثرة، لضيق العيش الذي لا يساعد على تجمع أفراد القبيلة تجمعاً كبيراً في محل واحد، تظهر فيه الحرف وتتنوع الأعمال التي تكون ضرورية لمجتمع مع الحضر. ولسادات القبائل المال، وهي: الإبل. يشربون من ألبانها، ويأكلون لحومها، وهم الذين في استطاعتهم الذهاب إلى القرى والمدن ومواطن الحضارة للعيش فيها زمناً، ولشراء ما يجدون في أسواقها مما يحتاجون إليه من سلع. وللتمتع بمناظر الحضارة. ولزيارة الملوك والحكام. والساكن منهم على مقربة من الحضر، يخالطهم وقد يشتري له ملكاً يعيش فيه بينهم. فإذا جاء الربيع، وحمد وقت البادية عاد إلى وطنه، ليرعى ماله، ولينظر في شؤون قبيلته. وقد استخدم الأعراب "العبيد" أيضاً، ولكنهم لم يكثروا من استّخدامه استخدام أهل الحضر له، لعدم وجود حاجة كبيرة عندهم إليه. وقد كان عبيد الأعراب اكثر حرية وأحسن حالاّ من عبيد أهل الحضر، ذلك لأن البادية لا تعرف الأعمال المرهقة، ولا الحرف الكثيرة التي فرضتها الحضارة على أهل الحضارة، لذلك صارت الأعمال التي يقوم بها عبيد الأعراب اقل بكثير من الأعمال التي يقوم بها عبيد أهل القرى، وصار العبد في البادية الصق بصاحبه من مثيله في القرية، حتى صار وكأنه جزء من أهل البيت التي اشتراه أو ورثه. بيوت العرب لقد تبين لنا مما تقدم إن العرب وان بدوا وكأنهم سواسية كأسنان المشط، الكل متساوون في المعاملة لا فرق عندهم بين غني وفقير، كل معتز بنفسه فخور بفعاله، إلا انهم مع ذلك وفي الواقع طبقيون، لكل طبقة عرف وتقاليد، فبيوتهم تتفاوت عندهم في الشرف والمكانة، هناك بيوت اشتهرت في القبيلة وحافظت على فعالها ومكانتها، وكانت تتفاخر وتتباهى على غيرها فلا تزوجّ أحداً من أبنائها أو بناتها إلا لمن كلن كفؤاً لها. وقد تحدث أهل الأخبار والأنساب عن بيوت برزت في القبائل وتَفَوّقت على غيرها في ناحية من نواحي الفضل والفخر. فذكر ابن الكلبي: مثلاً إن العدد من تميم في بني سعد، والبيت في بني دارم، والفرسان في بني يربوع، والبيت من قيس في غطفان، ثم في بني فزارة، والعدد في بني عامر، والفرسان في بني سليم، والعدد من ربيعة في بكر، والبيت والفرسان في شيبان. وكان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة، وكاثر بسعد، وحارب بعمرو، وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان، وكاثر بهوازن، وحارب بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وكاثر بشيبان، وحارب بشيبان. وقد اشتهرت ثلاثة بيوت شهرة خاصة في الجاهلية القريبة من الإسلام، وهي: بيت بني زرارة، وهم من "بني عبد الله بن دارم" في تميم، وبيت "بني بندر"، وهم من "بني فزارة" من "بني قيس"، وبيت "ذي الجدّين"، وهم من "بني شيبان" من "بكر بن وائل". وجعل "أبو عبيدة" بيوت العرب ثلاثة: فبيت قيس في الجاهلية بنو فزارة، ومركزه بنو بدر، وبيت ربيعة بنو شيبان، ومركزه ذو الجدين، وبيت تميم بنو عبد الله ابن دارم، ومركزه بنو زرارة. وذكر انه قال: ليس في العرب أربعة اخوة انجب ولا أعدّ ولا اكثر فرساناً من بني ثعلبة بن عكابة. وكان يقال له الأغر والحصن. وبنوه: شيبان و قيس وذهل و تيم الله. وفارس غطفان الربيع بن زياد العبسي، و فاتكها الحارث بن ظالم، وحكمها هرم بن قطبة، و جوادها هرم بن سنان المريّ ؛ وشاعرها النابغة الذبياني. وفارس بني تميم عتيب بن الحرث بن شهاب أحد بني يربوع. وفارس عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري. وفارس دارم عمرو بن عدس، وفارس سعد فدكي بن المنقري، وفارس الرباب زيد الفوارس ابن حصين الضبيّ، وفارس قيس، عامر بن الطفيل، وفارس ربيعة بسطام ابن قيس. وقال أبو عمرو بن العلاء: بيت بني سعد إلى الزبرقان بن بدر من بني بهذلة بن عوف بن كعب بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن عمرو الرديم، وبيت بني عديّ بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت التيم آل النعمان ابن جساس. وزعم "ابن الكلبي" إن آل حصن الفزاريين، وآل الجد بن الشيبانيين، وآل عبد المدان الحارثيين. هم أعلى بيوت العرب. ويقال: بيت تميم في بني حنظلة، أي شرفها. فهذه البيوت هي البيوت البارزة المسلم لها بالسيادة والشرف عند الجاهليين على رأي "ابن الكلبي". وذكر "الجمحيّ": إن الفروسية في اليمن في بني زبيد بن عمرو بن معديكرب. وان شاعر اليمن امرؤ القيس، وأن بيتها في كندة: في الأشعث ابن قيس. لا يختلف في هذا و إنما اختلفَ في نزار. وقال اخباريّ: كان بيت قيس في آل عمرو بن الظوب العدواني، ثم في غني. في آل عمرو بن يربوع، ثم تحوّل إلى بني بدر. فجاء الإسلام وهو فيهم. وقال الاخفش: فرعا قريش هاشم وعبد شمس. وفرط غطفان بدر بن عمرو بن لوذان وسيّار بن عمرو بن جابر. وفرعا حنظلة رياح و ثعلبة ابنا يربوع. وفرعا ربيعة بن عامر بن صعصعة جعفر وأبو يكو ابنا كلاب. وفرعا قضاعة عذرة والحرث بن سعد. وقد ذكر "الجاحظ" إن هناك قبائل في شطرها خير كثير، وفي الشطر الآخر شرف وضعة. "فمن القبائل المتقادمة التي في شطرها خير كثير، وفي الشطر الآخر شرف وضعة، مثل قبائل غطفان وقيس عيلان، ومثل فزارة ومرّة، وئعلبة، ومثل عبس، وعبد الله بن غطفان، ثم غنيّ و باهلة، واليعسوب و الطفاوة . فالشرف والخطر في عبس وذبيان، والمبتلى والمللّقى والمحروم والمظلوم، مثل باهلة وغنيّ. ومن هذا الضرب تميم بن مرّ، وثور وعكل، وتميم ومزينة. ففيُ عكل وتجم ومزينة من الشرف والفضل ما ليس في ثور". وذكر "الجاحظ" إن بعض الناس تكبّروا على غيرهم، لما وجدوا لأنفسهم من الجاه والثراء والمكانة، ومنهم: بنو مخزوم، وبنو أمية، وبنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس. فلم يكونوا كبني هاشم في تواضعهم، وفي إنصافهم لمن دونهم. |
|
|
|
#122 |
|
عضو فضي
|
الشرف
و للشرف مقام كبير عند العرب. وإذا دخل شريف قوم في مجتمع جلس في المقام اللائق به. ويلعب هذا المقام دوراً كبيراً في مجالس الملوك وفي مجالس سادات القبائل وفي أندية الحضر. وإذا لم يأخذ الشريف مكانه، كأن يجلس في مجلس هو دون مجلسه اللائق بمقامه بالنسبة إلى الحاضرين، عدّ ذلك إهانة له، ومعاملة سيئة متعمدة. قد تأتي بأوخم النتائج إذا كان الشريف من أصحاب الحول والطول. ولهذا كان الملوك خاصة وسادات القبائل يراعون حرمة المكان، و يُعينون للقادم مكانه، بأسلوب لطيف لا يثير مشاعر الجالسين ولا يشعرهم بأنهم قصدوا إهانتهم إن طلبوا من القادم التقدم على الحاضرين، والجلوس على مقربة منهم. وذلك على حسب مكانته ومنزلته، و الغالب أن ينص على المكان الذي سيجلس به. والشرف في العرف الجاهلي، هو الحسب بالآباء. والشرف والمجد عندهم لا يكونان إلا بالآباء. أما الحسب والكرم فيكونان، وان لم يكن له آباء لهم شرف. ولهذا حرصوا على استمرار الشرف في الأسر الشريفة، وعلى إمدادها بالحيوية والنشاط حتى يبقى الشرف متألقاً لامعاً فيها. ومن ذلك الزواج المكافئ والفعال الحميدة والمحافظة على سجايا الأسرة الطية، والأعراف المثالية، والتمسك بالنسب. وعدم تلويثه بدم من هو دونهم في الشرف، ورعاية ذلك النسب وحفطه، فيكون نسب كل شريف بيتناً واضحاً ظاهراً للناس. ومن الشرف: التخلق بالأخلاق الحميدة، وعمل الأمور المُحببة المفيدة التي تخلد الذكر لصاحبها وتجعل الناس يلهجون باسمه من ذلك. العرض والعرض في معنى الشرف، ويتجلى في مظاهر متنوعة يراد بها صيانة السمعة وطرد سوء الظن وما يخدش شرف الإنسان من سوء أو مكروه. وهو لا يكتفي بالدفاع عن عرضه، بل يلزم نفسه ايضاً بالدفاع عن عرض قبيلته وعن عرض من يدخل في جواره أو في حلفه، لأن أعراضهم عرضه. فهو يلزم نفسه بلوازم كثيرة ثقيلة، يحاول مهما كلفه الأمر الوفاء بها خشية العار. وهو في لمجل الوفاء بالتزامات العرض يفعل ما يشاء، ويدخل في ذلك القتل والعنف في سبيل الدفاع عن الالتزامات التي ألزم نفسه بها في سبيل حماية العرض. وإذا ممس عرض امرئ بأذى هاج وأهاج مَنْ هو من ذوي دمه ولحمه، للاقتصاص ممن دنس عرضه. وهو لا يهدأ حتى يأخذ بثأره ممن داس على عرضه. فثأر العرض مثل ثأر القتل، لا يهدأ صاحبه ولا يهجع إلا إذا اخذ بثأره ممن تجاوز على عرضه. والغالب في عقوبة هذا الثار الذبح. أي بقطع الرأس. عن الجسد يذبح حتى في حالة إذا كان قد توفي من طعنة بخنجر يقضي عليه، فانه يذبحه عندئذ. ويكون هذا غسلاً للعار الذي ألحقه ذلك المتجاسر بعرض القائل. المروءة وتتمثل المثل الجاهلية العليا في "المروءة"، وقد فسرت المروءة بأنها كمال الرجولية. ومن المروءة: الحلم، والصبر، والعفو عند المقدرة، وقرى الضيف، واغاثة الملهوف، ونصرة الجار، وحماية الضعيف. فإذا تمثلت أمثال هذه السجابا في رجل، كان كاملا، عظيم الشأن في قومه. والمروءة عند الجاهلين كالدين عند المسلم. وقد ورد إن المروءة إلا تفعل في السرّ أمراً وأنت تستحي إن تفعله جهراً فهي أقصى ما تكون من أخلاق في الرجل الكامل الشجاع. وقد اقرها الإسلام في جملة ما اقره من فضائل الجاهلية، ورد: الدين، المروءة، ولا دين إلا بالمروءة. والشهامة هي من صفات السيّد الشريف النبيل. و الشهم، هو السيّد النجد، الذي إذا دعي أتجد، وإذا طلب أجاب. الكملة وتحدث أهل الأخبار عن جماعة من الجاهليين قالوا انهم عرفوا بين قومهم بالكملة. منهم "بنو زباد العبسيون"، وهم أنس الحفاظ، ويقال له أيضاً أنس، الفوارس، وعمارة الوَهاب، و ربيع الكامل، وقيسَ الجواد وقيل: ربيع الحِفاظ، وعمارة الوَهاب، وأنس الفوارس، أمهم فاطمة بنت الخُرشب الأنمارية. وكان "للربيع بن زياد العبسي" المعروف بالكامل، ممن ينادم الملك النعمان، ويكثر عنده، ويتقدم على من سواه. وينزله في قبة يضربها له. حتى أفسد "لبيد" الشاعر، وكان إذ ذاك غلاماً ما كان بينهما من ود في خبر ترويه كتب الأدب والأخبار. وعرف قوم ب "الأكابر"، قيل هم: شيبان، وعامر، وجليحة، والحارث بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. والإنسان الكامل عند الجاهلين وفي أول الإسلام، هو الذي يكتب بالعربية، ومحسن الغْوم والرمي. وقد لقب رجال عديدون بهذا اللقب، منهم: "أوس ابن خولي"، وهو من المخضرمين. قال "ابن سعد" عنه: "وكان أوس ابن خَوَلي من الكَمَلة،. وكان الكامل عندهم في الجاهلية وأول الإسلام الذي يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي". من الخصال الحميدة ومن الخصال الحميدة عند العرب: النخوة. والنخوة في اللغة الافتخار والتعظم، والنخوة الكبر والعظمة. ومن صفات العرب إنها كانت تتنحى من الدنايا أي تستنكفْ الكرم ومن الأعراف عرف إكرام الضيف، وتقديم حق الضيافة له مهما كانت درجة تلك الضيافة ومنزلة المضيف. يقدم له ما يقدر عليه وما يتسع حاله له. والضيافة درس من الدروس التي لقنتها الطبيعة للإنسان أيضاً. لقنته إن الإنسان مهما كان فقيراً، عليه إن يقدم ما عنده لمن يأتيه من ضيف قريب أو غريب ليضيفه، إنقاذاً لحياته من قحط البادية ومن شحها. فليس في البادية ملجأ يلجأ الفرد إليه غير الخيام المضروبة هنا وهناك، ملاجئ مهما قبل فيها، لكنها قوارب النجاة أو جزر صغيرة في محيط واسع شاسع. لا يطمع الإنسان منها إلا في الاستراحة وإمضاء أمور سفره إلى الموضع الذي يريده، و إذا امتنع صاحب الخيمة عن أداء حق الضيافة، عرض حياة ضيفه للخطر، وعرّض حياته نفسه إلى ذلك الخطر، فلا بد إن تنزل به في يوم ما حاجة ما، ولا بد إن يقطع البادية مراراً في حياته بحثاً عن رزق، فإذا بخل ولم يضيف غيره، لم يستضيفه الآخرون فيقع في ضنك قد يكون به هلاكه وهلاك من معه. والعرف إن الضيافة ثلاثة أيام و ثلاث ليال، فاذا انتهت المدة، سقط حق الضيافة من رقبة "المضيف" إلا إذا جددهاً، وزاد عليها. ويعبر عن منزلة. الضيف عند المضيف بجمل و تعابير تعبر عن ترحيب المضيف بضيفه، مثل جملة: "بيتي بيتك"، وعلى الضيف بالطبع إن يتأدب بأدب الضيافة، فيصون حرمة بيت مضيفه، فلا يسرق منه، ولا ينظر إلى العائلة بسوء وألا يقوم بأي عمل يخل بعرف الضيافة. ونظراً إلى ما للمعابد من حرمات، اعتبر الوافدون عليها لزيارتها والتقرب. لأصنامها ضيوفاً لها، وعدّوا الذين يعتدون عليهم خارجين عن العرف مارقين، بالنسبة لمجتمعهم. فمن كان يفد إلى مكة يقال له "ضيف الله"، وقيل للحُجاج "ضيوف الكعبة"، فلا يجوز الاعتداء عليهم، ومن وقع اعتداء عليه، يجد حتما من ببن أهل مكة من يدافع عنه. والجود، وهو السخاء صفحة أخرى من صفحات الكرم. وهو إن يمطر الرجل غيره بمعروفه، وان يجود على غيره بما هو عنده. وقد بالغ بعضهم بجوده حتى ضرب به المثل. ومن هؤلاء حاتم الطائي. وهو "حاتم بن عبد الله ابن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عديّ بن أحزم" من قبيلة طيء. وقد ضرب به المثل في الجود والسخاء، فقيل "أجود من حاتم"، ورووا عنه قصصاً كثيراً في الجود والسخاء، يرينا إن الجود فيه سجية، نبت فيه،مذ كان صغيراً، فقد روي انه اختلف مع والده، وهو صغير، لأنه فرق إبله وغنمه وكان يرعى بها على قوم مرّوا به، فيهم: عبَيد بن الأبرص، وبشر ابن أبي خازم، والنابغة الذبياني، فطرده أبوه، وقالَ له: إذن لا أساكنك بعدها أبداً ولا آويك، فقال حاتم: إذن لا أبالي. ويذكر: انه كان إذا أبل شهر رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل، وأطعم الناس ؛ وانه كان يقول لغلامه يسار، إذا اشتد، البرد وكلب الشتاء: أوقد ناراً في بقاع من الأرض: لينظر إليها من أضل الطريق ليلا فيقصد نحوه. وكان يوقد نار القِرى، ليقصدها من يريد الضيافة من الناس. وذكروا انه كانت لحاتم قدور عظام بفنائه لا تنزل عن الأثافي، إلى غير ذلك من أخبار في كرمه وسخائه. يذكر عنه انه قسم ماله بضع عشرة مرّة؛ وانه مرّ في سفر له على بني عنزة ولهم أسير في القدّ، فاستغاث به، ولم يحضره فكاكه، ففاداه وخلاّه، وأقام مقامه في القدّ حتى أدي فداؤه. ورووا انه ذبح فرسه، ووزع لحمها على جيرانه، لأن امرأة كانت جارة له جاءت إليه مستغيثة به، تقول له: أتيتك من صبية يتعاوون من الجوع ولم يكن لديه ما يعطيها، فذبح فرسه، مع انه و عائلته كانوا جياعاً مثل صبيتها، فلما مانعت زوجته في ذبح فرسه، قال لها: إن هذا للُؤم إن تأكلوا وأهل الحيّ جياع. وينسب أهل الأخبار إليه شعراً، في جملته قصيدة تتعلق بالكرم وبمكارم الأخلاق وبالحكم، وقد جمعوا من شعره ديواناً، وذكروا انه من الشعر البليغ الجيد. وضرب المثل بجود " كعب بن مامة الإيادي". ويذكر أهل الأخبار انه هلك بسبب جوده، فقد مات عطشاً، لأنه أعطى الماء غيره، فمات هو من العطش. وقد فضله "الجاحظ" ورَجَّحه على "حاتم للطائي" في الجود. ذلك لأن حاتماً كان يجود على غيره بماله، أما "كعب"، فقد بذل النفس حتى أعطبه الكرم، وبذل المجهود في المال، فساوى حاتماً من هذا الوجه و باينه ببذل المهجة. فهو على رأيه فوقه في الكرم بمنازل و درجات. وذكر إن من عادة "كعب بن مامة" انه إذا جاوره رجل قام له بكل ما يصلحه وعياله، وحماه ممن يريد وان هلك له بعبر أو شاة أو عبد أخلف عليه، وان مات وداه، فجاوره "أبو دواد الإيادي"، الشاعر، فكان يفعل به ذلك ويزيد في برّه، فصارت العرب إذا حمدت جاراً بحسن جواره، قالوا: كجار أبي دُواد. وقد افتخرت به إياد. وعد من مفاخرها. وذكر "عبد الملك بن مروان" إياداً، فقال: هم أخطب الناس لمكان قس، و أسخى الناس لمكان كعب، ولشعر الناس لمكان أبي دواد، و أنكح الناس لمكان ابن الغز. و "أوس بن حارثة بن لأم الطائي". يذكرون إن "النعمان بن المنذر" حباه حلة نفيسة بحضور وفود العرب من كل حيّ، وكانوا قد اجتمعوا عنده، فقال لهم: "إني ملبسٌ هذه الحلة أكرمكم" فألبسه النعمان الحلة. ويذكرون انه تمكن من الشاعر "بشر بن أبي خازم"، وكان "أوس" قد نذر لئن ظفر به ليْحرِقنَّه، لأنه أسرف في هجائه، حتى تجاسر فهجا أمه "سُعدى". فلما ظفر به، أشارت "سعدى" على "أوس" بأن يمنّ على بشر، فخلى سبيله وأكرمه وأحسن كسوته وحمله على نجيبه وحباه، فصار "بشر" يمدحه، ويذكر أهل الأخبار، إن أوساً وحاتما وفدا على "عمرو بن هند"، فأراد امتحانهما، والوقوف على رأي أحدهما في الآخر، فما انتقص واحد منهما الآخر. فقال عمرو: والله ما أدري أيكما أفضل! وما منكما إلا سيد كريم. و "هرم بن سنان المُريّ"، من أجواد الجاهلية أيضاً. وهو سيد غطفان. وكان والده سيّد غطفان كذلك. وقد مدحه الشاعر زهير بن أبي سلمى في أبيات لا يزال الناس يحفظونها ويذكرونها عن هرم وقد كان هرم أعطاه مالا كثيراً. من خيل وإبل وثياب وغير ذلك مما أغناه، وفيه ورد المثل: "أجود من هرم". وقد أدركت بنت له أيام عمر فسألها عن أبيها وعن صلته بزهير. قال "أبو عبيدة": "أجواد العرب ثلاثة: كعب بن مامة، وحاتم الطائي، وكلاهما ضُرب به المثل، وهرم بن سنان صاحب زهير". وقد ضرب المثل بجود "عبد الله بن حبيب العنبري" فقيل: "أقرى من آكل الخبز". ذكر انهُ سميّ آكل الخبز، لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن. وأكل الخبز ممدوح عند العرب. وهو عندهم من علامات الغنى والمال. وعرف "ثور بن شحمة العنبريّ" بالجود كذلك، وقد كان قومه "بنو العنبر" إذا افتخروا، قالوا: "مناّ آكل الخبز، ومنا مجير الطير". وقد عرف "ثور بن شحمة" ب "مجير الطير" لأنه كان يشفق على الطيور فيطعمها و يشبعها لجوده وكرمه. واشتهر "عبد الله بن جُدعان" برده كذلك، وقد كان يسمى ب "حاسي الذهب"، لأنه كان يشرب في إناء من الذهب، وقيل: "أقرى من حاسي الذهب". وكان يجود على "أمية برت أبي الصلَّت"، ويقرِي أهل مكة ومن يأتي إليها، وله جفنة كبيرة يأكل منها الناس، ويصنع لهم "الفالوذج"، ولم يكن معروفاً قبله بمكة، فما كان بالعراق، أكله و استذوقه، وجاء منه بطبّاخ ليطبخ له "الفالوذج". وهو من "بني تيم". وكان ممن حرم الخمر على نفسه بعد إن كان بها مغرى، لما رأى فيها من ضرر و إسفاف يلحق بشاربها. وذكر انه لما كَبُرَ وهرِم، أراد قومه إن يمنعوه من تبذير ماله، ولاموه في العطاء، فَكان يدعو الرجل، فإذا دنا منه، لطمه لطمة خفيفة، ثم يقول له: قم فانشُد لطمتك واطلب ديتها، فإذا فعل، أعطته بنو تيم من مال أبن جُدعان. وقد ضرب المثل بفالوذج ابن جُدعان في أطايب الأطعمة. وقد عدّ في "مطعمي قريش"، وهم سادات قريش وأشرافها ممن كان يطعم الناس ويفتح بيته للضيوف، ولا يمنع جائعاً من دخول داره. كهاشم بن عبد مناف. وكانت له جفان يأكل منها القائم والراكب، إذا وقع في إحداها صبيّ غرق. فجرى بها المثل في العظم. وللتعبير عن إسراف الأجواد في جودهم، وفي قراهم الضيوف، نعت أحدهم ب "مطعم الطير" كناية عن كرمهم، وعن كثرة طعامهم المهيأ، حتى كانت الطيور تشارك الضيوف في أكل الزاد، وهو كثير. وقد نعت "حسان ابن ثابت" عمه "خالد بن زيد" المعروف ب "ابن هند"، وهِو من "بني النجّار"، ب "مطعم الطير"، كناية عن انه كان ينحر الإبل للأضياف، فيأكل منها الناس والطير. ونعتت "ليلى بنت الخطيم بن عديّ بن عمرو"، وهي أخت الشاعر "قيس بن الخطيم" أباها بأنه "مَطعم الطير ومباري الريح"، و ذلك أمام الرسول. ومن الأجواد من كان يجود في أوقات الشدة والحاجة بصورة خاصة، في مثل حلول الجدب. وقد عرف نفر من العرب ب "مطاعيم الريح"، وذلك لأنهم كانوا يطعمون إذا هبت ريح الصبا، لأنها لا تهب إلا في جدب، فمدحوا. ومن هؤلاء: "كنانة بن عبد يا ليل الثقفي". عم أبي مِحْجَن. وزعم "ابن الأعرابي" إن "مطاعم الريح"، هم أربعة. منهم: كنانة ابن عبد يا ليل الثقفي المذكور و "لبيد بن ربيعة". ويقال للرجل الذي بهتز للمعروف والعطية "الأريحي"، وهو السحي. و "الأريحية" السخاء. وقد ضرب المضل بجماعة من الجاهليين عرفوا بجودهم وكرمهم، حفظ العرب ذكرهم لجودهم، وما زالوا يحتفظونه حتى اليوم، يتذاكرونه ويروونه في كتاباتهم وفي أنديتهم وفي كلامهم. من هؤلاء ثلاثة سُموا "زاد الراكب" و "أزواد الركب"، لأنهم كانوا إذا سافروا مع قوم لم يتزودوا معهم. كانوا من أهل مكة هم: أبو عمرو بن امية. "مسافر بن أبي عمرو بن أمية"، وأبو أمية بن المغيرة المخزومي، و الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العُزّى "زمعة بن الأسود بن المطلب". وقد ضرب بهم المثل، فقيل: أقرى من زاد الراكب. وقد كان "عبد الله بن أبي أمية"، المعروف ب "زاد الركب" شديد الحلاف على المسلمين، ثم خرج مهاجراً من مكة يريد النبي، فلقيه ب "الصلوب" فوق العرج، فأعرض عنه رسول الله، ثم عفى عنه. وفي معنى "زاد الركب" معنى "جفنة الركب"، و الجفنة: الرجل الكريم. قيل له: "جفنة الركب"، لأنه كان مطعاماً يضع جفنته ويطعم الناس فيها، ومن يكون معه في ترحاله. فسميّ باسمها. وكانت العرب تقول: السفر ميزان القوم، كأنه يزنهم بأوزانهم ويفصح عن مقاديرهم في الكرم واللؤم. إذ يتبين الكريم من اللئيم في سفره. فاللئام إذا ما سافروا ضجروا، لخوفهم من تقديم ما عندهم إلى من هم دونهم من فقير ومحتاج، أما الكريم، فإنه لا يبالي في سفره فيعطي وينفق ويساعد من يسافر معه بما يجود به عليهم. فهو على عكس اللئيم فرحٌ بسفره هذا مستبشر. وزعم الأخباريون إن "سويد بن هرمي بن عامر الجمحي"، كان أول من وضع الأرائك وسقى اللبن والعسل بمكة. ومعنى هذا انه أول من وضع الأرائك لراحة الناس في الجاهلية، ولعلّهم قصدوا أرائك وضعت، في الحرم لجلوس الناس عليها. كما ذكروا إن "أبا أمية بن المغيرة المخزومي" و "أبا وادعة بن ضبيرة بن سعيد بِن سعد بن سهم" وكانا يسقيان العسل بمكة، بعد سويد بن هرمي. وقد كان "عديّ بن نوفل" يسقي الحجيج اللبن والعسل على ما ذكره أهل الأخبار. وقد عدّت السقاية من مفاخر قريش. وقد كان من عادة الأجواد إيقاد النار في الظلام ليراها الغريب والمحتاج، الجائع من مسافة بعيدة فيفد إليها، فيجد له من يقريه ويقدم له ما يحتاج إليه من طعام. ويقال لها "نار القرى" و "نار الضيافة". وهي نار توقد لاستدلال الأضياف بها على المنزل. وكانوا يوقدونها على الأماكن المرتفعة، لتكون أشهر. حتى زعم إن منهم من كان يوقدها بالمندلي الرطب، ليهتدي إليها العميان، بشم رائحة الطيب التي تفوح منها عند الاحتراق. وهي من أجل الأعمال عند العرب. وقد ذكرت في الشعر الجاهلي. ويعدّ الشتاء محكاً للأجواد ولكرام الأنفس. فالشتاء عدو الفقير، يؤلمه ببرده ويوجه بفقره ويضيف آلاماً على آلامه. فخيمته الممزقة البالية، لا تقيه من رياح ولا من مطر ولا من برد. والصيد يختفي ويقلّ، و الأعشاب تزول، فلا بحد الفقير أمامه سوى ما ادخره من قوت فيعيش عليه. فإذا أكله أو كان قليلاً، فليس أمامه من ملجأ سوى الاستجارة بأهل الجود والسخاء. ممن كان إذا جاء الشتاء ادنوا إليهم الناس و أطعموهم، فيقتلون بذلك جوع الشتاء. ولهذا عرف الواحد منهم ب "قاتل الشتاء". وغاية الجود إن يجود الإنسان بأعز ماله لغبره، يقال: "انه لمنحار بوائكها، أي ينحر سمان الإبل"، وهو للمبالغة، يوصف للجود. فهو ليس من أولئك الذين يبخلون بمالهم العزيز، فينحرون الهزيل من الإبل، حرصاً على العزيز، بل يقدم أقصى ما عنده لضيوفه. ويعد العرب "إقراء الضيف" و "الرفادة": "رفادة الحج" في جملة "ارث إبراهيم و إسماعيل. ويدخل أهل الأخبار في جملة هذا الإرث: تعظيم الحرم ومنعه من البغي فيه وقمع الظالم ومنع المظلوم. فالكرم إذن من للسنن القديمة الموروثة عن سنة إبراهيم على أهل الأخبار. ولا يعدّ الكريم كريماً إذا وهب ماله في سبيل غرض. فمن وهب المال لجلب نفع أو دفع ضرر أو خلاص من ذم فليس بكريم. وبقال للعطيةّ الجزيلة "الدسيعة". ويقال للجواد، هو ضخم الدسيعة، أي كثير العطيّة. وقيل هي المائدة الكريمة والجفنة على سببل المجاز، لما عرف به الأجواد من تقدم الطعام للأضياف. ويقال للجواد المعطاء السيد الحمول: "الخضرم"، تشبيهاً بالبحر الخضرم وهو الكثير الماء. وقد يعبر عن غاية الجود بقولهم: "هو جبان الكلب"، أي نهاية في الكرم وكثرته، لأنه لكثرة تردد الضيفان إليه يأنس كلبه فلا يهر أبداً. قال حسان ابن ثابت: يُغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون من السواد المقبل ومن الجود والكرم: الرفادة. والرفد: العطاء و إعانة المحتاج. ومن ذلك ما فعلته قريش من "الرفادة"، حيث اتفقت إن بخرج كل إنسان مالاً بقدر طاقته، يشترون به للحاج الجُزر والطعام والزبيب للنبيذ، فيجمعون من ذلك مالاً عظيماً، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام موسم الحج. وذكر إن "هاشم بن عبد مناف"، كان أول من قام بالرفادة، و أول من هشم الثريد، وقد سُميّ هاشماً لهشمه الثريد. وذكر علماء اللغة إن السخاء مراتب ثلاث: سحاء وجود و إيثار. فالسخاء إعطاء الأقل و إمساك الأكثر. والجود إعطاء الأكثر و إمساك الأقل، و الإيثار إعطاء الكل من غير إمساك. وهو اشرف درجات الكرم. ويعبر عن السخاء ب "الندى". ويقال "هو الذي الكف"، إذا كان سخياً. و "طلحة الندى"، أي السخي الكريم. من شيم السادة ويعد حمل أثقال الديات من شيم السادة، إذ لم يكن من الممكن للأسر الفقيرة دفع دية القتلى حين توزع في العشرة أو القبيلة؛ لذلك يحملها السادة عن الضعفاء. وقد فدح "حسان بن ثابت" "حكيم بن حزام بن خويلد"، فكان مما مدحه به انه "انه حمال أثقال الديات". وممن حمل الدماء ودفع اثمان دياتها: "عمرو بن عصم"، الذي حمل الدماء التي كانت بين "بني سدوس" و "بني عنزة" في الجاهلية، وهرم بن سنان، والحارث بن عوف، إذ تحمّل ديات قتلى الحرب التي وقعت بين عبس وذبيان. كما يعد حمل ثقل المولودة التي يراد و أدها من الشيم ومن الأعمال الحميدة التي يحمد القائم بها عليها. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء جماعة دفعوا مالاً لآباء كانوا قد همّوا بوأد بناتهم لإملاقهم ولضعف حالهم، أبقوا بذلك على حياتهن. وهو عمل بقدر حقاً، لأنه عن حس إنساني ودافع خيري نبيل. فك الأسر ومن شيم الرجال المنّ على الأسرى بفكّ رقابهم و إعطائهم حريتهم. وقد أبت مروؤة بعض السادات إلا إن يقوموا بفك أسر الأسرى وإعتاق رقبتهم، ولو بشراء أسرهم بثمن. وقد ذكر العلماء أسماء رجال منهم عاشوا في الجاهلية عرفوا بعدم رضاهم عن الأسر، فكانوا يدفعون مالاً في مقابل فكّ رقبتهم. من هؤلاء "سعد بن مُشمت بن المُخَيّل"، وهو من رجال "بني المخيل" في الجاهلية. وكمان إلى إن لا يرى أسيراً إلا أفتكه. ومن شيم الرجال العفو عند المقدرة والحلم والصفح عن المسيء، وكان من عاداتهم في غفران الذنب، حفر بئر، ثم ينادي من يريد غفران الذنب والعفو عن المذنب: اشهدوا أني جعلت ذنبه في هذه البئر ثم يرد فيها ترابها، وبذلك يغفر الذنب. وقد ضرب العرب المثل بحلم "قيس بن عاصم"، و ب "الأحنف ابن قيس" و "قيس بن عاصم"، هو من بني منقر من تميم. وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وذكر انه كان أول من واد، لأنه خشني إن يخلف على بناته من هو غير كف لهن. وكان قد وأد ثماني بنات، ووفد في وفد "بني تميم" على الرسول فأسلم. وقد قال له للرسول لما دنا منه: "هذا سيد أهل الوبر". و أما "الأحنف بن قيس"، فهو تميمي كذلك. أدرك النبي ولم يجتمع به. وكان يضرب بحلمه المثل وله قصص مع الخلفاء. وسكن البصرة، وبها مات سنة سبع وستين. وقد رجحّ الجاحظ "الاحنف" على كل من عرف عند العرب واشتهر بينهم بالحلم، حتى رجحه على لقمان ولقيم وقيس بن عاصم ومعاوية بن أبي سفيان. وله قصص مع معاوية. ونسبوا له حكماً وشعرا. وذكر انه هو القائل: "لا تزال العرب بخير ما لبست. العمائم، و تقلدت السيوف، وركبت الخيل، ولم تأخذها حمية الأوغاد. قيل: وما حمية الأوغاد? قال: إن يروا الحلم ذلاً، والتواهب ضيما"". وقيل للأحنف بن قيس: بماذا سدت? فقال: بثلاث، بذل الندى، وكفّ الأذى، ونصر المولى. وقال: إنما تعلمت. الحلم من قيس بن عاصم: أتي بقاتل.ابنه فقال: رعبتم الفتى. وأقبل جمليه فقال: يا بني لقد نقصت عددك، و أوهنت ركنك، وفتت، في عضدك، وأشمتَّ عدوّك، وأسأت بقوملك، خلوا سبيله، وما حل حبوته، ولا تغير وجهه. وللعرب كلمة تقولها عند طلب العفو والحلم وفي مواطن الغضب والتشاجر هي: "إذا ملكت فاسجح"، يقصد بها طلب العفو و الحلم عند ثوران الغضب. ولهم كلمات أخرى كثيرة في الحث على التحلي بالحلم و الصبر. ومن خصال السادة: النخوة. وقد عرف بها العرب حتى ضرب بها المثل، فقيل: نخوة العرب، وورد: "لؤم النبيط و نخوة العرب". وهم ينتخون لمن ينتخيهم مع ترفع وتعزز، فإذا نخى شخص، فعلى من انتخى إجابة داعي النخوة و إلا عدّ جباناً وصار سبة للناس. ولا يعني إن ما ذكرته كان بحب إن يتوفر حتماً في رجل ليستحق إن يكون سيداً. فقد رمي بعض الرؤساء بالبخل وبشدة الحرص و بإمساك يدهم، و وصف بعض السادات بالظلم وبالقسوة، ومع ذلك، فقد حكموا قبيلتهم وساد بعضهم وهم شُبّان، والعادة عند العرب إن الرئاسة للمسنّ، و إنما الذي ذكرته يمثل رأي ذوي الرأي في الرئيس المثالي الذي يعرف كيف يحكم قومه وكيف يوجه قبيلته. وهي ليست بالضرورة مؤهلات وصفات يجب إن تكون لازمة في الرجل الذي سيسود قومه، لقد ذكرت إن السيادة بالوراثة، وأن هذه الخلال إذا تحلى بها إنسان آخر من رجال القبيلة عدّ أيضاً سيداً من ساداتها، بمعنى انه صار شريفاً مقدماً فيها ووجهاً من وجوهها. تماماً كما يكون لمدينة ما رئيس مدينة، يحكها بصفة رسمية، ويكون لها في الوقت نفسه وجهاء وأشراف قد يكون من بينهم من هو اكثر ذكراً وأعلى مكانة وأشرف منزلة من رئيس المدينة، ولكنه مع ذلك لا يمثل المدينة في الحفلات والمجتمعات، لأنه ليس برئيسها العامل المعين. وهكذا هو شأن تلك الخصال، خصال مثالية قد تتوفر في رئيس القبيلة، وقد لا تتوفر فيه، بل تتوفر في غيره من أبناء القبيلة ومن رؤساء فروعها، ليكون لهم السيادة و الشرف فيها ويشار إليهم على انهم سادة القبيلة، ولكنهم لا يعنون بذلك رئاسة فعلية، و إنما رئاسة شرف ومكانة وتقدير في مجتمع. ومن هنا نجد أهل الأخبار يذكرون أسماء جملة سادات، على انهم سادات قبيلة واحدة وفي وقت واحد، فهم في الواقع سادات مجتمع وفروع قبيلة. المدح والهجاء وللمدح وللهجاء شأن كبير عند الجاهليين إذ كان الجاهليون يقيمون وزناً كبيراً للقيم المعنوية. فربّ مدح يخلد الممدوح ويبقي ذكره، ورب هجاء يغض من شأن المهجو ويحط من اسمه ونحن هذا اليوم نقرأ ما ورد عنهم من المدح، ونسمع أسماء الممسوحين وما حصلوا عليه من جاه وفخر بين الناس، ونقرأ ما ورد في ذم أناس وما قيل فيهم من ذمّ و قذع. ولولا الأهمية التي أعطاها الماضون للمدح وللهجاء لما بقي الذم والمديح حتى اليوم. ومن أَسباب المدح سخاء الممدوح أو شهامته ونجدته وشجاعته وعفته وحلمه وصبره وتضحيته وما إلى ذلك من صفات وخلال حميدة. فكان إذا جاءه ضيف يعرفه أو لا يعرفه قدم إليه واجب الضيافة، وبالغ في إكرامه وان كان فقيراً لا يملك شيئاً. ويقسمه على نفسه وعلى أهله، لأن الضيافة حق وواجب، و على من يقصدَ الضيافة أداء هذا الواجب. وقد كان الملوك يهبون على المدح ويثيبون المادح على قدر ما جاء في مدحهم لهم من تفن في المدح ومن إطراء زائد ومبالغة في المدح. ولما دخل "النابغة الذبياني" على "النعمان بن المنذر"، وحياه بتحية الملوك، ثم مضى مسترسلا في مدحه، تهلل وجه النعمان سروراً، وأمر إن يقدم له الدرّ، و "كُسيَ أثواب الرضى. وكانت ُجبات أطواقها الذهب بقصب الزمرد. ثم قال النعمان: هكذا فليمدح الملوك". وفي كتب الأدب والأخبار أشعار قيل عن كل شعر منها "إنها أمدح بيت قالته العرب". وفيها مبالغات وغلوّ في المدح، تجعل الممدوح شمس والملوك كواكب، إذا طلعت لم يبد منهن كوكب. وأمثال ذلك. و هذا الشعر وشعر الفخر وأمثالهما، يجب إن يكونا موضوعين لدراسات نفسية، لأنهما يمثلان أعمق الأحاسيس النفسية للعرب، ويتحدثان عن المواطن الرقيقة عند العرب، التي تهتز أوتارها بسرعة عند سماعها هذا النوع من المدح. والنواحي العاطفية التي يمكن منها التأثير في العرب. ونحن لا نستطيع بالطبع، إن نأخذ هذا الفخر أو ذاك المدح على انهما يمثلان الواقع و يمثلان الممدوح تمام التمثيل. أو انهما تعبير عن نفس صادقة مخلصة في كل ما قالته أو نظمته. فنحن نعلم إن من الشعراء من يمدح للعطاء ويهجو إذا حرم منه وان الممدوح إذا قطع عطاءه عن الشاعر، كفَّ الشاعر عن مدحه، وربما انقلب عليه فيغسل كل ما قاله في مدحه له، بشعر يشتمه فيه بأبشع أنواع الشتم وأمضه. فشعر مثل هذا، وان كنا نرويه ونتحدث عنه ونحفظه، ولكنا نرويه ونستلذ بروايته، لأنه لذيذ من ناحية الأدب، ولأنه شعر قديم يمثل ضرباً من ضروب الحياة في ذلك الوقت. وقد يمدح الشخص بنعته بنعوت مشرفة، مثل "فلان أبيض أ و "قوم بيض"، و "البيض المناجيد" وهم لا يريدون من اللفظة بياض البشرة، و إنما يريدون المدح بالكرم ونقاء العرض من الدنس والعيوب. وقد ينعت قوم بالخضرة، ويريدون بذلك إن المنعوتين قوم عرب خلص. والأخضر بمعنى الأسود، والعرب تسمى. الأسود أخضر، يريدون بذلك سواد الجلد، والمراد بسواد الجلد انهم عرب خلص. و يمدح المحافظون على الوفاء بالعهد والمتمسكون بالودّ، والمحامون على عوراتهم الذابّون عنها. ويعبر عنهم ب "أهل الحفاظ". التفاخر والتفاخر، وهو التعاظم، من أهم مظاهر الحياة الاجتماعية عند أهل الجاهلية وفي الكتب العربية أمثلة كثيرة من تفاخر الجاهليين بعضهم على بعض، وتباهيهم بالأشياء الخارجة عن الإنسان و التمدح بالخصال. وتكون المفاخر بالآباء والأجساد، وبالسيادة والشرت، وبالكثرة، و بالحسب والنسب، حتى انهم انطلقوا في بعض الأوقات إلى القبور فكانوا يشيرون إلى القبر بعد القبر، و يقولون: فيكم مثل فلان ومثل فلان? وفي ذلك نزلت الآية: )ألهاكم التكاثر حتى زُرْتم المقابر، كلاّ سوف تعلمون، ثم كلاّ سوف تعلمون(. فذكر إن حيين من قريش، بني عدنان و بني سهم، تكاثروا بالسيادة والأشراف، فقال كل، حيّ بهم: )ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر(. وقيل: إن قبيلتين من قبائل الأنصار، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان وفلان? وقال الآخرون مثل ذلك. تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر، وقال الآخرون مثل ذلك. فأنزلت: "ألهاكم التكاثر". وتقع المفاخرات بحضور محكمين في الغالب، أو طرف ثالث محزم، وعلى الطرفين قبول الحكم و إطاعته، وسماع رأي الطرف الثالث في حجج وأقوال المتخاصمين المتفاخرين. وتكون المفاخرة بإظهار كل طرف ما عنده من خصال يفاخر بها، ومن مناقب يستأثر بها، ومن مجدٍ يرى انه انفرد به دون خصمه، ثم يذكر ما امتاز به على خصمه، بكلام منثور ومنظوم، منسق منمق، وما قام به من أعمال فريدة، وما حصل عليه في حروبه مع الناس. وبعد إن يفرغ المتفاخرون من إِلقاء ما عندهم من حجج وبيان، ينظر المحكمون في الحجج التي استمعوا إليها، ليبدوا حكمهم بموجبها ويكون حكمهم أصعب شيء يواجهونه، لما يتركه من أثر في نفوس المتخاصمين، ولما سيكون له من تأثير في مكانة من سيخسر المفاخرة. ويقال للمفاخرة "المنافرة" و "المنافرة" المحاكمة في الحسب، وان يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يحكمّا بينهما رجلاً، كفعل "علقمة بن علاثة" مع "عامر بن طفيل" حين تنافرا إلى "هرم بن قطبة الفزاري"، و فيهما يقول الأعشى بمدح "عامر بن الطفيل" و يحمل على "علقمة ابن علاثة": قد قلت شعري فمضى فيكما واعترف المنفور للنـافـر وقد نافر "أنيس" أخو "أبي ذرّ الغفاري" شاعراً على شعره، إذ كان يرى انه أجود منه شعراً. وتكون المنافرة في كل شيء، يرى إنسان انه يفوق به غيره، كالمنعة والعزّ والجاه والكرم وما شاكل ذلك من خصال. قال "ابن سيده": "وكأنما جاءت المنافرة في أول ما استعملت انهم كانوا يسألون الحاكم: أبنا أعز نفراً?". و "النفار" إن يتنافروا إلى حاكم يحكم بينهم. و "النفورة" الحكومة. وورد "يوم نفورة": أي يوم حكومة، حكم فيه بالنفار. ومن ا لمفاخرات، مفاخرةُ وفود ربيعة ومضر ابني نزار عند النعمان بن المنذر. فكان فيمن قدم عليه من وفود ربيعة "بسطام بن قيس" و "الحوفزان بن شريك". و فيمن قدم عليه من وفد مضر من قيس بن عيلان "عامر بن مالك" وعامر بن الطفيل. ومن تميم قيس بن عاصم، والأقرع بن حابس. ومفاخرة "آل حذيفة بن بدر" و "آل الأشعث بن قيس الكندي" عند كسرى. وهم من أعرق الأسر في أيامهم، وأشرفها. وقد عَجب "كسرى" بذكائهم وبحدة أذهانهم. ومفاخرات أخرى مدوّنة في الكتب. ومن مفاخرات أهل الجاهلية، منافرة "عامر بن الطفيل" مع "علقمة بن، علاثة" المذكورة، ومنافرة "بني فَزَارة". و "بني هلال"، ومنافرة "الفقعسي" و "ضمرة"، و منافرة "جربر البجليّ" و "خالد بن أرطاة الكلبيّ" ، ومنافرة "القعقاع بن زُرارة بن عدس" و "خالد بن مالك ابن رُبعي بن سلم بن جندل بن نهشل" ومنافرة "هاشم بن عبد مناف" و "أمية بن عبد شمس". "ومن المنافرات، منافرة "عامر بن أحيمر" عند "المنذر بن امرئ القيس ابن ماء السماء". فقد ذكر إن "المنذر" أخرج بُردَين يوماً يبلو الوفود، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة، فليأخذهما. فقام "عامر بن أحيمر" فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، فقال له المنذر: أ أنت أعز العرب قبيلة? فقال: العز والعدد في معدّ، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خِنْذف، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينافرني، قسكت الناس، فقال المنذر: هذه عشيرتك كما تزعم، فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك? فقال: أنا أبو عشرة، وأخو عشرة و خال عشرة، وعم عشرة، و أما أنا في نفسي، فشاهد العز شاهدي، ثم وضع قدمه على الأرض، فقال: من أزالها عن مكانها، فله مئة من الإبل. فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين، وعرف ب "ذي البُرديَن". وطالما كانت تؤدي هذه المفاخرات إلى وقوع حروب وسفك دماء، ولذلك أبطلها الإسلام، ونهى عنها? وعدّها من شعار الجاهلية. والمساجلة في معنى المفاخرة، بأن يصنع مثل صنيعه في جري أو سقي. وتساجلوا بمعنى تفاخروا. ذكروا إن أصل المساجلة: إن يستقي ساقيان، فيخرج كل منهما في سَجْله ع مثل ما يخرج الآخر ج فأيهما نكل فقد غلب، فضربته العرب مثلا للمفاخرة، فإذا قيل فلان يساجل فلاناً فمعناه انه يخرج من الشرف مثل.ما يخرجه الآخر، فأيهما نكل فقد غلب. وتعرف "المفاخرة" ب "المُباهاة" أيضاً. فيقال: تباهوا إذا تفاخروا. ، و أما إذا صايحه، فيقال هاباه. وذلك بأن يذكر كل متباه مناقبه ومناقب قومه، يتفاخر بها على خصمه. وطالما أدت المباهاة إلى وقوع خصومات ومعارك. ومن مفاخر العرب التفاخر بمن برز عندهم في عمل فذّ وفي عمل خصال كريمة، أو قام بفعل استحق الإعجاب. فكانت القبائل تتفاخر بذكر أسماء هؤلآء، وتحفظ أسماءهم للتباهي بهم، كما تفعل الدول في التباهي برجالها. ومن مفاخرهم: الفروسية، فعدّ "الحوفزان" مثلاً وهو "الحوفزان بن شريك" فارس بكر بن وائل. وافتخروا ب "الأصم عمرو بن قيس"، ولقب عند المتفاخرين به ب "صاحب رؤوس بني تميم"، وافتخروا ب "مفروق بن عمرو" "حاضن الأيتام" والظاهر انه كان يحن على الأيتام ويعطف عليهم، لذلك لقب بهذا اللقب، وافتخر ب "سنان بن مفروق"، الذي عرف ب "ضامن الدمن". كما افتخر ب "عمران بن مرة" لأنه أسر "يزيد بن الصعق" مرتين. الخيلاء وقد عرف بعض الجاهليين بالخيلاء والزهو والتغطرس. وقد اعتبرها الإسلام من سمات أهل الجاهلية. وقد اشتهر "سماك بن خرشة الأنصاري" بمشية خاصة به، فيها تبختر و خيلاء؛ حتى عرفت ب "مشية أبي دجانة". والتبختر هي مشية العجب والخيلاء. و كانت من مشية بعض المغرورين المترفين من أصحاب الجاه والمال. |
|
|
|
#123 |
|
عضو فضي
|
الهجاء
والهجاء عكس المدح، وهو ذم الشخص والانتقاص منه و شتمه. و قد نبغ فيه بعض الشعراء، وتخصص به، ويجب إن نقف منه موقف الحذر الشديد، لما للعواطف والهوى من أثر فيه. وقد يهجو شخص شخصاً أو قوماً لسبب تافه، أو بسبب حادث وقع له لا يستوجب صدور ذلك الهجاء منه. وهناك أشخاص جبلوا على ازدراء الناس وشتمهم والانتقاص منهم، فهجوا أكثرهم، بل بلغ بهم الهجاء حدّاً حملهم على هجو أقاربهم وأهلهم، بل أنفسهم في بعضن الأحيان. ويستحق الهجاء من اتصف بسوء الخصال، واتسم بأخلاق الأرذال، والأنذال، وجعل اللؤم جلبايه وشعاره، والبخل وطامر ودثاره. وقد حفظ الرواة بعض الأشعار التي قيل إنها كانت من أهجى أشعار العرب في الجاهلية وفي الإسلام. وذكر إن من شعر الهجاء المرّ القاسي قول الأعشى: تبيتون في المشتى ملاءً بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا وقوله في الزبرقان بن بدر: دع المكارم لا ترحل لبغيتـهـا واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي وقول الطرمّاح: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا و لو سلكت طرق المكارم ضلّت إلى غير ذلك من شعر، يجب إن نأخذه بحذر. وان نعالجه دائماً على انه يمثل العواطف الشخصية والانفعالات النفسية، والتهيج الآني. وان شعراً من هذا القبيل لا يمكن إن يحمل محمل الصدق، وان نقول عنه انه يعبر عن الواقع. بل نأخذه كما سبق إن فكرت عن شعر المديح على انه تعبير عن نوع من أنواع الأدب في ذلك الوقت. وعلى انه باب بحب إن يدرس من الوجهة النفسية، لأنه يفيد في الوقوف على النفسية العربية و العقلية الجاهلية في ذلك الوقت. ولم يكن الهجاؤون يراعون الصدق في كلامهم، وكيف يراعونه وهم يريدون هجو خصومهم والإساءة إليهم والى سمعتهم بأية طريقة ووسيلة كانت، حتى وان علموا إن سامعي الهجاء لا يصدقونه. ومن هذا القبيل رمي بعض القبائل أو الأُسر بأنها من أصل أعجمي، وفي كتب الأخبار أمثلة عديدة على ذلك، وقد يكون ذلك بسبب وجود دم أعجمي من أم أو من أب بعيد أو قريب، وقد لا يكون أي أثر من ذلك. شتم "عمرو بن الأشم" "قيس بن عاصم"، فقال له ولقومه: إن تبغضونا، فإن الروم أصلكـم والروم لا تملك البغضاء للعرب وقد عير "حسان بن ثابت" "بني المغيرة" وسبهم بأنهم عبيد قيون، أبوهم قين لدى كيره" جاثم. يأخذون "الاهالة"، وهو الدهن الذي يستخرج من اللحم، ويبيعونه من الدباّغين. فما ذكره فيهم هو من أعمال العجم والصعاليك، لا العرب الأصلاء و الأقحاح. وذكر إن "الوليد" المعروف ب "الوليد بن المغيرة" لم يكن عربياً، و إنما كان عبداً رومياً، وكان اسمه "ديم"، واسم أبيه. "صقعب"، فرغب فيه "المغيرة"، فادّعاه، والحق صقعباً بالشام، فاشتاق إليه، فصوره في الحائط. وقد هجاه "حسان بن ثابت"، فقال له إن والدك "صقعباً" كان قيناً، و أما أمك فهي "حباشة"، وهي عبدة سوداء. وقد تباهيتَ إذ صرت غنياً، و إنما صرت ثرياً بكلبتك هذه، وهي آلة من آلات الحدادين، يشير بذلك إلى انه كان حداداً، يعرف ضرب النصال، وحسن الرقع للبرم. وهي القدور. ويظهر من شعر حسان ومن شرح الشرّاح إن "الوليد" كان مصهوّراً ماهراً متمكناً من فنه، حتى صور اباه، إن صح هذا الادعاء من " حسان". ولحسان بن ثابت هجاء شديد لثقيف، قال في بعضه خلوّا "معداً" ولا تنتسبوا إليها، واتركوا "خِنْدفاً"، فما لكم من ولادة فيها، وذلك على عاداته وعادة الشعراء والناس عند هجاء قوم، حيث يرمونهم بكل قبيح، ويجردونهم من كل مكرمة، إلا انه لم يصرح في شعره بأنهم من ثمود، إذ كانوا وقت هجاء "حسان" إياهم من "قيس". وقد نسبهم بعضهم إلى "الفهود بن بني جائر بن إرم، اخوة ثمود"، ونسبهم آخرون إلى "وحاظة" بن حمير ؛ وقال آخرون إن "ثقيفاً"، هو عبد كل ذلك نكاية بثقيف. وذكر أهل الأخبار إن "الازرق"، وهو غلام رومي في الأصل كان للحارث ابن كلدة الثقفي. وقد ادعى نسله إن "الأزرق" هو ابن "عمرو بن الحارث ابن ابي شمر الضاني"، فهم من غسان. وذكر انهم ادعوا في أول آمرهم انهم من تغلب، ثم من بني عكب؛ ثم أفسدتهم خزاعة، ودعوهم إلى اليمن، وزينوا لهم ذلك، وقالوا: انتم لا يغسل عنكم ذكر الروم إلا إن تدعوا إنكم من غسان. فانتموا إلى غسان بعد. وقد عَيَّرت العرب وسبَت من كان ذا أصل خامل، كأن يكون قينا، والقين العبد والحداد. ولعلها جمعت هذا المعنى من الرابط بين الحرفة والمنزلة، فقد كلبن القيون من العبيد. وقد عيّر "حسان بن ثابت" "بني عوف بن عوف" بأنهم منتسبون إلى قريش، ولكن نسبهم ليس منهم، بل من جذع قين لئيم العروق عرقوب والده اصهب. فرماهم بأنهم ليسوا من قريش، ولا من العرب، بل من الروم، ووالدهم اصهب به حمرة، وليست الصهبة من لون العرب. وقال لهم: ولذا أردتم الانتساب إلى العرب، فانتسبوا إلى "تغلب"، انهم شرّ جيل، وليس لكم غيرهم مذهب. ويبعث قول "حسان" هذا في "تغلب" على الظن بان أقواماً من الغرباء دخلوا في تغلب، وصاروا منهم. ولعله قصد إن من تنصر، دخل في تغلب، حتى دخل فيهم من ليس من العرب بسبب نصرانيته، حتى دخل فيهم قوم أصلهم من الروم. و عُير ب "أولاد درزة م، ويراد بهم الغوغاء. وبنو درز: الخياطون و الحاكة، والعرب تقول للدعيّ: هو ابن درزة وابن ترني. وذلك إذا كان ابن أمةٍ تُساعي، فجامت به من المساعاة، ولا يعرف له أب، وقال: هؤلاء أولاد درزة وأولاد فرتني. للسفلة و السقاط. والسب: الشتم، والسباب: الشتائم والمشاتمة. و أما "السبّة" فالعار. و كانوا يتشاتمون جماعات و فُرادى، و يعير بعضهم بعضاً وقد يقذعون في السب، ولا سيما في الأمور إلى تتغلب فيها العواطف، على العقل. ومن شتائم الجاهليين وسبابهم "عضضت بأير ابيك"، ويا ابن الزانية، ويا ابن الفاعلة، و "يا عاض اير أبيه، و "يا مصفر أُسته"، و "يا ابن ملقى ارحل الركبان". و عيرت العرب بالبخل. و البخل هو على نقيض الكرم. وقد ذُمّ بعض الجاهلين لبخلهم ولحرصهم الشديد على مالهم وعدم مساعدتهم للفقراء. و المحتاجين. وقد انتخبوا من بينهم رجلاً زُعم انه ابخل الناس في الجاهلية اسمه "مادر"، "بخل مادر" و "ابخل من مادر". وهو رجل من "بني هلال بن عامر". ذكر انه كان إذا أتى ماءً روي وأروى، ملأه مدرا ضنا على غيره بوروده. وانه بلغ من بخله انه سقى ابيه، فبقي في الحوض ماء قليل، فسلح فيه ومدر الحوض بالسلح، أي لطخه. وورد في الأمثال: "ألأم من مادر". وعّيرت بالغدر. قال بشر: رَضِيعَةُ صَفْحٍ بالجباه ملـمةُ لها بَلَقٌ فوق الرؤوس مشهَّرُ وصفح رجل من "بني كلب برت وبرة"، جاور قوماً من "بني عامر"، فقتلوه غدراً. يقول غدرتكم ب "زيد بن ضباء الاسدي"، اخت غدرتكم بصفح الكلبي. و عيرت من ينكر الصنيع الجميل و الفعل الحميد، فينسى احسان من احسن له. وعيرت من لا يفي، ولا سيما من أكل الخبز والملح، وهما من موجبات الوفاء، فقالوا: "ملحه على ركبتيه"، في عدم الوفاء. وإذا سبت العرب أحد الموالي، قالت: يا ابن حمراء العجان، أي يا ابن الأمَة. كلمة تقولها في السبّ والذمّ. والعرب تسميّ الموالي: الحمراء. وكانوا يعيرون "الأتاوي"، و هو الغريب في غير موطنه، ولا يعدلون أحداً من الأتاويين باصحاب المحلات. قال الشاعر: لا تعدلن اتاويين قـد نـزلـوا وسط الفلاة باصحاب المحلات وقالت امرأة من الكفّار، وهي تحرض الأوس والخزرج، حين نزل فيهم النبي: أطعتم أتاويّ من غيركـم ظلا من مرُاد ولا مذحج أرادت إن تؤلب وتذكي العصبية. وكانوا إذا أرادوا الاستهزاء برجل جاهل سفيه، قالوا له: هذا من اشد سباب العرب، أي إن يقول الرجل لصاحبه إذا استجهله يا حليم! أي أنت عند نفسك حليم وعند الناس سفيه. ويعيَّر الإنسان بأبويه، أو بأحدهما، إذا كان بهما أو بأحدهما مثلبة ومنقصة يؤاخذ عليها، كان يكون ابن أمة أو ابن سبي بيع في السوق. وقد رأينا انهم كانوا يزدرون الهجين، ولا ينظرون إليه نظرتهم إلى إنسان صريح، كما كانوا يزدرون منَ أمه أو أبوه من أصحاب الحرف. و قد عيِّر "النعمان بن المنذر" لأن أمه "سلمى" كانت ابنة قَينْ، على زعم بعض الرواة. وكانوا إذا شتموا ابن امة، قالوا له: يا ابن آستها. وقد كان للجاهليين أعراف في إهانات الناس، من مثل سب الشخص على ما ذكرت، وتحريض الأطفال على العبث بمن يريدون اهانته، ورميه بالحجارة والركض خلفه، وبأمثال ذلك، أو بتحريض السفهاء على التحرش بالشخص، أو تحريض النسوة بسبِّه، وبالإقذاع في كلامهم معه، وبما شاكل ذلك من وسائل دنيئة لا تنم على قدرة المحرض ولا على جرأة عنده، فيعمد إلى أمثال هذه الأمور. و أما المقتدرون المتمكنون، فكانوا إذا أرادوا إهانة إنسان أهانوه بأسلوب يدلّ على قدرة المهين وتمكنه من مُهانه وازدرائه، فكان أحدهم إذا تمكن من عدوّه، عد إلى إهانته بنتف لحيته. و نتف اللحية من الإهانات الشديدة عند العرب، لأن اللحية من سيماء الرجولة، فإذا نتفت عدّ نتفها انتقاصاً من شأن ذلك الرجل، وازدراءً شديداً به. وما يقال عن الإهانة التي توجه إلى الرجل بنتف لحيته، ينطبق كذلك على "جز الناصية". فجزّ الناصية من وسائل التحقير والازدراء، و فيه دلالة على ازدراء مَنْ جَزَّ الناصية بمن جُزّت ناصيته، بعد إن تمكن منه. وقد كان في إمكانه استرقاقه، أو المنّ عليه بفك أسره، أو بفك رقبته بفدية، ولكنه لم يفعل كل ذلك، ولم يطمح في الفدية إمعاناً في ازدراء خصمه بإفهام الناس إن ذلك الشخصر لا يساوي شيئاً، وان المتمكن ارفع من إن يقبل فدية عن رجل وضيع خامل. وكانوا إذا ذكروا خصومهم، تمنوا لهم الشرّ والأذى، واستعملوا جملاً فيها هذه المعاني. مثل: أخس الله حظه، وأبعده الله وقبحه، أو رضيع اللؤم، أو ابعد الله دار فلان، وأوقد ناراً في أثره، وقد يذكرونهم بهزء وسخرية. ويكثر ذلك عند أهل القرار. ومن معاني الشتم لفظة "لحى"، اليّ تعتي "شتم". يقال "لحى الله فلانا"، أي قبحه ولعنه. و "الملاحاة" المنازعة وفي المثل من لاحاك، فقد عاداك. وكان من دعاء بعضهم على بعض قولهم: "حبناً و قداداً". والحبن الاستسقاء، والقداد، وجع في البطن. وكان إذا دعا الرجل على صاحبه، يقول: قطع الله مطاك. فيقول الآخر: بسلاً بسلاً، أي آمين آمين. وكان يحلف الرجل ثم يقول بسل، أي: آمين. وكان "عمر" يقول في دعائه: آمين وبسلاً، أي إيجاباً و تحقيقاً. وهي في معنى الويل، يقال: بسلا له أي ويلاً له. وكانوا إذا ما أرادوا التكنية عن الكذاب، قالوا: "أبو بنات عبر". و "بنات عبر" الكذب والباطل. الخسة و الدناءة والخسة والدنامة، والخسيس الدنيء والحقير. والدنيئة النقيصة. والسنية الخصلة المذمومة. وهي من المثالب التي تكون في الإنسان. فيزدرى من شأنه ومحتقر بين قومه. ومنها الحسد واللؤم وعدم احترام العرض. والعرب، تتنخى من الدنايا و تستنكف منها. والحسد من الصفات السيئة التي كرهها العرب. وقد كان الحسد إذ ذاك كثيراً، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفقر. فكان الفقير يحسد غيره على ما عنده، مهما كان ما عنده قليلا، لأنه لا يملك حتى هذا القليل. وقد بحث "الجاحظ" في الحشد، ووضع رسالة فيه دعاها: كتاب فصل ما بين العداوة والحسد. والحسد عنه شيء مألوف يقع لكل طبقة ولكل إنسان. ومن أسبابه: حبّ الرياسة، ووجود النعمة، و أمور أخرى ذكرها و تحدث عنها. كما تكلم عن مظهر الحسد و أشكاله عند الجاهلين والإسلاميين، وقد جعله فوق العداوة، لأن العداوة تزول بزوال أسبابها، أما الحسد، فإنه دائم باق. و "الج بن"، من الصفات التي يعير "الجبان" بها. وهو الذي لا يحب القتال ولا يستعمل سيفه. ولما كانت الحياة عند للعرب حياة قتال صارت الشجاعة في الإنسان صفة من صفات التكريم والتعظيم والتقدير، عكس "الجبن"، وينظر الناس إلى "الجبان" نظرتهم إلى النساء، بل هو عندهم دونهن شأناً. لأن المرأة ولدت وفي طبعها اللين والاستسلام، أما الرجل فقد خلق للعراك والقتال، وقد حفظ أهل الأخبار قصصاً عن الجبناء وعن، تحايلهم في سبيل تخليص أنفسهم من القتال ومن استعمال السيف. وقد اتهموا بتهم منها: انهم كانوا ينتابهم "الضراط" عند شعوبى هم بخوف و بأصوات السيوف. حتى، استخفت النساء بهم من أجل ذلك. قيل في المثل: أجبن من المنزوف ضرطاً. ومن ذلك إن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل، فتزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة، فإذا أتينه بصبوح، قلن قم فاصطبح، فيقول: لو نبهتُنَّي لعادية، فلما رأين ذلك. قال بعضهن لبعض: إن صاحبنا لشجاع، فتعالين حتى نجربه، فأتينه كما يأتينه، فأيقظنه. فقال: لو لعادية نبهتني. فقلن هذه نواصي الخيل. فجعل يقول: الخيل الخيل و يضرط ، حتى مات. إلى غير ذلك من قصص يروج الأخباريون. الشرف و الخمول في قبائل العرب و القبائل كالأفراد والأُسر، فيها النابه المذكور المهاب، وفيها الخامل الهزيل الضعيف الذي لا ينظر إليه نظرة تقدير وتبجيل. والقبيل الكثير الذرَّء والفرسان والحكماء و الأجواد والشعراء، و كثير السادات في العشائر، وكثير الرؤساء في الأرحاء، هو القبيل المقدر المعظم، ذو الشأن بين القبائل. وقد تقع أحداث وعوامل، تؤدي إلى خمول القبيل والى انفصام وحدته، و إلى طمع غيره فيه، فيهزل عندئذ ويخمل، ويأخذ مكانه من هو أقوى منه. وقد ذكر "الجاحظ"، إن القبيل الذرء و العدد، والذي لا يكون فيه خير كثير ولا شرّ كثير، يخمل و يدخل في غمار المرب، ويغرق في معظم الناس، وصار من المغمورين ومن المنسيين، وسلم من ضروب الهجاء ومن أكثر ذلك؛ و سلم من إن يضرب به المثل في قلة ونذالة إذا لم يكن شرّ، وكان محلّهم من القلوب محلّ من لا يغيظ الشعراء، ولا يحسدهم الأكفاء... و إذا تقادم الميلاد ولم يكن الذرء وكان فيهم خير كثير وشرّ كثير، ومثالب ومناقب، لم يسلموا من إن يهجوا ويضرب بهم المثل... وقد يكون القوم حلولاً مع بني أعمامهم، فإذا رأوا فضلهم عليهم حسدوهم، وان تركوا شيئاً من أنصافهم اشتدّ ذلك عليهم، وتعاظموا بأكثر من قدره، فدعاهم ذلك إلى الخروج منهم إلى أعدائهم. فإذا صاروا إلى آخرين نهكوهم وحملوا عليهم، فوق الذي كانوا فيبه من بني أعمامهم، حتى يدعوهم ذلك إلى الندم على مفارقتهم، فلا يستطيعون الرجوع، حميّة واتقاء، ومخافة إن يعودوا لهم إلى شيء مما كانوا عليه، و إلى المقام في حلفائهم الذين يرون من احتقارهم، ومن شدة الصولة عليهم". وقد ذكر "الجاحظ"، إن مما تبتلى به القبائل فيصيبها الخمول: الشعر و نبوغ الأقارب أو المنافسين. فالشعر عند العرب يرفع من قدر الناس ويحطّ من درجاتهم. فقد يقال بيت واحد يربطه الشاعر في قوم ليس لهم جاه، فيرفع من شأنهم، وفد يقال بيت واحد في قوم لهم النباهة والعدد والفعال، فيغض من مكانتهم، ويكون سبّة لهم. ولأمر ما بكت العرب بالدموع الغِزار من وقع الهجاء، كما بكى مخارق بن شهاب، وكما بكى علقمة بن عُلاثة، وكما بكى عبد الله بن جُدعان، والبلية الأخرى: إن يكون القبيل متقادم الميلاد، قليل الذرء قليل السيادة، وتهيّأ إن يصير في ولد أخوتهم الشرف الكامل والعدد التام، فيستبين لمكانهم منهم من قلتهم وضعفهم لكلّ من رآهم أو سمع بهم، أضعاف الذي هم عليه لو لم يكونوا ابتلوا بشرف أخوتهم. و من شؤم الأخوة إن شرفهم ضعة إخوتهم، ومن يمن الأولاد إن شرفهم شرف من قبلهم من آبائهم ومن بعدهم من أولادهم. ولذلك كانت القبائل تفخر بنبوغ الشعراء بها، لأنهم لسانها الذابّ عنها، وسيفها المصلت على رقاب الأعداء. وتتباهى بما يقوم به ساداتها من فعال حميدة وأعمال مجيدة ترفع رأس أبناء القبيلة بين الناس. ولأهمية الشعراء عند الجاهليين، قال بعض العلماء: كلاب الحيّ شعراؤهم، وهم الذين ينبحون دونهم، ويحمون أعراضهم. وفي هذا المعنى جاء قول عمرو بن كلثوم: وقد هرَّت كلابُ الحيّ منّا و شَذَّبنا قتادة من يلـينـا الإسلام والجاهلية وقد أبطل الإسلام كل سمة من سمات الجاهلية وعلامة من العلامات التي كانت تعدّ من صميم حياة الجاهليين. وفي جملتها المثل الأعرابية والحياة البدوية، فاعتبر الأعرابية بعد الإسلام ردة ر ونهى عن الهجرة من المدن إلى البوادي، فكان الأعرابي إذا دخل في الإسلام، لزم الحضارة، وكلّف بواجب الجهاد في سبيل نشر الإسلام، لما في التبدي والأعرابية من ابتعاد عن الجماعة وترك للواجب الملقى على المواطن في الدفاع عن الإسلام وفي العمل على إنهاض المجتمع والإنتاج. في سبيل الخير العام. لذلك لام الناس "أبا ذر الغفاري"، حين لجأ إلى "الربذة" فأقام، بها وتعزب بذلك عن الجماعة. وفي جملة ما حاربه الإسلام من أمور الجاهلية الأصنام والأوثان، فطُمست وأزيلت معالمها، بل غير أموراً أقلّ منها شأناً وخطباً، مثل: خضرمة النوق. وكان أهل الجاهلية يخضرمون نعمهم، فل جاء الإسلام أمروا إن يخضرموا من غير الموضع الذي تخضرم منه أهل الجاهلية. وذلك منعاً من التشبه بالجاهليين، و إبعاداً للمسلمين عن تذكر أيام ما قبل الإسلام. ونهى عن تسنيم القبور وعن لبس بعض الملابس، وعن أمور أخرى، لأنها كانت من صميم أعمال الجاهليين. وحارب الإسلام، للعصبية التي كانت من أهم سمات الجاهلية، و التي بقيت مع ذلك كامنة في نفوس الناس. عصبية القبائل وعصبية القرى والمواضع. من ذلك ما كان بين يمن و أهل مكة من نزاع، تحول إلى نزاع قحطان وعدنان. فعير أهل مكة اليمن بأنهم قيون، و أجابهم أهل اليمن بكلام غليظ شديد. هذا "أمية بن خلف" يهجو حسان بن ثابت بقوله: أليس أبوك فينا كـان قـينـاً لدى القينات، فسلاً في الحفاظ يمـانـياً يظـلّ يشـدّ كِـيِراً وينفخ دائباً لهـب الـشـواظ وهذا "حسان" يجيبه ويرد عليه في شعر مطلعه: أتاني عـن أمـيّة زُورُ قـولٍ وما هو في المغيب بذي حفاظ وطالما ظهرت هذه العصبية في أيام الرسول، بتنازع الأنصار وقريش وتفاخرهم بعضهم على بعض. وذكر إن في جملة أسباب تحريم الخمر، إن رجلا من الأنصار صنع طعاماً، فدعا جمعاً من الأنصار وقريش، وشربوا الخمر حتى انتشوا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم. وقالت قريش نحن أفضل منكم، و تخاصموا، فبلغ ذلك الرسول، فنزل الأمر بتحريم الخمر. وفي جملة ما نهى الإسلام عنه "دعوى الجاهلية" من التفاخر بالأحساب والأنساب والتباهي بالمال والبنين والأموات، و تحريم بعض الطعام والشراب والعادات الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية على نحو ما رأينا فيما تقدم، وما سنراه فيما بعد. قد ترك المسلمون أموراً كثيرة أخرى مما كان مستعملاً في الجاهلية، فمن ذلك تسميتهم للخراج إتاوة، و كقولهم للرشوة ولما يأخذه السلطان: الحُملان والمكس. و كما تركوا: أنعم صباحاً، وأنعم ظلاماً، وصاروا، يقولون: كيف أصبحتم? وكيف أمسيتم? كما تركوا إن يقولوا للملك أو السيد المطاع: أبيت اللعن، وتركوا إن يقول العبد لسيده: ربي وان تقول حاشية الملك و السيد للملك وللسيد: ربنا. وكما تركوا إن يقولوا لقوّام الملوك السدنة، وقالوا: الحجبة. كما تركوا أشياء أخرى مثل المرباع والنشيطة و الصفايا، إلى غير ذلك، مما كان مستعملا في الجاهلية. فكره لذلك استعماله في الإسلام. |
|
|
|
#124 |
|
عضو فضي
|
الفصل الثامن و الأربعون والتاسع والاربعون
الحياة اليومية لا نستطيع إن نتصور وجود حياة يومية صاخبة أو متغيرة عند أهل الوبر، فحياة البادية في غاية البساطة ساذجة إلى أقصى حدّ من السذاجة. تذهب وتأتي على وتيرة واحدة ونمط واحد. فليس للرجل في البادية من عمل سوى رعي الإبل والإشراف عليها. وهو عمل لا يستوجب مجهوداً ولا يتطلب بذل طاقة، لذلك يعهد به إلى الأحداث في الغالب، أما الرجال، فليس لهم عمل مهم يذكر. لذلك يقضون معظم وقتهم جلوساً بغير عمل، أو في التحدث بعضهم إلى بعض. وحياة على هذا النحو تجعل الإنسان على الكسل والخمول. فصار الأعرابي خاملا كسولا على صحة جسمه وتوقد ذهنه وذكائه. يحسن الكلام و يجيد تنميق الحديث ويتلاعب في كلامه وفي أيجاد معان وحيل ومخارج له، ويسترسل في الخيال وفي التصور وفي شعوره الذي سبكه وصاغه في كلام موزون منظوم مقفىّ، وفي كلام مسترسل غير مقفى، وفي كل حرفة لسانية، أو تعبير عن شعور ذاتي صاحب والبطولة وما شاكل ذلك مما لا يحتاج إلى مجهود و عمل. أما النواحي العملية من الحياة، من نواحي التي تحتاج إلى جهد وعمل، فقد ترك أمرها لغيره، بل ازدراها وازدرى شأن من يعمل بها، واحتقر الحرف والصناعات، لأنها من عمل الأعاجم والعبيد. ورأى إن من العار إن يصاهر أهل الصناعات والحرف والزراعة، لأنهم دونه في المنزلة بكثير. وهو غير ملوم على نظرته هذه إلى العمل البدوي المجهد، فالإنسان عدوّ ما جهل معظم لما يكون عنده؛ كاره لما لا يملكه ويكون عند غيره. فقد حرمته الطبيعة من كل ما يحمله على بذل الجهد للاشتغال في صناعة أو حرفة أو زراعة، ولم تهيئ له البذور والمواد اللازمة لاقامتها، لذلك جهلها فحاربها وازدراها وازدرى شأن من يشتغل بها. كما سأتحدث عن ذلك في المواضع المناسبة لهذا البحث. والبادية ارضون واسعة شاسعة جرداء في اغلب أيام السنة، خلا مواسم نزول الغيث وهي قليلة، وقد تنحبس. إذا أمطرت السماء ظهر "الربيع"، فتفرح الأرض وتكسى بخضرة تتخلها أوراد وأزهار وشقائق، ويضحك عندئذ وجهها، بعد يبوس و عبوس، ضحكاً يفهم الإنسان الحضري عندئذ سرّ تعلق الأعرابي بباديته. ففي البادية على ما فيها من شقاء وجفاف و يبوسة؛ سحر ينسي الإنسان صعوبة الحياة، وحلاوة تنسيه مرارة الأيام القاسية التي يعيشها البدوي في باديته. بعيداً عن الحضر وعن المجتمع المتكثف في مستوطنة أو قرية أو مدينة، بل بعيداً حتى عن أبناء عشيرته فمن طبيعة الصحراء إن قلبها لا يتقبل المجتمعات الكبيرة، بل يفضل المجتمعات الصغيرة المتناثرة. فصارت البيوت فيها متباعدة منتشرة هنا وهناك انتشار النجوم في السماء. كل بيت مسؤول عن حماية نفسه وعن وقاية أفراده من أذى الإنسان والحيوان، وعن حماية جاره وذوي رحمه وأبناء عشيرته. لأنه إن لم يفعل ذلك، لم بجد من يدافع عنه أيام الشدة والعناء، حتى صار الجار عنده بمنزلة الأهل والدار. وحياة من هذا النوع هي حياة لا بد وأن تصير بسيطة جداً ساذجة إلى أقصى حدود السذاجة. أحاديثها اليومية تكرار واعادة، و أحاسيسها نسخة لأحاسيس اليوم الماضي و الأيام السابقة. وافق التفكير فيها محدود ضيق إذ لا مجال فيها للفكر إن يتفتق وأن يتفتح ويتوسع. ومن هنا طبعت الحياة العقلية والاجتماعية بطابع الفطرة والبساطة. وهي لا يمكن إلا إن تكون كذلك. وكيف تريد منها إن تكون غير ذلك، ومحيطها وظروفها هي على هذا النحو من الحدود والقيود! وفي وسع الرجل بفضل ما أوتي من قوة ومن يسطة في الجسم، قطع المسافات لزيارة الأقارب والجيران، لقتل الوقت بالكلام معهم، أو للتحدث عن غزو سابق أو عن شؤون سيد القبيلة أو عن أشراف العشيرة أو للخروج إلى صيد لاصطياد ما قد بحده من حيوان مسكين، حَتَّم عليه سوء طالعه إن يولد في هذه الأرض الفقرة، فهو مثل الإنسان تائه بهذه الحياة في هذه البادية الواسعة المكشوفة الشحيحة، يشكو إلى خالقه من ظلم طبيعةٍ أنبتته في هذه الأرض الفقيرة، على حين زرعت غيره في غابات كثيفة ذات ظروف حياتية غنية، فيها من المأكول أشكال و ألون. يينما هو لا يكاد يجد أمامه شيئاً، حتى إذا اشتد عوده. واستوى، وقع في قبضة أناس جائعين، لا يقل جوعهم عن جوعه، فلا يخرج من قبضتهم أبدا. يتلذذون في أكله شواء، ويتحدثون عن صيدهم ويفتخرون به. وقد يكون الصيد ظبياً أو ضباً أو يربوعاً. ويفخرون بصيدهم لأنهم محرومون من اللحم، وكل ما تقع عليه عين المحروم من الأكل، هو أكل لذيذ دسم في نطر المحروم. أما الأطفال فهم أطفال أينما وجدوا. لا يعرفون من أسرار الحياة وعنائها وشقائها شيئاً. همهم اللعب، يلعب الذكور مع الإناث، الأخوة مع الأخوات، فهم أطفال البيوت. وقد يلعب معهم أطفال جيرانهم، إذا كانت البيوت متقاربة. يلعبون ألعابا، هي من نتاج طبيعة أرضهم و محيطهم. لا يعبأون بحرّ ولا برد، ولا بريح أو بأشعة شمس محرقة وما الذي يفعلونه تجاه طبيعة قوية قهارة لم. تعطهم إمكانيات بناء بيوت من مدر يأوون إليها لحماية أنفسهم من أشعة الشمس لهم على الأقل. و إنما مكنت آباءَهم من صنع بيوت من وبر أو صوف أو شعر معز قد تقيهم من الأشعة بعض الوقاية، بأن تمنحهم شيئاً من ظل. ولكنها عاجزة عن حمايتهم من البرد ومن الحر ومن الغيث إذا نزل عليهم مدراراً. لا سيما إذا طال عهد هذه البيوت ولعب بها العمر، وصارت مهلهة بالية، ذات جيوب وشقوق كالغراببل، تعبث بها الرياح ساخرة من جهل هذا الإنسان القانع الراضي بحياته هذه على ما فيها من شظف وعسر و فقر، بينما هناك مجال واسع له لتحسين حاله، لو حرك نفسه واستخدم عقله وذراعه لتسخير الطبيعة في خدمته، لتحسين وضعه والترفيه عن نفسه ولو إلى حد. الرجل والرجل بحكم تفوق بنيته على بنية المرأة، وبفضل قوة عضلاته ومقاومته للطبيعة و للأخطار سيد الأسرة و "رب العائلة" و "بعل المراة"، أي سيدها. منح نفسه حقوقاً لم يعطها للنساء. وبنى مفاهيم العدل والحق على أساس إن العدل هو القوة، فاغتصب حق المرأة و البنت والولد والرجل العاجز لقوته ولأنه مقاتل، أما غيره من المذكورين فعاجز عن القتال، فحرمهم من الحقوق. ومنها حقوق الإرث، وأباح لنفسه حق الاستمتاع بملاذ الحياة، وفي جملتها الاستمتاع بالنساء وبالخمور وببقية الأطايب. فله إن يتزوج ما يتمكن من النساء، وجعل بيده حق الطلاق، وجوّز لنفسه الاتصال بأية امرأة شاء وان كان متزوجاً، وله إن يتسرى ما يشاء، وله غير ذلك من امتيازات وحقوق، بسبب قوته وتفوقه على الجنس الآخر وعلى المستضعفين من المخلوقات، لأن الحق للمخلوق القوي، ولا حق عند القوي لإنسان ضعيف. اللحية ومن الرجولة الشجاعة والأقدام وعدم المبالاة والمحافظة على مقومات الرجل وما منحته الطبيعة إياه من ملامح ميزته عن المرأة، وأهمها: اللحى. فاللحية عند العرب رمز الرجولة وزينتها وسيماء تكريم الرجل وتقديره. وإهانة اللحية عند العرب وعند الساميين هي من اعظم الإهانات التي لا تغتفر، وتقبيلها عندهم من علامات التقدير والاحترام والاجلال. ويعد نتف اللحية أو جزها أو حلقها إهانة كبيرة تنزل بصاحبها. يفعلها من يريد الازدراء بشأن الملتحي، ويعد عدم الاكتراث بتسوية اللحية من سيماء الحزن أو الغيظ أو المرض أو الارتباك وتضعضع الحال. وفي في التوراة إن في جملة الإهانات التي تلحق بالناس حلق أنصاف لحاهم. ويقسم باللحية، ويعدّ القسم بها من الإيمان المغلظة. يمسك بها الحالف بيده اليمنى فيحلف في انه لا يكذب أو انه سيفعل، أو-ما شابه ذلك. ولكن العادة إن الحلف بها يكون بإمساكها باليد، وإذا مدّ غريب يده على لحية رجل اكبر منه في المنزلة وللدرجة وأقسم بها أو استجار بها، وجب على صاحبها الأخذ بقسمه والاهتمام بأمره ومساعدته. وقد يمسك غريب محتاج أو مطارد بلحية سيد قبيلة أو شريف قوم، ويبين له انه في حماه ومنعته، وعلى الرجل بذل الحماية والمنعة له. والعربي يكرم لحيته، ولا يحلقها، وتكون لحيته مدببة في الغالب على نمط اللحى الفرنسية. ويصرف بعض الوقت لإصلاحها حتى لا تكون متناثرة بشعة، وقد يعير الإنسان بلحيته، فيقال: له لحية تيس. وتنسب عادة إكرام اللحى إلى سنن إبراهيم. وقد تكون اللحية كثة كبيرة منتظمة. ويقال للرجل ذي اللحية الطويلة: "اللحياني" و "رجل لحيان". ويحلف العربي بشاربه، فإذا أراد إعطاء عهد أو جوار أو أي عهد آخر واقسم بشاربه، وجب عليه الوفاء بعهده. ومن عادة العرب تخْيف الشارب، وقد تحف وتنسب هذه العادة إلى سنن إبراهيم، ومن السنن الأخرى تقليم الأظافر وحلق العانة. وذكر إن الرسول كان يقصى شاربه وأنه قال: قصوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس. وورد انه قال: "خالفوا المشركين ووفرو اللحى وأحفوا الشوارب". ويعدّ قص الشارب من "الفطرة". وهي عشرة أو خمسة أمور. يذكرون إنها من سنن "إبراهيم ومن "تبعه من العرب. وفي جملتها الختان. ويذكر العلماء إن الله ابتلى "إبراهيم" بسنن الفطرة، وهي التي ذُكرت في للقرآن في قوله تعالى: )وإذِ ابتلى إبراهيمَ رَبُّهُ بكلمات فأتَمَّهنّ"، وهي الكلمات العشر: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فأما اًلتي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق وقصّ الشارب والفرق والسواك. وأما التي في الجسد فالاستنجاء وتقليم الأظافر ونتف الإبظ وحلق العانة والختان. فلماّ جاء. الإسلام، قررها سنة من السنن. والعرب من أصحاب الشعور السوداء. وهم مثل غيرهم يفاخرون بشعر رئسهم، ويتركونه ينمو ولا يحلقونه على نهو ما كان يفعل اليهود والمصريون. وكانوا يدهنونه؛ ويمشطونه بالمشط، ويتركونه يتدلى على المنكبين. وقد يضفرونه ضفائر. ومنهم من يضفره ضفيرتين يجعلهما تتدليان على جانبي الوجه. وذكر إن العرب تسمي الخصلة من الشعر أو الضفيرة قرناً. ولهذا عرف "المنذر ابن ماء السماء" جدّ "النعمان بق المنذر" ب "ذي القرنين" لضفيرتين كانتا في قرني رأسه. والعرب تكني عن العربيّ بالجعد وعن العجمي بالسبط. والجعد من الشعر خلاف السبط، أو هو القصير منه. وهم يعن بذلك إن سبوطه الشعر هي الغالبة على شعور العجم من الروم والفرس، وجعودة الشعر هي الغالبة. علي شعور العرب. وكانوا إذا. قالوا رجلاً جداً عنوا رجلاً كريماً، كناية عن كونه عربياً سخيّاً، لأن العرب موصوفون بالجعودة. وقد يقصدون بذلك رجلا بخيلا لئيماً، فهو من الأضداد. وذكر إن العرب تقول: رجلاً جعداً، إذا كان قصيراً متردد الخلق. وإذا قالت جعد السبوطة، فإنها تريد بذلك المدح، إلا لن يكون مفلفلاً كشعر الزنج والنوبة، فهو حينئذ ذم وكان الرسول يسدل شعره، ثم فرقه. والفرق إن بجعل شعره فرقتين كل فرقة ذؤابة. والسدل إن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين. وذكر انه كان يضفره غدائر، والغدائر الضفائر،. وكان إذا طال شعره جعله غدائر أربعاً. وكان يكثر دهن رأسه ولحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب زَيّات. وكان يحب لترجّل، وكان يرجل نفسه تارة وترجله عائشة تارة. وترجيل الشعر تسريحه. وقد تقوم به المرأة. ويكون دلك بالمشط. قال امرىء القيس: كأن دماء الهاديات بنحـره عصارة حَنّاء بشيب مرجّل والعرب عادات بالنسبة إلى شعرهم. فهم إذا غضبوا وأرادوا الأخذ بالثأر، لم يغسلوا شعورهم وتركوا تدهينها حتى يأخذوا بثأرهم. كالذي رووه من قصة امرىء القيس، حينما جاءه خبر مقتل والده. وهم إذا أرادوا إذلال رجل وأهانته كإذلال سيد قبيلة أو شريف قوم سقط أسيراً، وأرادوا الإمعان في إذلاله جزّوا ناصيته وتركوه يذهب فذلك عندهم شرّ إذلال. والناصية مقدم الرأس. ويستوي الرجل والمرأة في دهن شعر الرأس. ولا زال الأعراب يدهنون شعورهم على الطريقة القديمة. ويستعمل أغنياؤهم الدهون الجيدة المستوردة من الخارج. مثل "الزيت" المطيب بالعطور وبأنواع الطيب، يدهنون به شعورهم ولحاهم في أيام الأفراح بصورة خاصة وفي الأعياد. وكان الرومان واليونان يدهنون الجسم كله بالزيت. ويعدّ دهن شعر الرأس من علامات الفرح والسرور، وتركه من علامات الغم والحزن. وقد كان الصحابة يطلون شعر رأسهم ولحيتهم بالدهن ليزيلوا شعث رؤوسهم ولحاهم به. ويضفر شعر الأولاد والبنات ضفائر، تتدلى على جاني الوجه ومؤخرة الرأس. وأما الرجال، فكان منهم من يضفر شعر رأسه ضفيرتين يتركهما تتدليان على جاني وجهه، ومنهم من يضفره جملة ضفائر، قد تبلغ سبعاً. وعادة ضفر شعر الرأس سبع ضفائر عابرة معروفة عند غير العرب أيضاً. وكان شعر "شمشون" المشهور مضفوراً في سبع خصل. ولا زال الأعراب يضفرون شعورهم. ويقال للضفيرة "الذؤابة". والذؤابتان اللتان تسقطان على الصدر. ويقال لهما "غديرتان". وكل عقيصة غديرة: قال امرؤ القيس: غدائره مستشزرات إلى العـلـى تضل العقاصي في مثنىّ ومرسل ولما قدم "ضِام بن ثعلبة" من "بني سعد" على الرسول، كان رجلاً جلداً أشعر ذا غديرتين. فلما ولى قال رسول الله: إن صدق ذو العقيصتين. ويقال لهما "القرنين" كذلك. والعرب تسمي الخصلة من الشعر القرن. والقرن الذؤابة عامة. ومنه: الروم ذات القرون، لطول ذوائبهم. وهم مثل غيرهم من الناس يعتبرون.الشعر الأشيب إكليل مجد الشيخ، والشعر الأبيض رمزاً الحكمة والجلالة. وذلك بسبب إن تقدم العمر بالإنسان يكسبه خبرة وحكمة، لما يراه في حياته من تجارب وعظات. لذلك أقاموا للسن وزناً كبيراً في أخذ الرأي وفي التقدم في الدخول وفي الجلوس في المجالس. ولم يكن شيوخ الجاهلية وشيبها أقل عناية بمظهرهم وبمرآهم من شيوخ هذا اليوم وشيبه، فحاولوا ما قدروا إخفاء شيبهم واطفاء لعب الزمان بشعرهم وبأوجههم بمختلف الوسائل والسبل، ومنها إخفاء الشيب بصبغه وباستعمال الخضاب، وبعضه أسود، كما خضبوا بالعِظْلم وبالحنّاءْ. وصبغوا لحاهم. ولم يهملوا العيون، فاكتحلوا لتظهر براقة مؤثرة. ولا تزال "الوسمة"، وهي خضاب أسود معروف، ويستعملها بعضن الناس اليوم. وذكر بعض علماء اللغة إن الخضاب، اخفاء الشيب بالحنّاء.، وإذا كان بغير الحناء قيل: صبغ شعره، ولا يقال. خضبه. وذكر آخر إن أول من خضب بالسواد من العرب "عبد المطلب". وقد تعلمه من أهل اليمن. إذْ كان قد زارهم فوجد شِيبهم يخضبون شعورهم بالسواد، فأعطوه خضاب، فجاء إلى مكة، وعنه شاع الخضاب بين أهلها. وقد استعملوا الزعفران في صبغ لحاهم وشعورهم. واستعملوا لون الزعفران في صبغ ثيابهم أيضاً. وذلك لغلاء ثمن "الزعفران" الطبيعي. كما استعمل "العصفر" في الصبغ، وهو من نبات ينبت في جزيرة العرب، إذا صبغ الثوب به قيل: عصفر الثوب به. كما استعملوا "الكتم" في تخصيب الشعر. وهو نبت يخلط بالحنّاء ويخضب بالشعر فيبقى لونه. وقد أشار إليه "أمية بن أبي الصلت" بقوله: وسوّدت شمسهم إذا طلعت بالجلب هفاً كأنه كـتـم والمكتومة: دهن من أدهان العرب أحمر، يجعل فيه الزعفران أو الكتم. وطبخوا الكم بالماء واستخرجوا منه مداداً الكتابة. ويكون الخضاب بالحناّء، كما يكون بالحناء والكتم، كما ذكرت، وقد يكون بالحناء والوسمة. وتجعل الوسمة الشعر أسود فاحماً. وكل هذه من النباتات التي تنبت في الحجاز وفي اليمن وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد استعملوا "السواد" ويكون بالوسمة في الغالب لتسويد شعر الجارية والمرأة الكبيرة والشيخ للغش والتدليس، حتى إذا جاء سيّد لشراء جارية ظن أن شعرها على هذه الصورة من السواد، أو جاء رجل يطلب المرأة الكبيرة ظن أنها أصغر من عمرها، أو عرض الرجل الشيخ نفسه الزواج، ظهر أصغر من عمره. ونظراً إلى ما في هذا العمل من غش نهي عنه في الإسلام. وخوفاً من أن يقملوا لبّدوا شعر رؤوسهم بالخطمي والصبغ. وقد عرف من يفعل ذلك ب "الملبد". وقيل: إن "الملبد " المحرم، الذي لبد شعره حتى لا يقمل، إذا دخله الغبار بعد العرق. وقد كان القمل قد عشش في آباط كثير من الناس، لا سيما الفقراء والأعراب منهم. وفي شعر رؤوسهم وفي المواضع المشعرة من أجسامهم، نظراً لسوء وضعهم من الناحية الاقتصادية وفقرهم: وعدم تمكنهم من غسل أجسامهم. وقد أشير إلى القمل والتلبيد في الشعر. ذكر أن القمل كان يتهافت من رأس "كعب بن عجوة بن عديّ" على وجهه، وكان محرماً، فرآه الرسول، فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم فرقا بين ستة مساكين. وذكر أن التلبيد، أن يأخذ شيئاً من خطمى وآسّ وسدر، وشيئاً من صمغ، فيجعله في أصول شعره وعلى رأسه، كي يتلبد شعره ولا يعرق ويدخله الغبار، فيخمّ ويقمل. وتطيّب الرجال بالطيب، ودهنوا شعورهم بالدهن المطيب. وكانوا يتطيبون إذا ذهبوا إلى زيارة بيت، وفي المجتمعات العامة كالمواسم والأفراح. وللرجال طيب يختلف عن طيب النساء. وقد يرقن الرجل كما ترقن المرأة بالحناء وبالزعفران. يقال: أرقن الرجل لحيته ورقنها، أي خضبها بالحناء وبالزعفران. قال الشاعر: ومسمعة إذا ما شئت غنت مضمخة الترائب بالرقان والرقان والرقون الحناء والزعفران. ويكثر العرب من حمل "العصا" معهم. إذ هي ضرورة بالنسبة لحياتهم. يستعينون بها في طرد الكلاب عنهم، ورد الحيوانات المتوحشة التي قد تصادفهم، كما يستعملونها في ضرب إبلهم حتى تطيع أوامرهم. حتى أنهم جعلوا العصا رمزاً لأمور عديدة. منها الطاعة والجماعة. ومنها "شق العصا" بمعنى مخالفة الجماعة. والعصا الجماعة. ومنها "القى المسافر عصاه"، أي بلغ موضعه وأقام. وضرب مثلا لكل من وافقه شيء فأقام عليه. ومنها "هو لين العصا"، أي رقيق لين حسن السياسة، و "هو ضعيف العصا"، أي قليل ضرب الإبل. و "إن العصا من العصية"، يقال ذلك إذا شبه بأبيه، أي: إن بعض الأمر من بعض. كما حملوا القضب، وهي من علائم السلطة والقوة والحكم والنفوذ عندهم. وقد ورد في خبر أرسال رسول الله "عباس بن أبي ربيعة المخزومي" إلى "الحارث" و "مسروح" و "نعيم" بني عبد كلال من حمير، انهم كانوا يحملون قضباً معهم. وهي من الأثل:. قضيب ملمعّ ببياض وصفرة وقضيب ذو غُجرَ وكأنه خيزران، وقضيب أسود بهم كأنه من ساسم. وكان أحدهم إذا جلس وفكر في أمره، أو أراد الإجابة على سؤال يحتاج إلى عمل روية نَكَسَث الأرض بالقضيب الذي يحمله بيده. المرأة والمرأة في المحيط البدوي أنشط وأكثر عملاً من الرجل؛ فعليها تهيأة الطعام وحلب النياق وغسل الملابس وغزال الصوف والوبر، والعناية بالأطفال وتحضر مادة الوقود، إلى غير ذلك من أعمال لا يقوم بها الرجل، لأنها من عمل المرأة، ولا يليق بالرجل القيام بها. ولم نقرأ في كتب أهل الأخبار ما يفيد سيادة النساء على القبائل، في الجاهلية القريبة من الإسلام. ولم نقرأ في المسند ما يفيد بوجود ملكات حكمن اليمن. بينما قرأنا في الكتابات الآشورية وجود ملكات عربيات حكمن قبائل. عربية، كانت تنزل البوادي من بادية الشام. ووقفنا أيضاً على حكم الملكة "الزباء". لتدمر وذلك بعد الميلاد. ولكننا نقرأ في أخبار أهل الأخبار أخبار كاهنات، كانت لهن مراكز خطيرة عند القبائل. وكذلك أخبار حاكمات. حكمن فيما بين الناس في الخصومات. وقد كان منهن من يقرأ ويكتب كما سترى فيما بعد. وللمرأة الشريفة ذات السؤدد حط في المجتمع لا يدانيه حظ المرأة الحرة الفقيرة. فسؤددها حماية لها ودرع يصونها من الغض من منزلتها ومكانتها. وأسرتها قوة لها، تمنع زوجها من إذلالها أو إلحاق أي أذى بها، وهي نفسها فخورة على غيرها لأنها من الأسر الكريمة. والعادة بالطبع أن الأسر الكريمة لا تزوج بناتها الا من أسر كريمة موازية لها في المنزلة والشرف. من ذلك قولهم: "استنكح العقائل، إذا نكح النجيبات". حال المرأة في الجاهلية وقد اختلف حال المرأة في الجاهلية عن حالها في الإسلام، بسبب تغير الأحوال وتبدل الظروف. "فلم يكن بين رجال العرب ونسائها حجاب، ولا كانوا يرضون مع سقوط الحجاب بنظرة الفلتة ولا لحظة الخلسة، دون أن يجتمعوا على الحديث والمسامرة، ويزدوجوا في المناسمة والمثافنة، ويسمى المولع بذلك من الرجال الزِّير، المشتق من الزيارة. وكل ذلك، بأعين الأولياء وحضور الأزواج، لا ينكرون ما ليس بمنكر إذا أمنوا المكر". "فلم يزل الرجال يتحدثون مع النساء، في الجاهلية والإسلام، حتى ضرب الحجاب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة". "ثم كانت الشرائف من النساء يقعدن الرجال للحديث، ولم يكن النظر من بعضهم إلى بعض عاراً في الجاهلية، ولا حراماً في الإسلام". وما نراه اليوم من، اعتكاف النساء في بيوتهن ومن عدم اختلاطهن بالرجال ومن التشدد في الحجاب وأمثال ذلك، هو بين أهل الحضر خاصة. وقد كان هذا التحفظ معروفاً نوعاً ما عند أهل الحواضر والقرى في الجاهلية، إلا أن التزمُّت والنشدّد في وجوب ابتعاد الرجل عن المرأة وانفصالهما بعضهما عن بعض إنما نشأ في الإسلام، بسبب تغير الظروف واختلاط العرب بالأعاجم، وظهور حالات جعلت العوائل الكبيرة تحرص على حصر المرأة في بيتها. أما في البادية فإن المرأة لا تزال تشارك الرجل في أعماله وتجالسه وتكلمه ولو كان غريباً عنا، لأن محيط البادية محيط بعيد عن مواطن الريبة والشبهات، وينشأ البنات والأولاد فيه سوية، ويلعبون سوية ويشبون سوية، ولذلك لم تنشأ عندهم القيود والحدود التي تفصل بين المرأة والرجل. وقد كان حال المرأة الأعرابية على هذه. الحال في الجاهلية. وقد عرفت المرأة بالكيد بين الجاهليين. ونظروا إليها نظرتهم إلى للشيطان، وليست هذه النظرة العربية إلى المرأة هي نظرة خاصة بالجاهلين، بل هي نظرة عامة نجدها عند غيرهم أيضاً. بل هي وجهة نظر الرجل بالنسبة للمرأة في كل العالم في ذلك الوقت. وهي نظرة نجدها عند الحضر بدرجة خاصة، لما لمحيط الحضر من خصائص التجمع والتكتل، والتصاق البيوت بعضها ببعض، ولما لهم من حياة اجتماعية واقتصادية وسياسية، وقد تجر المرأة على دس انقها، والاتصال بالغرباء، فنشأ منَ ثمّ هذا الرأي بين أهل الحضر أكثر من الأعراب. وعرفت المرأة عندهم بالمكر والخديعة. إذْ كان في وسعها استدراج الرجل والمكر به. وهم يتمثلون بمكر "الزبّاء".. واستدراجها "جذيمة الأبرش" إليها، ثم فتكها به. على نحو ما ورد من قصص عنها في كتب أهل الأخبار. غير انهم يروون في الوقت نفسه قصة "قصير" معها، وكيف تمكن من الأخذ بثأره منها، في حيلة ومكر ومكيدة، حتى فتك بها في قصة من قصص المكر والخديعة، ضرب بها المثل. و عُدت المرأة كالحيّة في المكر. ونظر الرجل إلى رأي المرأة على إن فيه وهناً وضعفاً وانه دون رأيه بكثير، وتصور إن مقاييس الحكم عندها، دون مقاييسه في الدقة والضبط، وهذا رأى العرب إن من الحمق الأخذ. برأي المرأة. فكانوا إذا أرادوا ضرب المثل بضعف رأي وخطله قالوا عنه: "رأي النساء" و "رأي نساء" وقالوا: شاوروهن وخالفوهن، لما عرف عن المرأة من تأثر بأحكام العاطفة عندها. حتى ذهب البعض إلى عدم وجود رأي للمرأة، وهذا قالوا: يقال الرجل "الفند" إذا خرف وخف عقله لهرم أو مرض، وقد يستعمل في غير الكبر وأصله في الكبر. ولا يقال "عجوز مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي أبداً فتفند في كبرها. وفي الكشاف: ولذا لم يقل للمرأة مفندة لأنها لا رأي لها حتى يضعف قال شيخنا: ولا وجه لقول السمن انه غريب، فإنه منقول عن أهل اللغة. ثم قال: ولعلّ وجهه إن لها عقلاً وإن كان ناقصاً يشتد نقصه بكبر السن". ويكني العرب عن المرأة ه ب "الدُّمية". والدمية الصنم. وقيل: الصورة المنقشة: العاج ونحوه وقيل هي الصورة. وقول الشاعر: والبيض يرفلن في الدُمـى والريط والمذهب المصون يعني ثياباً فيها تصاوير. ويقال المرأة البذيئة القليلة الحياء "العنفص". وقال بعض علماء اللغة إنها المرأة القليلة الجسم الكثيرة الحركة. أو، الداعرة الخبيثة. وقبل هي القصيرة المختالة المعجبة. أو المرأة الكثيرة الكلام، وهي المنتنة الريح. وقد ذمت المرأة "النمامة"، والبذيئة التي تشتم الناس وتنطق بالبذاء. والسليطة اللسان التي تتطاول على الناس، ولا تبالي أحداً. وقد كان بعض الناس محرضون أمثال هؤلاء النسوة لإهانة كرام الناس والتحرش بهم، لما يعرفونه من إن في طبع الرجل الكريم عدم الردّ على المرأة رداً قبيحاً والتعرض لها بسوء. وتشائموا من بعض النسوة. وقالوا: "مرأة مشؤومة"، و "عقرى حلقى"، أي عقرها الله وحلقها، بمعنى حلق شعرها أو أصابها بوجع في حلقها، أو أنها تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها وتستأصلهم. وقد كانوا يطلقونها إذا تشاءم الزوج أو أهله منها، لاعتقادهم الشديد بالشؤم. وتشاءموا من الفرس الأشقر ومن عتبة الباب، ومن أشياء أخرى سأتحدث عنا في موضوع التفاؤل والتشاؤم عند العرب. وجمال المرأة في حلاوة العينين، وفي جمال الأنف، والملاحة في الفم. قال الشاعر: خزاعيّة الأطراف مرّية الحشا فزارية العينين طائيّة الـفـم المرأة القبيحة وذكر بعض علماء اللغة إن العرب تصف ب "السعلاة" العجائز والخيل. وقبل السعالى: النساء الصخابات البذيئات، والمرأة القبيحة الوجه السيئة الخلق. ومن ذلك قول الأعشى: ونساء كأنهن السعالى. والعرب تكني عن المرأة بالعتبة والنعل والقارورة والبيت والدمية والغل والقيد والريحانة والقوصرة والشاة والنعجة. وما قلته يمثل الفكرة العامة عن المرأة بين سواد الناس. غير إن هناك نسوة اشتهرن بالعقل والحكمة عند الجاهليين. وكنَّ مرجعاً الرجال في أخذ الرأي. حتى إن منهن من تولين أمر الحكومات، وقد سبق إن ذكرت فيما مضى إن قبائل بادية الشام كانت تحت حكم ملكات في أيام الآشوريين. ومنهن الملكات "شمس" و "زبيبة". كما أشرت إلى الملكة "الزبّاء". ولم يجد العرب قبل الميلاد ولا بعده غضاضة من تعين النساء ملكات عليهم. وقد كن يصاحبن الرجال إلى القتال لإثارة هممهم عند اشتداد المعارك ولمداواة الجرحى، وحمل الماء إلى العطشى من المقاتلين. وقد كانت "رفيدة" تداوي جرحى المسلمين في مسجد الرسول بيثرب. وكانت "زينب" طبيبة "بني أود" تعالج المرضى وحازت على شهرة بين العرب. حتى الشعر، برزت به شاعرات. مثل الخنساء، وخرنق، وجليلة، وكبشة أخت عمرو بن معد يكرب، وغيرهن. ومنهن من حكمن بين الشعراء المتنافسين في تفضيل شعر شاعر على شعر شاعر آخر. وكان من بينهن كاتبات ومتاجرات إلى غير ذلك من حقول الأعمال التي تحتاج إلى عقل وذكاء. زينة المرأة والمرأة الحضرية أكثر تفنناً واعتناء بنفسها من الأعرابية، بسبب اختلاف المحيط والوضع الاقتصادي. ولها من أمور الزينة ما لا تعرفه الأعرابيات، من وسائل تجميل وتحلية جسم وملبس. ولا سيما النساء الغنيات القريبات من مواطن الأعاجم. فقد تأثرن بالأعجميات وأخذن منهن ما راق لهن من ملبس وزينة وطيب وحلية. والعادة إن المرأة تضفر شعر رأسها ضفائر وغدائر، أما الرجال فيتخذون لهم ضفيرتين، تتدليان على طرفي الوجه إلى المنكبين. ويقال الضفيرة: العقيصة. وذكر ن "العقيصة" الدؤابة. وذكر بعض علماء اللغة إن كل عقيصة غديرة. والغديرتان الذؤابتان تسقطان على الصدر. وقيل الغدائر النساء،وهي المضفورة. والضفائر الرجال. وقبل العقص الفتل، أي فتل الشعر، وهو إن يلوى الشعر حتى يبقى ليُّه، ثم يرسل. وذكر بعض علماء اللغة إن العقص إن تأخذ المرأة كل خصلة من شعر فتلويها ثم تعقدها حتى يبقى فيها التواء ثم ترسلها، فكل خصله عقيصة. وقد عرف "ضمام بن ثعلبة" أحد بني سعد بن بكر ب "ذي العقيصتين"، وكان أشعرَ ذا غديرتين. وكان خصل شعره عقيصتين وارخاهما من جانبيه. وهو من الصحابة. ويعدّ شعر المرأة من أثمن الأشياء عندها لذلك تستعز به وتحافظ عليه، وتسعى لإثارته وتنشيطه، وهي لا تحلقه إلا إذا نزلت بها نازلة، مثل موت زوجها أو عزيز آخر عليها، ويعدّ ذلك غاية في التضحية وفي إظهار حزنها على رجلها الراحل العزيز. فإذا مات عزيز حلقت المرأة شعرها وذَرَّت التراب أو الرماد على رأسها، إظهارا لشدة ألمها وحزنها على ميتها. ويقال لها "الحالقة". وقد لعن الرسول من النساء الحالقة والصالقة والخارقة. والحالقة التي تحلق شعرها في المصيبة. وقد ضرب بها المثل في الشؤم. لأن من عادة الناس في الجاهلية انهم إذا أصيبوا بمصيبة حلقت النساء شعورهن. والى ذاك أشير في شعر الخنساء: ولكني رأيت الصبر مخيراً من النعلين والرأس الحليق وأصل ذلك إن المرأة كانت إذا أصيب لها كريم حلقت رأسها وأخذت نعلين تضرب بهما رأسها وتعفره. وفي هذا المعنى جاء في الشعر: ألا قومي أولو عقرى وحلقى لما لاقت سلامان بن غنـم ولهذا السبب اعتبرت الحالقة علامة من علامات الشؤم ونذيراً من نذر الفرقة يضرب بها المثل. وفي الحديث: "دبّ الكم داء الأمم: البغضاء والحالمَة". "هي قطيعة الرحم والتظالم والقول السيء". ويسرح الشعر ب "المشط". وقد عرفه الجاهليون، وهو من آلات التجميل القديمة.. وقد أشير إليه في الحديث. كما أشير إليه في الشعر. ورد قول عبد الرحمن بن حسان: قد كنت أغنى ذِي غنى عَنْكُم كما أغنى الرجالِ عن المِشاطِ الأقرع وتمشط شعر العرائس "الماشطهَ"، فتقوم بترجيله وتجميله لخبرتها فيه. ويكون المشط من خشب في الغالب، وقد يعمل من ذهب أو فضة أو من معدن آخر، وقد يتخذ من "العاج". وتغسل المرأة رأسها بطينٍ وأشنان وخطمى وتحوه لتنظيفه. وقد تغتسل بالطيب، وذلك بالنسبة للغنيات. وإذا انتهت من غسله استعملت "الغسلة"، وهو ما تجله المرأة في شعرها عند الامتشاط من طيب وورق الآس يطرّى بأفاويه من الطيب ويمتشط به. والطين أنواع، يختلف باختلاف طبقات الأرض. واجوده الحرّ النقي الخالص بعد رسوب الماء، ويستعمل في تنظيف الشعر. وقد كانت القبائل إذا أرادت الصبر في القتال، والوقوف في الحرب إلى النهابة وحتى النصر، حلقت نساؤها شعورهن، لبث الشجاعة في نفوس المقاتلين وإذكاء نار الشجاعة فيهم. وذكر إن "يوم تحلاق اللِّمم"، إثما سمي بذلك، لأن شعارهم كان الحلق. وكان لتغلب على بكر بن وائل. وتجملت المرأة الجاهلية وتزينت على قدر حالا وإمكانها، لتظهر بذلك جمالها وأنوثتها على سنة الطبيعة، وعلى عادة المرأة بل والإنسان: رجلاً كان أو امرأة في كل وقت وزمان، من حبه في إظهار الزينة وحسن المظهر. جَمَّلت نفسها بالاعتناء بالنظافة وبالثياب وبالحلية، كالخلخال والسوارين والخاتم والقُلبين والقلب والفتخة والمسكة والقرطين والقلائد الأخرى، وبالتجميل بالكحل وبالمساحيق التي توضع على الوجه والسمن الذي يدهن به الشعر وخضاب الكف والقدم، وبالوشم وما شاكل ذلك من أمور تجميل وتحلية كانت معروفة في ذلك العهد. ومن وسائل الزينة: الوشم غرز إبرة ونحوها في عضو حتى يسيل الدم ثم يحشى بنؤور أو بالكحل أو بالنيلج أو نهوها فيزرق أثره أو يخضر. وكانوا يقصدون بذلك التزّين فينقشون به غالب أبدانهم، أنواعا من النقوش من صور حيوانات أو نبات أو صور إنسان وكذلك الشفاه، فترى غالب شفاه نسائهم زرقاً. والأطفال منهم يوشمون في بعض المحال من وجوههم لقصد الزينة. وكذلك الرجال. وذكر إن الرسول قد نهى عن ذلك في حديث: لعن الله الواشمة. أو لعن الله الواشمة والمستوشمة. وكانوا يعتنون بتجميل حواجبهم وإزالة الشعر من وجوههم ب "النماص" وهو "المنقاش". وعرفت مزينة النساء ب "النامصة". وهي مزينة بالنمص. وذكر إن النمص نتف الشعر. وان المشط ينمص الشعر وكذلك المحسة لأن لها أسناناً كأسنان المشط. ويقال إن النماص مختص بإزالة الشعر من الحاجبين ليرققهما أو ليسوّيهما. وفي الحديث: لعنت النامضة والمتنمصة. وعنوا بالأسنان فاستعملوا المبرد لبرد ما بين الثنايا والرباعيات، لتجميلها. وقد لعنت المتفلّجات في الحديث. والمتفلجات جمع متفلجة التي تفلج ببن الأسنان. وعنوا بتبيض الأسنان باستخدام "المسواك"، وهو ما يدلك الفم. ويكون من عيدان بعض الأشجار ذات الرائحة الطيبة. وقد أشير إليه في الحديث. ويقص الشعر والظفر بالمقص، أي المقراض وهما مقصان. يقص به الرجل شعره، كما تقص به المرأة. وتتخذ المرأة "القُصة" في مقدم رأسها تقص ناصيتها ما عدا جبينها. وذكر إن من نساء الجاهلية من كنّ يقمحن لثَتهن ب "النوور"، حصاة كإثمد تدق فتسفها اللثة. وكن يتّسمن ب "النؤر". وهو دخان الشحم أو دخان الفتيلة، يتخذ كحلاً أو وشماً، وخصصه بعضهم بالوشم. ولم تنسَ المرأة الجاهلية زينتها، فزينت نفسها ب "الحليّ" من ذهب وفضة ومعادن أخرى ومن أحجار كريمة وأحجار تلفت النظر وبالعظام أيضاً وبالخرز. ومن الحليّ "الأساور" المصنوعة من الذهب، بالنسبة إلى المرأة الموسرة، والحليّ المطعمة باللؤلؤ. ومن الحليّ؛ ما يزين به الرأس والعنق، ومنه ما يزين به الأيدي أو الأرجل. وسأتحدث عنها في القسم الخاص بالحرف، بشيء من التفصيل. و "الكرم": القلادة. وقيل هي القلادة من الذهب والفضة، وقيل تكون من لؤلؤ أيضاً. ويضفر شعر رأس الأطفال ذوائب، أي ضفائر تتدلى على رأسه وعلى ناصيته. ومنى كبر الطفل وبلغ سنّ الرشد، أو شعر برجولته، ضفرت له ذؤابتان، وهي علامة الشباب والرجولة عندهم. وقد كان الساميوّن يحتفلون بحلق الذوإئب، لأن هذا الحلق معناه إنتهاء مرحلة من الحياة ودخول الطفل مرحلة الرجولة، وهي مرحلة الحياة الصحيحة. وكانوا يرمون الذوائب أمام الأصنام. والعادة انهم يضفرون الأطفال سبع ضفائر. وهي عادة معروفة عند الجاهليين أيضاً،، ولا تزال متبعة عند الأعراب وأشباه الحضر. وقد يعلقون حلياً على كل ضفيرة، وذلك إمعاناً منهم في تدليل الطفل وفي إراءة جماله. فالزينة وتعليق الحلي من مظاهر التدليل والتجميل. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#125 |
|
عضو فضي
|
نساء شهيرات
وقد ذكر أهل الأخبار أسماء نساء ذكروا أنهن عشن في الجاهلية. منهن: صحر بنت لقمان بن عاد. وكان أبوها لقمان وأخوها لقيم خرجا مغرين، فأصابا إبلاً كثيرة فسبق لقم إلى منزله، وعمدت صحر إلى بعض ما جاء به لقيم، فصنعت منه طعاماً يكون معدّاً لأبيها لقمان إذا قدم، وقد كان لقمان حسد لقيماً في تبريزه عليه، فما قسمت صحر إليه الطعام وعلم انه من غنيمة لقيم، لطمها لطمة قضت عليها، فصارت عقوبتها مثلاً لكل منَ لا ذنب له ويعاقب "فقيل: مالي ذنب إِلا ذنب صحر"، ولم يكن لي ذنب. وقد حصلت "الزبّاء" على شهرة بين العرب، ووضعوا حولها القصص. ذكروا إنها امرأة من العماليق، وأمها من الروم. وكانت تغزو بالجيوش، وهي التي غزت مارداً والأبلق فاستعصيا عليها، فقالت: تمرد مارد وعز الأبلق، فذهبت مثلاً. ويروي أهل الأخبار لها أمثلة أخرى. ورموها بالغدر، فقالوا: "قال عدي بن زيد يذكر قصة جذيمة الأبرش لخطبة الزباّء: لخطيبي التي غدرت وخانت وهنّ ذوات غائلة لحـينـا أي لخطبة زباء. وهي امرأة غدرت بجذيمة الأبرش حين خطبها فأجابته وخاست بالعهد فقتلته. واشتهرت "البسوس" بالبؤس والشؤم حتى قالوا "شؤم البسوس". وهي بنت منقذ التميمية، زارت أختها أم جساّس بنُ مرّة ومع البسوس جار لها من جَرْم، يقال له سعد بن شمس، ومعه ناقة له، فرماها كليب وائل لما رآها في مرعى قد حماه، فأقبلت الناقة إلى صاحبها وهي ترعو وضرعها يشخب لبنا ودماً، فلما رأى ما بها انطلق إلى البسوس فأخبرها بالقصة، فقالت: وأذلاّه! واغربتاه! وأنشأت تقول أبياتاً تسمّيها العرب أبيات الفناء. فسمعها ابن أختها جساس فثار الدمُ في رأسه، وخرج معقباً كليباً حتى وجده فطعنه طعنة قضت عليه. ووقعت الحرب بين. بكر وتغلب ودامت أربعون سنة. وسار شؤم البسوس مثلا، ونسبت الحرب إليها لكونها سببها، فقيل: حرب البسوس. وهكذا فسر أهل الأخبار سبب وقوع حرب البسوس. وقص أهل الأخبار قصة امرأة أخرى، قالوا إن. رغيف خبز لها صار سبباً في وقوع شرٍ بين حييُن، وأدى إلى وقوع قتلى. حتى قيل: أشأم من رغيف الخولاء. والخولاء خبّازة في "بي سعد بن زيد مناة"، فمَّرت وعلى رأسها كارة خبز، فتناول رجل عن رأسها رغيفاً، فاشتكت إلى رجل كان جاراً لها، فثار وثار معه قومه إلى الرجل الذي أخذ الرغيف وقومه فقتل بينهم ألف نفس، وسار رغيف الخولاء مثلا في الشيء اليسير يجلب الخطب الكبير. وذكر أهل الأخبار اسم امرأة أخرى اشتهرت بعطرها، حتى ضرب به المثل، فقيل: "عطر منشم". ولهم أقوال في سبب ضرب هذا المثل. وخلاصتها إن "منشم" امرأة عطارة تبيع الطيب، فكانوا إذا قصدوا حرباً غمدوا أيديهم في طيبها، وتحالفوا عليه بأن يستميتوا في الحرب ولا يولوا أو يقتلوا، فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة يقول الناس: قد دقّوا بينهم عطر منشم، فلما كثر هذا القول صار مثلاً. فممن تمثل به زهير حيث قال: تداركما عبساً وذبيان بعدمـا تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم واختار أهل الأخبار من بين النساء امرأة جعلوها مثالاً للحمق، حتى قالوا: "حمق دغه". وهي دغة بنت منعج. روي لها حماقات كثيرة. وجعلوها مثلاً سائراً بين الناس في الحمق. وضرب المثل ب "أم خارجة" في السرعة، فقال أسرع من نكاح أم خارجة. وهي "عمرة بنت سعد بن عبد الله بن بجيلة". كان يأتيها الخاطب فيقول: خطب، فتقول: نكح. ولدت أم خارجة في نيف وعشرين حيّاً من آباء. متفرقين، وكانت إذا تزوج منها الرجل فأصبحت عنده كان أمرها إليها، إن شاهت أقامت، وإن شاءت ذهبت، كانت علامة ارتضائها الزوج إن تصنع له طعاماً كلما تصبح. وضربوا المثل ب "عز أم قرفة"، فمن أمثالهم إذا أرادوا العزّ والمنعة قالوا: انه لأمنع من أم قرفة. وهي بنت "مالك بن حذيفة بن بدر": وكان يحرس بيتها خمسون سيفاً بخمسين فارساً، كلهم لها محرم. كما ضربوا المثل ب "برد العجوز". ولهم قصص في سبب ضربه. وهم متفقون على أن المثل جاهلي، وليس بإسلامي. ذكر بعضهم إن عجوزاً دهرية كاهنة من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع في أواخر الشتاء وأوائل الربيع، فيسوء أثره على المواشي، فقالوا: هذا برد العجوز، يعني العجوز الذي أنذرت به. وذكر بعض آخر؛ أن عجوزاً كانت بالجاهلية ولها ثمانية بنين فسألتهم إن يزوّجوها، وألحت عليهم، فتآمروا بينهم، وقالوا لها: إن كنت تزعمين أنك شابة فابرزي للهواء ثمان ليال، فإننا نزوجك بعدها، فوعدت بذلك، وتعرضت تلك الليلة والزمان شتاء كلب، وبرزت الهواء، وبقيت تفعل ذلك سبع ليال، ثم ماتت في الليلة السابعة. فضرب بها المثل: وقيل برد العجوز. أهل الحضر وما ذكرته يتناول حياة الأعراب، وحياتهم الاجتماعية هي حياة أخرى تختلف عن حياة أهل الحاضرة. ففي حياة الحضر تجمع وتكتل. وإذا تجمع الإنسان وتكتل في موضع وكوّن جماعة، ظهرت عنده خلال، لا يمكن ظهورها عند الأعراب. تتسع وتكبر كلما بعدت الشقة بين البداوة والحضارة. لذا فان بين حياة أهل الحيرة أو يثرب أو مكة أو المستوطنات الحضرية الأخرى المنتشرة في جزيرة العرب وبين حياة أهل البادية فروقاً كبيرة، تختلف في الدرجة والشدة، بدرجة تكاثف السُكّان في المستوطنة الحضرية، وبدرجة قربها أو بعدها من الاعاجم، وبدرجة. اتصالها بالعالم الخارجي. فالمستوطنات التي تقع على سواحل البحر يكون لها اتصال خاص بالعالم الخارجي، لا يمكن أن يتوفر لأهل البواطن، ويؤدي هذا الاتصال إلى الملاحم في الأفكار والى الاختلاط والامتزاج والى توسع أفق أهل الساحل بالنسبة إلى من وراءهم في الباطن، بسبب هذا الاختلاط في الموقع. لقد تأثر أهل الحواضر من عرب العراق بأخلاق أهل النبط وغيرهم من أهل العراق، حتى بان ذلك على لسانهم وعلى طراز معاشهم كما بان ذلك على عرب بلاد الشام لاختلاطهم بالروم وبأهل بلاد الشام. فعرفوا عنهم أكل الأعاجم واحبوا غناء الفرس وغناء الروم. ودخل من دخل منهم في النصرانية. وقلّد ملوك الحيرة ملوك الفرس في بعض شؤون حياتهم، وتشبه ملوك عرب الشام بملوك الروم، حتى في أمور دينهم حيث اعتنقوا. النصرانية، وجاؤوا إلى قصورهم بقيان يغنين بغناء الروم وبقيان يغنين بغناء الفرس. وزار سادات عرب العراق "المدائن"، ووقفوا على حياتها؛ وعاش سادات عرب الشام بدمشق وبمدن بلاد الشام الأخرى، وجليوا إلى قصورهم وبيوتهم شيئاً مما أعجبهم ونال حبهم. فصارت حياتهم من ثم حياة تختلف عن حياة الأعراب من هذه النواحي. وكان لأهل قرى العربية الشرقية اتصال دائم بالعراق وبسواحل الهند الغربية، وبإيران وبالتجار الروم، فأخذوا منهم وتأثروا بهم، كالذي يني من الآثار التي عثر عليها ويعثر عليها المنقبون في مواضع العاديات. وتأثر أهل العربية الغربية بأهل بلاد الشام والعراق لما كان لهم من اتصال تجاري دائم بهم. ولما كانوا يجلبونه من هذه البلاد من رقيق. كما كان لهم ولأهل العربية. الجنوبية اتصال بأهل إفريقية، سكان السواحل المقابلة لبلاد العرب، فأثروا فيهم وتأثروا بهم. ومن آيات هذا التأثير الملامح الإفريقية التي ظهرت في العربية الجنوبية بصورة خاصة، لا سيما باستيلاء الأحباش مراراً على السواحل العربية المقابلة لإفريقية، وظهور جيل أخذ من ملامح الجنسين، نتيجة للازدواج الذي صار بين العرب والإفريقيين. ونجد أثر هذا الاختلاط في اللغة كما نجده في الغناء وفي آلات الطرب. اذ يختلف غناء أهل سواحل جزيرة العرب عن غناء القبائل الساكنة في الباطن، بعيدة بعض البعد عن السواحل وعن التأثر بمؤثرات الأعاجم الذين يقصدون المواني الساحلية الاتجار. الزواج والزواج هو من أهم الأفراح في حياة الإنسان؛ وهو ما زال وسيبقى من أهم الأفراح في حياته، لما له من علاقة سعيدة به. ولهذا يحتفل الناس به عادة؛ بإقامة المآدب فيه وبدعوة ذوي القرابة والأصدقاء إليها لمشاركة الزوجين أفراحهما. وقد صنف "روبرتسن سمث" زواج العرب ثلاثة أصناف: زواج يكون في حدود القبيلة فلا يتعدّاه، ولا يسمح لرجال القبيلة ألا بالزواج من بنات القبيلة نفسها، وهو ما يسمى ب "Endogamous"، وزواج يفرض فيه على الرجل أن يتزوج امرأته من قبيلة أخرى، وهو ما يعرف ب "Exogamous" أي "زواج خارجي". وزواج يجمع الطريقتين المذكورتين، أي الزواج في داخل القبيلة والزواج من خارجهاا. ويظهر من دراسة كل ما ورد في كتب أهل الأخبار وفي كتب التفسير والحديث عن الزواج والطلاق عند الجاهليين أن أهل الجاهلية لم يكونوا يسيرون على سنّة واحدة في عرف الزواج والطلاق، ولكن كانوا يسيرون على أعراف مختلفة اختلفت باختلاف الأماكن وباختلاف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية واتصالها بالخارج. وقد وردت إلينا مسميّات بعض تلك الأنواع، مثال، "الخدن" و "المتعة" و "البدل" و "الشغار" و "البعولة" وزواج ذوات الرايات وغير ذلك مما ورد وصفه وشرحه، ولكنه لم ينعت باسم معين. وأنواع الزواج هذه، ليست خاصةً بالجاهليين، وإنما هي معروفة عند غيرهم أيضأ، ولا سيما عند الشعوب السامية، وهي مراحل مرّ بها جميع البشر، ولا يزال الكثير منها قائماً في أنحاء متعددة من العالم. وهي في الغالب مرآة صافية الظروف التي يعيش فيها الناس. وبعض هذه الأنواع زناء معيب في عرفنا، غير أننا يجب أن نفكر دائماً إن أولئك القوم كانت لهم مقاييس دينية وخلقية خاصة بهم، وهي سليمة صحيحة بالقياس إليهم، وأنهم عاشوا قبل الإسلام وفي ظروف تختلف عن ظروفنا، وأن ما نسميه عيباً لم يكن عيباً بالقياس إلى المراحل التي كانوا فيها والى عرف ذلك العهد. ويقال الرجل العزب الذي لا زوج له "الخالي"، قال امرؤ القيس: ألَمْ ترني أصْبي، على المرء عِرْسهَُ وامنعُ عِرسْي إن يزَن بها الخالي وللرجولة عند العرب أثر بارز، لما، في طبيعة بلادهم من الحرّ وعدم وجود أمور مسلّية لديهم تصرف ذهنهم عن التفكر فيه وتلهيهم بعض الشيء عن العريزة الجنسية. ونجد في الأدب العربي شيئاً. كثيراً مما يتعلق بهذا الموضوع. وللغلمة المفرطة صار العربي مزواجاً، يتشبب بالنساء ويتغزل، والتشبيب من أمارات الرجولة عند الجاهليين. ونجد في القصص المنسوب إلى الجاهليين وفي شعرهم في شيئاً كثيراً يتعلق بالحب: حب الرجل المرأة، وليس العكس، ذلك لأن في طبع الرجل التباهي والتفاخر بحبه النساء. أما المرأة فإن في طبعها الخجل الذي بمنعها من إظهار حبها وتعلقها برجل ما، ثم إن المجتمع لا يسمح لها بذلك، وهو يردعها عن أن تبوح بحبها لرجل ما، ويعد ذلك نوعاً من الخروج على الآداب العامة وجلب العار إلى البنت والى الأسرة. ويعبر عن النسيب بالنساء، أي يذكرهن في ابتداء القصائد، ب "التشبيب". ويعد ابتداء القصيدة بالتشبيب من العرف الجاهلي، ويقولون إن في ذلك ترقيقاً الشعر. والنسيب في الشعر، التشبب بالمرأة والتغزل بها، وذلك في أول القصيدة، إذا ذكرها في شعره ووصفها بالجمال والصبا، ووصف أعضاء جسمها وغير ذلك. ثم يخرج الشاعر بعد ذلك إلى المديح. ويدخل في النسيب، ووصف مرابع الأحباب ومنازلهم واشتياق المحب إلى لقائهم ووصالهم وغير ذلك. والغزل في نظر بعض العلماء كالتشبيب والنسيب، كلها بمعنى واحَد. وهو وصف الأعضاء الظاهرة من المحبوب، أو ذكر أيام الوصل والهجر أو نحو ذلك. وفرق بعض آخر بينها، بأن جعل التشبيب ذكر صفات المرأة وهو القسم الأول من النسيب، فلا يطلق التشييب على ذكر صفات الناسب ولا على غيره. والتغزل بمعنى النسيب ذكر الغزل. فالغزل غير التغزل، والنسيب والغزل في رأي بعض آخر هو الأفعال والأقوال والأحوال الجارية بين المحب والمحبوب. نفسها. وأما التشبيب فهو الإشادة بذكر المحبوب وصفاته وإشهار ذلك والتصريح به. وأما النسيب فذكر حال الناسب والمنسوب به والأمور الجارية بينهما. وقال بعض: الغزل إنما هو التصابي والاستهتار بمودّات النساء. والى غير ذلك من آراء لا صلة لها بهذا الموضوع. والعادة أن يتغزل الرجل بامرأة فيجعلها بطلة غزله. يلف ويدور في غزله حولها ويلج ويلهج بذكرها. وقد يذكر اسمها وقد لا يذكره. وهي قد تكون امرأة حقاً، رآها الشاعر فأعجب بها، وقد لا تكون امرأة معينة خاصة، وإنما امرأة تخيلها ذهن الشاعر، فصار يتغزل. بها ويلهج بذكرها ويلج في إظهار وصفها وفصاتها وما قالت له وما قال لها إلى غير ذلك. وسبب ذلك هو أذواق أهل ذلك العهد، وعادتهم في وجوب الابتداء بالقصيدة بهذا النوع من المقدمات، حتى يكون شعراً رقيقاً مرموقاً، وقد أدى تغزل بعض الشعراء بنساء رجال معروفين. أو ببناتهم إلى وقوعهم في مهالك. ومن أمثلة ذلك ما زعم من تغزل "النابغة الذبياني" بالمتجردة زوج الملك. "النعمان بن المنذر"، وما كان من غضب الملك عليه وتهديده له بالقبل، مما اضطر النابغة إلى الهَرَب إلى الغساسنة أعداء النعمان، ليسلم بريشه من سيد الحيرة وما ورد في قصة الشاعر "طرفة بن العبد". والطابع العام في هذا الغزل البراءة والعفة ونقاء الألفاظ المؤدّبة، لا يتطرق فيه الشاعر إلى ما وراء إظهار الوجد والحب والتلهف إلى زيارة معشوقته له، أو زيارته لها، وذكر الأيام الجميلة وأحلام الحب الصافية الخالصة النقية، وقلمّا نجد في الشعر الجاهلي إقذاعاً وفحشاً. فالشاعر متأدب في شعره، يعرف حدوده في الغزل فلا يتجاوزها، لأنه يعلم حقاً انه إذا ذكر الفحش في شعره وتعرض بامرأة معينة، فأصابها بسوء قول، فأنها لن تسكت عنه، واذا سكتت هي، فلن يفلت من عقاب أسرتها وآلها له. وقد يكون ذلك العقاب القتل. وقد ضرب العرب المثل ببعض الرجال في شدة النكاح وكثرته. ومن هؤلاء "حوثرة" رجل من بني عبد القيس، ضربت به العرب المثل في ذلك فقالت "أنكح من حوثرة"، و "خوات بن جبير الأنصاري"، وكان. يأتي أحياء العرب يتطلب النساء، فإذا سئل عن حاجته قال: قد شرد لي بعير فخرجت في طلبه. وأدرك لم الإسلام، ورأى الرسول، فقال له: ما فعل بعيرك الشرود? فقال: أما منذ قيده الإسلام فلا. وكان يحسن الغناء. وكان إذا رأى النساء لبس حلته وجلس اليهن. وذُكر انه "صاحب ذات النحيين". ويقال: "اغتلم الرجل" إذا هاج من الشهوة، وكذلك الجارية وفي الحديث: " خير النساء الغِلمةُ على زوجها". والغلمة: شهوة الضراب، "وفسره جماعة بالشبق واشتهاء الغلمان". و "الَشبق" شدة الغلمة وطلب النكاح، يقال: رجل شبق، وامرأة شبقة. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء رجال عرفوا بالشبق والغلمة، ومن هؤلاء "ابن الغز". فذكر إن عبد الملك ابن مروان ذكر إياداً، فقال:" هم أخطب الناس لمكان قس، وأسخى الناس لمكان كعب، وأشعر الناس لمكان أبي دؤاد، وأنكح الناس لمكان ابن الغز". وفي المثل: "أنكح من ابن الغز"، وهو من بني إياد، واسمه سعد أو عروة أو الحارث بن أشيم. وذكروا أنه كان نكّاحاً عظيم الأير، زعموا إن عروسه زفت إليه، فأصاب رأس أيره جنبها، فقالت: أتهددني بالركبة. وقد عرف من يحب محادثة، النساء ومجالستهن ومخالطتهن ب، "الزير"، ومن هنا قيل: "زير نساء". وقد ذكر أهل الأخبار أسماء نفر من المشهورين بذلك. ويقال لمن لا يأتي النساء عجزاً أو لا يريدهن "العنين". كما يقال المرأة التي لا تريد الرجال. ولا تشتهيهم "العنينة" على بعض الآراء. ويقال امرأة مساحقة. وامرأة سحاقة، لمن تشتهي النساء. ويقال إنها لفظة مولدة. وقد عرف "التبتل" عند بعض الجاهليين، ممن تأثر بآراء الرهبان. ويراد به ترك النكاح والزهد فيه، ويكون ذلك الرجال كما يكون النساء. وتعرف المرأة المنقطعة عن الرجال ب "البتول". وقد نهى الرسول "عثمان بن مظعون" عن التبتل. وورد في الحديث: "لا رهبانية ولا تبتل في الإسلام". ويقال لمن لم يأت النساء ولم يتزوج "الصارور". و "الصارورة"، المتبتلة، فلم تتزوج ولم تتصل برجل. ومن ذلك: "لا صرورة في الإسلام". و "الصرورة" عند الجاهليين أرفع الناس في مراتب العبادة، وقد أطلقت على الراهب المتعبد، كما جاء ذلك في شعر "ربيعة بن مقروم" الضبي، من مخضرمي الجاهلية والإسلام: لو أنها عَرَضت لاشمط راهب عبد الإله صرورةّ متبـتـل لدنا لبهجتها وحسن حديثـهـا ولهم من تاموره بـتـنـزلِ وقد عيب العازف عن اللهو والنساء، والذي لا يطرب للهّو ويبعد عنه. ولا يقرب النساء، ولا يحدثهن ولا يريدهن ولا يلهو. فإن مثل هذا الرجل هو كالحجر الصلد الجلمد، وفيه غفلة. ويقال له "العزهاة". عدد الزوجات ومن حق الرجل في الجاهلية إن يتزوج ما يشاء من النساء من غير تحديد ولا حصر. إذ. لم تحدد شرائعهم للرجال عدد ما يتزوجونه من نسائهم. فلما جاء الإسلام، حدد العدد وجَوَّز الرجل إن تكون له أربع زوجات في وقت واحد، ومنعه من تجاوز العدد في حالة الجمع، بمعنى انه لا يسمح له إن يجمع بين خمس زوجات أو أكثر من ذلك في وقت واحد بشرط العدالة بينهن، فإن خاف الزوج ألا يعدل بينهن فواحدة. ويذكر أهل الأخبار إن أهل الحرم أول من اتخذ الضرائر، والضرائر زوجات الرجل الواحد، وكل منها ضره للأخرى. والغاية الأولى من الزواج هي النسل، لذلك قالت العرب: من لا يلد لا وُلد.كرهت العاقر وعدتها شؤماً. واتخذ العقر من الأسباب الشرعية الطلاق، إِذ كان الرجل يأبى البقاء مع امرأة لا تلد. لذلك كان يطلقها في الغالب، لانتفاء الفائدة منها مع أنفاقه عليها، أو يتزوج عليها ليكون له عقب، وعندهم إن المرأة القبيحة الولود، خير من الحسناء العاقر، وان "سوداء ولوداً خير من حسناء عاقر". وليست هذه العادة من عادات العرب وحدهم، ولكن.، يشاركهم فيها أكثر الشعوب. الأخرى، ومنها الشعوب السامية. ولسادات القبائل والأشراف والملوك غرض آخر من الزواج، هو غرض كسب الألفة واجتذاب البعداء، والنصرة، حتى يرجم المنافر موالياً، ويصير العدوّ مؤالفاً، فهو زواج "سياسي". يتزوج الملك أو سيد قبيلة ابنة سيّد قبيلة أخرى، فيشدّ بزواجه هذا من أزر ملكَه أو من قوة قبيلته. لا سيما إذا كانت البنت من قبيلة كبيرة. وقد عمل بهذا الزواج كثيراً في الجاهلية، كما عمل به في الإسلام. فقد استفاد معاوية كثيراً من زواجه من قبيلة "كلب"، إذْ ساعدته وأيدته. وروعي هذا الزواج في المواضع التي تغلبت عليها الحياة القبلية بصورة، خاصة التغلب على طباع البداوة، القائمة على النفرة من الخضوع لحكم حاكم غريب عنها. وبهذا الزواج تخف هذه النفرة، فتشعر القبيلة إنها من أصهار هذا الحاكم، وعليها واجب مساعدته بحكم عصبية المصاهرة. وكثرة الاخوة عزة، فمن كثرت اخوته استظهر بهم. فلا يتمكن أحد من النيل منه بسوء، ولا من ابتزاز حق من حقوقه، ولا من الاعتداء عليه. وحظ الرجل العقيم خير من حظ المرأة العاقر. فهو يتزوج عدة زوجات فإن لم يلدن منه، آمن عندئذ بعقمه. أما المرأة، فنبقى قانعة راضية في بيت الزوجية، إن أراد زوجها ذلك، لأن من الصعب عليها الحصول على زوج آخر إذْ طلقت، إذْ كان الرجال يفضلون الأبكار على المطلقات، واذا طلقت المرأة العاقر، بقيت بين أهلها من غير زواج في الغالب. ويرغب العرب في التزوج بالأبكار، ويفضلون الأبكار الصغار على الأبكار الكبار، والبكارة من الشروط التي يجب توافرها في الزواج، وإذا تبين إن البنت ليست بكراً، عد ذلك نكبة وعير أهلها بها، ولذلك يكون مصيرها القتل تخلصاً من عارها. أما الزواج يالثيب، فلا يشترط فيه البكارة لأن المرأة كانت قد تزوجت من قبل، ثم طلقها زوجها أو مات عنها، فهي مما لا يتوافر فيها شروط البكارة، وهو زواج يعزف عنه الشباب ويعير به من يقدم عليه، إذْ يتهم بالوهن الجنسي وبالطمع في مال الزوجة، فليس يجمل بالشاب إن يتزوج امرأة أعطت بكارتها غيره. ومن صارت ثيباً من النساء، صار نصيبها الثيب من الرجال في الغالب، وان كانت لا تزال شابة صغيرة السن. ويكره العرب الجمال البارع، لما محدث عنه من شدة الإدلال، ومن الخوف من محنة الرغبة وبلوى المنازعة وشدة الصبوة وسوء عواقب الفتنة، لكنهم كانوا يراعون حسن الصورة وجمال الجسم وتناسق أعضائه. ولهم صفات ونعوت ذكروا إنها تمثل جمال المرأة، تختلف باختلاف الأذواق، كما إن لهم رأياً في محاسن أخلاق المرأة وفي الخصال التي يجب إن تتحلى بها في معاشرة زوجها وفي العناية ببيتها وفي تربية أولادها. من ذلك إن تكون حريصة على إرضاء زوجها وخدمة أولادها والعناية ببيتها. وللعرب نعوت رأوا إنها إن وجدت في المرأة عابتها، منها إن تكون بذيئة اللسان، نمامة كذوباً، عابسة قطوباً، كثيرة الانتباه والتدخل، طويلة مهزولة، ظاهرة العيوب، سبابة وثوبة إن ائتمنها زوجها خانته، وان لان لها أهانته، وان أرضاها أغضبته، وان أطاعها عصته، إلى غير ذلك من نعوت رووها عن الجاهليين في ذم المرأة المتخلقة بها. وقد نعتت المرأة التي تلبس درعها مقلوباً، وتكحل إحدى عينيها وتدع الأخرى ب "القرثع"، وهي المرأة الجريئة القليلة الحياء البذيئة الفاحشة. ويرغب العرب في الزواج بالنساء الشقراوات البيض البشرة، ورد إن بعض العرب قالوا لبعض الملوك: هل لكم في النساء الزهر، والخيل الشقر، والنوق الحمر. والعادة إن أمر الزواج بيد الأبوين، وليس البنت معارضة وليهّا الشرعي في الزواج، غير إن بعض بنات الأسر الشريفة لم يكن يقبلن بالزواج بأحد إلا بموافقتهن، فإلى البنت يكون حق قبول الزوج أو رفضه. كما اشترطت بعض النسوة أنهن إن أصبحن عند زوجهن، كان أمرهن اليهن، إن شئن أقمن معهم، وان شئن تركنهم، أي إن حق الطلاق بيدهن. وذلك لشرفهن وقدرهن. ومن ج هؤلاء "سلى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش"، وهي أم عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف، و "فاطمة بنت الخرشب الأنمارية"، وهي أم الكَملة من بني عبس، وهم: الربيع الكامل، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ، وأنس القوارس، بنو زياد. ومنهن "عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة"، وهي أم هاشم، وعبد شمس، والمطلب بني عبد مناف. و "السوا بنت الأعيس" من عنزة، وكانت تحت خالد بن جعفر بن كلاب. و "مارية بنت الجعيد بن صنبرة بن الديل بن شن بن أفصى" من لكيز. وقد اشتهرت "أم خارجة" وهي -"عمرة بنت سعد بن عبد الله بن قداد ابن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار" من بحيلة بأنها كانت قد اشترطت إن يكون طلافها بيدها، فكانت كما يقول أهل الأخبار تتزوج ونطلق. وقد أكثرت من الولد في العرب، وبها ضرب المثل فقيل: "أسرع من نكاح أم خارجة". كان يقال لها: خطبٌ، فتقول: نكح وخارجة ابنها، ولا يعلم ممن هو. وولدت ل "بكر بن عبد مناة": الليث والدُّول، وعُريجاً، وهي أم العنبر، والهجيم، وأسيد. وولدت أيضاً في "بني القين" من اليمن، قوم يقال لهم: بنو الحرة، وولدت في بهراءْ. وللعداوات بين القبائل أثر بليغ في اختلاق أمثال هذا القصص، كما لا يخفى. وذكر أهل الأخبار أسماء نساء تزوجن ثلاثة أزواج فصاعداً. منهن "مارية بنت الجعيد"، ذكر "ابن حبيب" إنها تزوجت من عشرة رجال. ونسوة أخر ذكر أسماءهن "محمد بن حبيب". تخفيف غلمة النساء: وقد أمر بعض الجاهليين بختان النساء الحدّ من طغيان الشهوة، فإن البظراء تجدُ من اللذة ما لا تجده المختونة، وفي حديث: يا ابن مقطعة البظور. دعاه بذلك، لأن أمه كانت تختن النساء. والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم، وان لم تكن أم من يقال له هذا خاتنة. وذكر إن الرسول قال لأم عطية الخاتنة: "أشمّيه ولا تنهكبه، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند البعل". كأنه أراد انه ينقص من شهوتها بقدر ما يردها إلى الاعتدال، فإن شهوتها إذا قلت ذهب التمتع، ونقص حب الأزواج، وحب الزوج قيد دون الفجور. وذكر إن العرب اتخذت بعض الطرق لتضييق فرج المرأة، من ذلك استعمال عجم الزبيب. وذكروا إن نساء ثقيف فعلن ذلك، ويظهر إن أعداء ثقيف في أيام الحجاج قد أشاعوا قصصاً من هذا النوع نكاية به. ويقال لذلك التقريب والتفريم. حق المقدم في الزواج ويقدم ابن العم على غيره في الزواج، فإذا جاء رجل يريد خطبة ابنة رحل، سئل ابن عمها إن كان لها ابن عم عن رأيه في ابنة عمه، فإن أظهر رغبته في الاقتران بها قدم على غيره، وزوجت منه، وان أظهر انه. غير راغب فيهاُ زوّجت من غيره. ذلك لأن ابن العم مقدم على كل أحد في الزواج من ابنة العم، وقد يأبى ابن العم من تزويج ابنة عمه من غيره ويصر على إن تكون له، ولكنه يأبى إن يحده موعداً الزواج منها، ويتركها أمداً طويلا تنتظر حتى يرى رأيه، وقد تأبى ابنة العم الزواج من ابن عمها، ويأبى ابن عمها إلا الزواج منها، فتنشأ من ذلك منازعات وخصومات قد تصل إلى إراقة الدم. ومع وجود عرف إن القريب أولى بالبنت من البعيد، فإن العرب تراعي في الغالب إنكاح البعداء والأجانب. يرون إن ذلك أنجب للولد وأبهى للخلقة، وأحفظ لقوة النسل ؛ لأن إنكاح الأهل والأقارب يضر بالمولود ويسمه بالضعف والهزال، ويزعمون إن نقارب الأنساب مدح في الإبل، لأنه إنما يكون في الكرائم يحمل بعضها على بعض حفظاً لنوعها، وذم الناس. لأنه فيهم سبّب الضعف. وبهذا المعنى ورد الحديث: "اغتربوا ولا تضووا" أي إن تزوج القرائب يوقع الضوى في الولد، والضوى: الضعف والهزال. وقد أوصى "حصن بن حذيفة بن بدر" قومه إن "ينكحوا الكفء الدريب، فإنه عز حادث ". وقال "عمر" مخاطباً آل السائب: "يا بني السائب، أنكم قد أضويتم، فانكحوا في النزائع". أي تزوجوا في البعاد الأنساب، لا في الأقارب، لئلا تضوى أولادكم. والنزائع جمع نزيعة، وهي المرأة التي تزوج في غير عشيرتها. وأضوى: ولد له ولد ضاو أي ضعيف. وروي إن رجلاً قال: بنات العم أصبر والغرائب أنجب، وما ضرب رؤوس الأبطال كابن أعجمية. وقد أدركوا أثر العرق في الولد. قال رجل: لا أتزوج امرأة حتى أنظر إلى ولدي منها، قيل له: كيف ذلك? قال: أنظر إلى أبيها وأمها، فإنها تجر بأحدهما. وقال بعض الشعراء: إذا كنت تبغـي أيمـاً بـجـهـالة من الناس فانظر من أبوها وخالها. فإنهما منها كما هي مـنـهـمـا كقدّك نعلاً إن أريد مـثـالـهـا فإن الذي ترجو من المال عندها سيأتي عليه شؤمها وخبالـهـا ويراعى التكافىء في الزواج، فالأشراف لا يتزوجون إلا من طبقة مكافئة لهم، والسواد لا يتجاسرون على خطبة ابنة سيد قبيلة أو ابنة أحد الوجهاء، ويعير السيد الشريف إن تزوج بنتاً من سواد الناس، ولا سيما إذا كانت ابنة صائغ أو نجار أو ابنة رجل يشتغل بحرفة من الحرف اليدوية لأنها من حرف العبيد. وقد عيّر "النعمان بن المنذر" بأمه، لأنها كانت ابنة يهودي صائغ، على ما يزعمه أهل الأخبار. ولم يكن من المستساغ عرفاً تزويج ابنة رجل حرّ من عبد مملوك أو مفكوك الرقبة، ولم يكن من الممكن تزويج البنت الأصيلة الحرّة من ابن عبد أو من حفيد عبد، أو من حفيد حفيد عبد، وهكذا لأن سمة العبودية والضَّعَة تلازم الأسر، وان تحررت وحسن حالها وصارت غنية، وما زال هذا المحرف قائماً في جزيرة العرب. ويقدم العرب البيت على الجمال. فللبيات أثر في أخلاق المرأة وفي نجابة الأولاد، وهو أثر دائم. والجمال صورة زائلة. فكانوا يهتمون بالبيت الطيب المنجب، ليكون النسل نجيباً صحيح البنية والعقل لقد علمتهم الطبيعة، وتبين من تجارب الحياة إن لبيت البنت أثراً كبيراً في مستقبل الأسرة وفي نجابة الأولاد وصحة أجسامهم وسلامتهم من المرض. لشاك فضلوا أصالة البيت على جمال المرأة. لما للأصالة من أثر في الوراثة التي تنتقل من الأبوين إلى الأولاد. ونجد هذا المسلك عند غير العرب من الساميين أيضاً، ورد في التلمود: "لا تحفل بجمال المرأة. وانظر إلى أسرتها". وروي إن رجلاً شاور حكيماً في التزوج، فقال له: افعل، وإياك والجمال الفائق، فإنه مرعى أنيق. فقال: ما نهيتنْي إلا عما أطلب، فقال: أما سمعت قول القائل: ولن تصادفَ مرعىً مُمرِعاً أبداً إلا وجدتَ به آثار منـتـجـع وورد في الحديث: "إياكم وخضراءَ الدمن، قيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن? قال: المرأة الحسناء في منبت السوء". فللمنبت شأن كبير في الزواج وفي أخلاق الولد، فلا قيمة المرأة الحسناء إذا كانت من بيت سوء. المناكح الكريمة وقد روي عن "أكثم بن صيفي" قوله: "المناكح الكريمة مدارج الشرف". ولهذا حرصوا على تطبيق قاعدة التكافؤ في الزواج، واختيار كرائم البنات لكرائم الرجال. وروي إن جملة ما أوصى به "الحارث بن كعب" سيّد مَذْحِج قومه إن "تزوجوا الأكفاء، وليستعملن في طيبهن الماء، وتجنبوا الحمقاء. فان ولدها إلى أفنٍ ما يكون، إلا انه لا راحة لقاطع القرابة" وقد عرفت هذه القاعدة قي "الكفاءة في النكاح". وهي إن يكون الزوج مساوياً المرأة في حسبها ودينها ونسبها وبيتها وغير ذلك. والمرأة في نظر العرب وعاء للولد. هذه نظرتهم إليها في الجاهلية وفي الإسلام. قال "عروة بن الزبير": " لعن الله فلانة، ألفتُ بني فلان بيضاً طوالاً، فقلبت هم سوداً قصِاراً". وفي هذا المعنى جاء في الشعر: وأول خبث الماء خبث ترابـه وأول خبث القوم خبث المناكح وللأم أثر خطير في الولد. وقد ذكر "الجاحظ" إن العرب تقول: "عرق الخال لا ينام". وان كثيراً من العلماء يزعمون إن عرق الخال أنزع من عرق العم. ومن دلائل ذلك تباهي الناس بأخوالهم، واعتبار الخال بمنزلة الوالد. وقول العرب: "لئيم الخال"، واحتماء الأولاد بأخوالهم ولجوؤهم إليهم أكثر بن لجوئهم إلى أعمامهم. ودعوتهم لهم عند العصبية. وقول العرب "العرق دساس" و " عرق الخال". ولكننا لا نستطيع القطع برأي العرب في موضوع "دس العرق". وفي إن أياً هو أكثر أثراً ووضوحاً في الولد: عرق الخال، أم عرق العم? فهناك أمثلة في التأريخ الجاهلي تظهر إن من الجاهلين من كان يقدم العم على الخال، ويرى إن العم مقام الوالد. ولما كان الوالد هو الأصل في النسب عند الجاهليين، وهو الولي وصاحب الحق الشرعي الأول في ولده، يكون هذا الحق في إخوته بعد وفاته. كما أننا في إن بعض الأولاد كانوا ينزعون إلى أعمامهم أكثر من نزوعهم إلى أخوالهم. وموضوع نزع العرق عند العرب، اعتباري اصطلاحي بالطبع، يمثل وجهة نظرهم في النسب، ولا يقوم على أسس "بيولوجية" أي من ناحية اثر الدم وانتقال الخصائص الدموية من الوالد، أو من الأم إلى الولد. وهو موضوع علمي، يختلف عن هذه النظرة الاعتبارية، من حيث انه يقوم على الدراسات العلمية، ولا يأخذ بالاعتبارات والآراء المبينة على اعتبارات أهل النسب في خصائص الولد. والظاهر إن الوئام لم يكن واقعاً دائماً بين أبناء العم، إذْ نجد إن الخصومات طالما كانت تحدث بينهم. ولعل ذلك بسبب ما ألقاه المجتمع على عاتق العمّ من تبعات أولاد إخوته حين وفاة الأخ، فانه يكون بحسب العرف القبلي الوصي الشرعي على أولاد المتوفى، وله حق في إرثه بحسب قانون "العصبة" عند وفاة الأخ عن بنات ومن غير أبناء، أو لطمع الأعمام في أموال اليتامى، إلى غير ذلك من أمور سببت حدوث خصومات أحياناً بين الأعمام وبن أبناء الاخوة، أو بين أبناء الأعمام. ولعل هذه الخصومات هي الني جعلت "الجاحظ" يتصور إن أبناء العم محسودون. ونجد العرب يقولون: "عرق فيه أعمامه وأخواله"، فقدموا الأعمام على الأخوال، واعترفوا بأثر عرق الاثنين في الولد، من كرم أو لؤم، إذْ يكون دس العرق في اللؤم والكرم. ولاحظ العرب إن الأبوين قد يلدان ولداً يكون لونه مغايراً للونهما، فيحدث نزاعاً بين الرجل وزوجته في هذه الولادة الغريبة، وتتهم المرأة أحياناً باتصالها برجل غريب جاء منه هذا المولود، إلا إن منهم من أدرك "دس العرق" في هذه الولادة، واحتمال انتقال هذا اللون من آباء أحد الوالدين. وقد اختصم رجل مع زوجته في مولود ولد له، فجاء إلى رسول الله وقال له: إن امرأتي قد ولدت غلاماً أسود، فقال له الرسول: "لعل عرقا نزعه". فاعتقاد العرب إن الولد قد ينزعه عرق من الأب. وفي هذا المعنى أيضاً قول "ابن الزبير": "لا يمنعكم من تزوجّ امرأة قصرها، فإن الطويلة تلد القصير، والقصيرة تلد الطويل، وإياكم والمذكَرة فإنها لا تنجب". والمذكرة المتشبهة بالذكور. وقد حرص العرب لما تقدم على التزوج في الأسر الصحيحة السالمة من الأمراض والعيوب، ليكون النسل صحيحاً نجيباً. قال أعرابي لصاحب له: "إذا تزوجت امرأة من العرب فأنظر إلى أخوالها، وأعمامها، واخوتها، فإنها لا تخطئ الشبه بواحد منهم". |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#126 |
|
عضو فضي
|
لبن الأم
وللبن الأم شأن كبير عند العرب، لما يتركه من اثر في طبيعة الولد، ولشلك كانوا يرون إن تكون الأم مرضعة الولد، إلا إذا تعذر ذلك لسبب، فترضه مرضعة قريبة من أهل المولود أو من المرضعات السليمات من المرض، ومن ذوات العرق الطيب. لأن اللين دساس يؤثر في شاربه. واهم العرب باختيار المرضعات. لما يكون للبان الرضاع من أثر في الرضيع، ولما يكون المرضعة ولبيتها من أثر فيه، كما اهتموا باختيار من يتأبط المولود ويحمله، لتسليته وتلهيته، لما يتركه ذلك من أثر في تربيته وخلقه. وفي حديث عمرو بن العاص: "ما تأبطتني الإماء ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي" أراد انه لم تتول الإماء تربيته. وغبرات المآلي: بقايا خِرَق الحيض. وإذا أراد مدح إنسان والثناء عليه، ذكروا مرضعته وصفاء لبنه الذي رضعه، فقالوا: "نعمت المرضعة"، و " نعمت المرضعة مرضعته". وإذا أرادوا ذمّ إنسان قالوا: "بئست المرضعة مرضعته"، كناية عن إنها هي التي أرضعته، فخرج رضيعها على شاكلتها. وفي الحديث حين ذكر الأمارة، فقال: "نعمت المرضعة وبئست الفاطمة"، ضرب المرضعة مثلاً للأمارة وما يوصله إلى صاحبها من الأحلاب، يعني المنافع، والفاطمة مثلاً. للموت الذي يهدم عليه لذاته ويقطع منافعها. وتعدّ الرضاعة بمنزلة الأخوة بين المتراضعين، ويفتخر ويتعزز الواحد منهم بالآخر، خاصة إذا كان من السادات والأشراف. والعرب تقول: "هذا رضيعك" أي أخوك من، الرضاع ، وتقول: "استرضع في بني فلان". ويصير كأنه واحد من القوم الذين استرضع فيهم. وتكون المراضع بمنزلة الأم للرضيع. ويبدأ الزواج برغبة يبديها الرجل لوالديه، أو برغبة من والديه، أو من أحدهما تقدم إلى الولد تطلب إليه إن يتزوج، فإن حصلت الموافقة اختيرت له زوجة، وقد يكون الرجل قد اختار خطيبته وعينها، فإذا وافق أهله خطبوها إلى وليّ أمرها، وإذا أبوا فعليه إن يختار أخرى زوجاً له، وإذا أبى أقل البنت عليه ذلك تركها، وقد يصر على الزواج بها، ويصر أهله أو أهلها على رفضهم ذلك، وقد يزداد الرجل أو البنت إصراراَ على الاقتران معاً حتى يتحول ذلك إلى هرب من مكانهما إلى مكان آخر. وقد تقع بغضاء بين أهلي الرجل والبنت من وقوع هذا الزواج. الخطبة وغذا استقر الرأي على البنت، يذهب ولي أمر الرجل أو أقرب الناس إليه إلى ولي أمر البنت، كالأب أو الأخ أو العم أو بني عمها أو غيرهم ممن هم أقرب الناس اليها، يخطب البنت بعد إن يكونوا قد مهدوا لذلك وحددوا الصداق. وكان الخاطب إذا. دخل بيت أهل البنت حيّاهم ومن كان حاضراً بتحية أهل الجاهلية، مثل: انعموا صباحاً، أو عموا صباحاَ، أو أمثال ذلك، فإذا استقر به المقام، تكلم فيما جاء فيه، كأن يقول: نحن اكفاؤكم ونظراؤكم، فإن زوجتمونا فقد أصبنا رغبة واصبتمونا وكنّا لصهركم حامدين، وان رددتمونا لعلة نعرفها رجعنا عاذرين. ثم يجيب ولي أمر البنت جواب مناسباً يضمنه الرضى والقبول، وبذلك تكون البنت قد خطبت لذلك الرجل. ووصف بعض أهل الأخبار طريقة من طرق الخطبة عند بعض الجاهليين، فقال: كان الرجل في الجاهلية يأتي الحي خاطباً، فيقوم في ناديهم، فيقول: خطب، أي جئت خاطباً. فيقال له: بعد الموافقة نكح، أي قد انكحناك إياها، ومن ذلك ما قدمت من خبر أم خارجة إن صحّ. وذكر إن "نكحاً" هي كلمة كانت العرب تتزوج بها. ويرتدي أهل الخاطب وأهل المخطوبة خير ما عندهم من ملابسهم ويزينون أنفسهم عند مجيء أهل الرجل إلى بيت البنت لخطبتها. وإذا تمت الخطبة ضمخ والد الخطيبة بالعبير وخلِّق بالطيب ونُحير بعير أو أكثر على حسب منزلة أهل البنت. والعادة عند العرب إن ينحروا بعيراً أو شاة في المناسبات المفرحة المبهجة، فلا بد لمثل هذه المناسبات من "ذبيحة" وإسالة دم. ولما خطب النبي "خديجة" واجابته، استأذنت أباها في إن تتزوجه وهو ثمل، فأذن لها في. ذلك، وقال: هو الفحل لا يقرع أنفه. فنحرت بعيراً، وخلّقت أباها بالبعير، وكسته برداً أحمراً. وكان الجاهليون يقولون الإبل تساق في الصداق: النوافج. وكانوا يقولون عند تقديمها: تهنئك النافجة. على إن بعضهم من كان يكره ذلك. وقد بطل هذا القول في الإسلام. وتلبس العروس ثوباً يجعل له ذيل تسحبه حنن تمشي. لأنه يكون طويلاً، وقد أشير إليه في شعر لامرىء القيس. إذ. قال: لها قلب مثل ذيل العروس تسد به فرجها من دبـر كما أشر إليه في شعر لخداش بن زهر. إذْ قال: لها ذنب مثل ذيل الهديّ إلى جؤجؤٍ أيدِ الزافر والهديّ: العروس التي تهدى إلى زوجها. واستعملت المرأة الغنية المسك والطيب في تطبيب جسمها وثيابها. حتى كان المسك يفوح من أردانها. قال قيس بن الخطيم: وعمرة من سروات النسا ء تنفحُ بالمسك أردانهـا و "الصدّاق" هو مهر المرأة، أي ما يدفعه الرجل إلى أهل البنت عند عقد الزواج، ويقال له الصَّدَقة والصَّدُقة والصُّدُقة والصَّداق. وترادف هذه الكلمة كلمة أخرى هي "مهر"، وهي من المصطلحات الجاهلية كذلك. وطريقة العرب من جاهليين وإسلاميين في دفع الرجل "المهر" للزوجة، تناقض المألوف عند اليونان والرومان، حيث جرت عادتهم إن تقدم المرأة صداقها إلى زوجها نقوداً أو عيناً. وهي الطريقة المألوفة عند الغربيين حتى الآن. وكان الرومان يستغربون طريقة الجاهليين هذه في دفع المهر. ويروي "روبرتسن سمث" إن ترادف معنى "الصداق" و "المهر" إنما حدث في الإسلام. أما في الجاهلية، فقد كان هناك فرق بن مدلول الكلمتين. فان المراد من كلمة الصداق عند الجاهليين هو ما يقدم إلى العروس. أما المهر، فهو ما يقدم إلى الوالدين. والرجل إما إن يكون من ذوي قرابة البنت وإما إن يكون من الأباعد، أي غريبا عنها. فان كان من ذوي قرابتها، قال لها ولي أمرها إذا حملت إليه: أيسرتِ وأذكرتِ ولا انثتِ، جعل الله منك عدداً وعزاً وخلداً. أحسني خلقكَ، وأكرمي زوجك، وليكن طيبك الماء... ومثل ذلك من كلام. وإذا زوّجت في غربة قال لها: لا أيسرتِ، ولا ذكرتِ، فانك تدنين البعداء، أو تلدين الأعداء. أحسنى خلقك، وَتحببي إلى أحمائك، فان لهم عيناً ناظرة إليك، وأذناً سامعة اليك، وليكن طيبك الماء. وإذا كان العرس أولموا وليمة، ودعوا إليها ذوي قرابة الزوجين وأصدقاءهم. وتتناسب الولائم مع مكانة العريس وأهله، للهو، فإن كان غنيتم كانت وليمته ضخمة، وربما دعوا إليها أهل الطرب، وقدّموا فيها المأكولات الشهية والخمور. ويقال الوليمة التي تقام "الملاك" ويقال "الإملاك"، ويقال الطعام الذي يقدم في "الإملاك" "الشندخ " لأنه يقدم الدخول. وإما ما يصنع الدخول بالمرأة، فيقال له: "وليمة " و "وليمة العرس". وكانوا يعدون ولائم العرس من الأمور اللازمة، ويفعل ذلك حتى القفير الضعيف الحال. وقد حث الإسلام عليها، فورد في الحديث إن الرسول قال لعبد الرحمن بن عوف: "أولم ولو بشاة". وتزف العروس إلى زوجها، ومعها أصدقاؤها وأهلها: وقد يقتن ذلك بضرب الدفوف والغناء. وقد كان الأنصار يعجبهم اللهو، وهذا كانوا يهتبلون هذه المناسبات للهو فيها. ومما كان يقال في زف العروس: أتيناكـم أتـينـاكـم فحيانـا وحـياّكـم ولولا الذهب الأحمر ما حلت بوادبـكـم ولولا الحنطة السمرا ما سمنت عذاريكم ويقال لليلة التي تزف فيها العروس إلى زوجها ليلة الزفاف. ويعرف موكب الزفاف ب "الزفة" ويزف "العروس" إلى بيته أيضاً، فقد كان من عادة ذوي القرابة والأصدقاء إقامة وليمة له، إذا انتهت رافق المدعوون العريس إلى بيته في موكب يغنى فيه ويضرب بالدفوف. وقد يبقى المدعوون إلى الصباح؛ حيث يحيون ليلتهم، وهي ليلة العرس، بالشرب والغناء واللعب. وتخلّق العروس بالعبير وبأنواع الطيب بحسب سعة حالها وأحوال أهلها المعاشية. وذكر إن "العبير" الزعفران وحده عند أهل الجاهلية. وذكر انه أخلاط من الطيب يجمع بالزعفران،، وورد إن العبير غير الزعفران. وقد اشتهر رداء العروس بطيب رائحته، لما فيه من العبير. قال الأعشى: وتَـبْـرُدُ بَـرْدَ رداءِ الـعـــرو سِ في الصيف رقْرَفَتْ فيه العبيرا وتزفت العروس إلى زوجها ليلاً: تزف على قدر حال العروسين، وقد تزف في النهار، ويرافق العروس "موكب" موكب من نساء ورجال على الإبل المزينة يسير والنيران بين يدي العروس. وقد توضع الأنماط على هودج العروس وفي بيتها. وقد منع استعمال النيران في الإسلام؛ لما في ذلك من التشبه بالمشركين، كما نهي عن استعمال أنماط الحرير. وقد تزف العروس في محفة يقال لها "المزفة"، ومعها، أصحاب "الزفة". وذكر إن "الزفة"، الزمرة. "ومنه الحديث: انه صل الله عليه وسلم، قال لبلال حين صنع طعاماً في تزويج فاطمة، رضي الله عنها: "أدخل الناس عليّ زفةً زفةً" أي: فوجاً بعد فوج ؛ وطائفةّ بعد طائفة. وفي المثل: "لا عطر بعد عروس" أول من قال ذلك امرأةّ اسمها: أسماء بنت عبد الله العُذّرية، واسم زوجها-وكان من بني عمها-"عروس". ثم مات عنها، فتزوجها رجل من قومها أعسر أبخر نحيل دمَيم، يقال له "نوفل". فما أراد إن يظعن بها، قالت: لو أذنت لي، رثيت ابن عميّ، وبكيت عند رمسه? فقال: إفعلي. فقالت: أبكيك يا عرس الأعراس، يا ثعلباً في أهله، وأسداً عند الباس، مع أشياء ليس يعلمها الناس! فقال: وما تلك الأشياء? فقالت: كان من الهمة غير نَعّاس ويعمل السيف صبيحات الباس. ثم قالت: يا عروس الأغر الأزهر، الطيب الخيم، الكريم المحضر، مع أشياء لا تذكر فقال: وما تلك الأشياء? قالت: كان عيوفاً للخنا والمنكر، طيب النهكة غير أبحنر، أيسر غير أعسر. فعرف الرحل إنها تعرّض به. فلما رحل بها، قال: ضميّ عطرك. وقد نظر إلى قشوة عطرها مطروحة. فقالت: "لا عطر بعد عروس" فذهبت مثلاً. أو "لا مخبأ لعطر بعه عروس". وتحمل العروس معها أدوات زينتها وموادها الأخرى تضعها في قشوة: قفة من خوص يجعل فيها مواضعها للقوارير بحواجز بينها لعطر المرأة وقطنها، قال الشاعر: لها قشوة فيها ملابٌ وزنبقٌ إذا عزبٌ. أسرى إليها تطيبا ويقال البنت العذراء التي لم تقتض "البكر". ويقال ذلك للرجل الذي، لم يقرب امرأة بعد. وزوجها الأول هو الذي يفتض بكارتها. وإِذْ كانت لسلامة بكارة البنت مكانة عند العرب، كانوا يعرضون دم البكارة على الأقارب، ليكون شهادة على سلامة بكارتها. ويكنى عن البكارة والبنت البكر ب "بنت سعد". والزواج حادث مهم في حياة الإنسان، ولذلك يعلن عنه بفرح وسرور، ويقال لذلك "بشاشة العرس". يعلن عنه بدعوة "وليمة" تولم لذوي القربى والأحباء والجيران والأصدقاء، تقترن بالغناء وبالضرب على الدفوف أحياناً، وبارتداء ملابس نظيفة مناسبة، أو ملابس مصبوغة بصفرة، والصفرة عند أهل الحجاز في. ذلك العهد علامة العرس والفرح والسرور، كما كانوا يصبغون أيديهم ولحاهم بالزعفران، ويكحلون عيونهم، والكحل عندهم من الزينة أيضاً. ويقال الطعام يصنع لعرس: "الوليمة"، وقد ذهب بعض علماء اللغة إلى إن اسم الوليمة مختص بطعام العرس. وقد حث الإسلام عليها. ورد في الحديث قوله لعبد الرحمن بن عوف: أولم ولو بشاة. ويقابل الزوج على تفضله بالدعوة إلى الوليمة بكلمات فيها خير وشكر وتمنيات الحياة الزوجية الجديدة، ويقال له عند الانتهاء والانصراف: على الطائر الميمون، وبالرفاه والبنين. وقد كره في الإسلام القول: بالرفاه والبنين لأنه من أقوال الجاهلية، ولما فيه من الإشارة إلى بغض البنات، لتخصيص البنين بالذكور، وإحياء سنن الجاهلية. المال والبنون وإذا ولد مولود ذكر، سر أهله بميلاده. والعرب مثل غيرهم من الشعوب القديمة كانوا يفرحون بميلاد ولد ذكر، ويغتمون إذا ولدت لهم أنثى، ويقيمون وليمة لميلاده، وكثرة البنين من المفاخر التي يفتخر بها أهل الجاهلية. إن كثرتهم نعمة وعزة. والبنون والمال زينة الحياة الدنيا. بالبنين يدافع، الرجل عن نفسه وعن بيته، وبهم ينال المال والحق والأخذ بالثأر، فهم الحماية ورأس المال. ونقرأ في أخبار أهل الأخبار افتخار الأباء والأمهات بكثرة ما أنجبوا من أولاد، ولا سيما إذا كان الأولاد حازوا شهرة بالجود بالشجاعة أو بأمثال ذلك، أو سادوا قومهم ورأسوهم. ورد في القرآن: )المال والبنون زينة الحياة الدنيا(. صحيح إن أعالتهم مسألة صعبة عسيرة، ولا سيما إعالة الفقراء أولادهم، غير إن الحياة الاجتماعية في ذلك العهد لم تكن على مستوى عال من المعيشة تطلب مالاّ يضمن الوالد به عيش أولاده، إنما كانت المعيشة سهلة لا تتطلب حاجات كثيرة، ولم تكن بالناس حاجة شديدة إلى النقود، فما بقوم به المرء من مجهود بدني هو أصيلة كل إنسان، وبه يعيش، وبه يحصل على ما يحتاج إليه من وسائل المعيشة محدودة. فإذا كثر الأولاد، ازدادت وسائل المعيشة، وعاش الوالد عيشة ناعمة طيبة، وحصل بفضلهم على قوة ومنعة. وقد ذكر أهل الأخبار عدداً من الرجال عرفوا ببنين حصلوا على شهرة وذكر، فكانوا يفتخرون بهم بين الناس. من هؤلاء "سعد العشيرة"، قيل له "سعد العشيرة" لأنه كان يركب في عشرة من أولاده الذكور، فكأنه منهم في عشيرة، فصار مثلاً للرجل يستكثر بأبنائه وعشيرته ويتعزز بهم. و "الحارث بن سدوس". وكان له واحد وعشرون ولداً ذكراً. ويكون الذكور فخراً الأمهات وقوة لهن، ويقال المرأة التي تلد الأولاد الكرماء الأشراف منجبة ومنجاب. "ولم تكن العرب تعد منجبة من لها أقل من ثلاثة بنين أشراف". وتعرف ب "أم البنين" كذلك. ومنهن "أم البنين بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن ضعصعة"، و "عمرو بن عامر، هو "فارس". ولدت "أبا براء" ملاعب الأسنة، و "طفيلاً" فارس قرزل و "ربيعة" ربيع المقترين، و "معاوية" معوذ الحكماء، "سلمى" نزال المضيق، بني مالك بن جعفر بن كلاب. وقد أشار القرآن الكريم إلى نفرة العرب من البنات، وما كان يصاب به الرجل من ضيق صدر ومن همّ إذا بلغّ إن مولوده أنثى، قال تعالى: )وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم(. ويزداد كربه إذا زاد عدد بناته، وقد يعمدون إلى "الوأد"، أي دفنهن أحياء للتخلص منهن. قيل: " إنهم كانوا يقتلونهن خوف العار". والى ذلك أشار القرآن الكريم: )ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق. نحنُ نرزقهم وإياكم(، )ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقهم وإياكم(. وقد افتخرت "بنو عبس" ب "زهير بن جذيمة بن رواحة" العبسي، لأنه كان أبا عشرة، وعم عشرة، وأخا عشرة، وخال عشرة، ورأس غطفان كلها في الجاهلية ولم يجمع على أحد قبله. فكثرة البنين من موجبات الفخر والاعتزاز والتباهي عند الجاهليين. العقيقة وإذا كانت نهاية الإنسان ضد الجاهلين مقترنة بالدم، فإن مبدأ حياته مقترن عندهم بالدم كذلك. لقد كان من عادتهم ذبح شاة عند ميلاد مولود وتلطيخ شيء من دمها برأس المولود، ويقال لهذه الذبيحة "العقيقة"، وهي كلمة جاهلية وردت في الشعر الجاهلي. وتذبح عادة في اليوم السابع من ميلاد المولود. وقد أقر الإسلام ذلك، فوردت الكلمة في الحديث. ويذكر علماء اللغة ان معنى العقيقة هو شعر كل مولود يخرج على رأسه في بطن أمه، وانه قيل الشاة المذبوحة. لذبحها عند الاحتفال بحلق هذا الشعر. وقد كانوا يعيرون من لم تحلق عقيقته، إذْ يرون في ذلك منقصة لا تليق بالرجل الكامل. ويستقّبل المولود بدلك جنكه بالتمر المضوغ، أو الحلو مثل عسل النحل، وكل ما لم تمسه نار من الحلو. وكان العبرانيون يفركون المولود بالملح. واستقبال المواليد بمثل هذه الأمور من العادات الشائعة عند كثير من الأمم القديمة، وهي عادات وشعائر دينية أيضاً. فإن الشعوب القديمة لم تكن تفرق كثيراً بين العادات والشعائر بخلاف الحال في الزمن الحاضر. ولاستقبال المولود بدلك جسمه بالحلو أو بالملح أو بما شابه ذلك، معنى التفاؤل. فالحلو رمز السعادة والفرح. وإما الملح، فانه عنصر مهم من عناصر الحياة عند الأمم القديمة. والخبز والملح هما رمز الصداقة والمودة حتى اليوم. ويسلى الأطفال باعطائهم العرائس والتماثيل الصغيرة يلعبون بها ويقضون وقتهم بالتسلي بها وبمكالمتها على نحو ما يفعل أطفال اليوم. كما يتسلون باللعب معاً بألعاب خاصة بالصبيان. الختان ويعدّ الختان من العادات الجاهلية القديمة، والعرب في ذلك كالعبرانيين. وهو أمر لم يرد ذكره في القرآن الكريم، إنما ورد ذكره في الحديث. وترجع الكلمة إلى أصل سامي شمالي قديم. والختان في الأصل نوع من أنواع العبادة الدموية التي كان يقدمها الإنسان إلى أربابه، وتعدّ أهم جزء من. العبادات في الديانات القديمة. فقطع جزء من البدن وإسالة الدم منه، تضحية ذات شأن خطير في عرف أناس ذلك العهد، كما كان حلق الشعر كله أو جزء منه نوعاً من أنواع التقرب إلى الآلهة. والختان في الإسلام معدود من سن الفطرة التي ابتلى الله إبراهيم بها ؛ وهي الكلمات العشر. وفي جملتها الختان. وقد كان الجاهليون يسمون من لم يختتن: أقلف وأغلف وأغرل، ويعيبونه، ويعدّونه ناقصاً. وذكر انتشار هذه العادة عند العرب بعض الكتبة "الكلاسيكيين" مثل: "يوسفوس" المؤرخ اليهودي و " أويسبيوس" و "سوزومينوس" "Sozomenius" ويظهر انه كان معروفاً عند العرب الجنوبيين وعند الحبشة كذلك. وقد طبق على النوعين الذكور والإناث. وكانت العرب. تزعم إن الغلام إذا ولد في القمراء قسحت قلفته فصار كالمختون؛ قال امرؤ القيس وقد كان دخل مع قيصر الحمام فراه أقلف، على ما يزعمه أهل الأخيار: إني حلفت يميناً غير كـاذبة لأنت أقلف إلا ما جنى القمر وذكر "يوسفوس " إن العرب يختنون أولادهم عند بلوغهم عشرة من سنهمْ. ومن الضعف قبول خبره، ويظهر من موارد أخرى إن الجاهليين لم يعينوا عمراً معيناً الاختتان وأحسب إن هذا الكاتب اعتمد على ما جاء في التوراة عن اختتان إسماعيل وهو في الثالثة عشرة من عمره، أو انه اعتمد على ما سمعه من بعض القبائل الإسماعيلية الساكنة في المناطق الشمالية الغربية من جزيرة العرب، فظن إن الاختتان عند جميع العرب هو في هذه السن. وقد ورد في بعض الأخبار إن الروم حاولوا منع العرب من الاختتان. والاختتان من المناسبات المفرحة المبهجة في حياة الأسرة، لهذا كان من عادة العرب يدعون ذوي القرابة والأصدقاء إلى الولائم ويلبسون الأطفال أحسن ما عندهم من لباس ابتهاجاً وفرحاً بذلك. الرجولة واذا بلغ الطفل، صار رجلا، وجاز له حينئذ إن يفعل فعل الرجال. واحتفل أهله بذلك عند الصنم "Oratai"، الذي يقابل الإلَه "باخوس" "Bacchus" عند اليونان، ويبلغ الاحتفال غايته عند قص الضفائر ورميها أمامه. لأن ذلك معناه عندهم دخول الشاب في مرحلة الرجولة، ودخوله في عبادة هذا الإلَه. والبلوغ أدراك الغلام والجارية. وقد كان أهل مكة إذا بلغت عندهم الجارية أخذوها إلى "دار الندوة" فدرعوها بها، علامة على بلوغها. ومن أمثال العرب: "ولدك من دمّى عقبيك"، أي من نفسِت به، وصير عقبيك ملطخين بالدم، فهو ابنك حقيقة، لا من أخذته وتبنيّته وهو من غيرك. والابن الشرعي، من ينسب إلى أبيه بنسب صحيح، وعزي إلى والده. ويقال: انه لَحسن العزوة، أي صحيح النسب حسنه. والعادة. عند اكثر الساميين نسبة الأولاد إلى الآباء. ونجد اكثر أسماء الجاهليين على هذا النحو. وهناك أشخاص عرفوا بأسماء امهاتهم، والاخباريين في تفسيرها آراء، الغالب انهم اشتهروا بأمهاتهم لما كان لأمهاتهم من كفايات وصفات خاصة جعلت لهن صيتاً بعيداً طغى على اسم الرجال، فنسب أبناؤهم اليهن لهذا السبب تمييزاً عن بقية الأبناء الذين قد يكونون للرجل من زوجة أخرى. ومن هذا القبيل اشتهار "عمرو" ملك الحيرة ب "عمرو بن هند". واشتهار "المنذر"، وهو أحد الملوك ب "المنذر بن ماء السماء" على رأي من جعل "ماء السماء" اسم والدة الملك. ولم يكن الجاهليين قواعد ثابتة معينة في تسمية المواليد، ففي بعض الروايات إن الأجداد أو الآباء هم الذين كانوا يقومون بتسمية المولود، وفي روايات أخرى ما يفيد قيام المرأة بهذه المهمة. والذي يتبين من غربلة الروايات إن الرجال هم يسموّن الأولاد، فيضعون لهم الأسماء. إما تسمية البنات فكانت في الغالب من اختصاص النساء. وقد يثبت اسم المولود ويحدد في اليوم السابع من مولده، أي في يوم "العقيقة". وتذكر كتب السير إن "عبد المطلب" هو الذي سمى الرسول محمداً، في يوم سابعه، أخذه فدخل به الكعبة، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، وفي هذا اليوم عقّ له على عادة العرب في ذلك العهد. وتذكر أيضاً إن قريشاً "قالوا لعبد المطلب ما سميت أبنك هذا? قال سميته محمداً". وتختلف التسميات في جزيرة العرب، كما تختلف معانيها، فالأسماء المشهورة عند العرب الجنوبيين والواردة في نصوص المسند لا ترد في قوائم أسماء الجاهليين الذين كانوا يعيشون قبيل الإسلام في نجد والحجاز. وأسماء اكثر ملوك العرب الجنوبيين ولا سيما الذين عاشوا منهم قبل الإسلام هي أسماء مركبة، ولها صلة بالآلة. إما أسماء الملوك الشماليين فأكثرها مفردة مثل المنذر والنعمان والحارث وعمرو وأمثال ذلك. والأسماء الشمالية المركبة لها صلة بالأصنام، ولكن بأصنام العرب الشماليين، مثل عبد مناة، وعبد العزى، وامرئ القيس، وعبد ودّ وأه وما أسماء سواد الناس، فتختلف كذلك في العربية الجنوبية عنا في الشمال، وفي المواضع الأخرى من جزيرة العرب. وقد احدث الإسلام تغييراً كبيراً في الإنهاء، فاجتث منها كلّ ما له صلة بالوثنية وبالأوثان، وجاء بتسميات لم تكن شائعة بين الجاهليين، مثل: محمد وعلي وأمثال ذلك من أسماء لها صلة بالرسول وبالصحابة وبتأريخ الإسلام. ما كان العرب يسمون به أولادهم وقد بحث "الجاحط" في علل التسميات عند العرب وفي أسبابها، فقال: "والعرب إنما كانت تسمىّ بكلب، وحمار، وحجر، وجعل، وحنظلة، وقرد، على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا ولد له ذكر خرج يتعرض لزجر الطير والفأل، فان سمع أنساناً يقول حجرا، أو رأى حجراً، سمىّ ابنه به وتفاءل فيه الشدة والصلابة والبقاء والصبر، وأنه يحطم ما بقي. وكذلك إن سمع أنساناً يقول ذئباً أو رأى ذئباً، تأول فيه الفطنة والخِبِّ والمكر والكسب. وان كان حماراً تأول فيه طول العمر والوقاحة والقّوة والجلَد. وان كان كلباً تأول فيه الحِراسة واليقظة وبُعد الصوت والكسب وغير ذلك". وجاء بآراء آخرين على هذه التسميّات وعلى آرائهم فيه. وتعرض "الجاحظ" إلى أسماء الحيوان التي تَسمَّى بها الناس. فذكر منها: غراب، وُصرد، وفاختة، وحمامة، ويمام، ويمامة، وعقاب، وقطامي، وحجل، و صقر، وصقير، وطاووس، وطويس، وحيقطان، والغرانيق، والغرنوق. المعمرون وقد عمر بعض أهل الجاهلية عمراً طويلاً، فعُدّوا من المعمرَّين في الجاهلية. وروى أهل الأخبار أخبارهم وألف بعضهم كتباً فيهم. فلأبي حاتم السجستاني مؤلف في المعمرين. والعادة عند العرب إن المرءَ إذا شاخ وكبر بالغوا في تقدير عمره، وزادوا في سني حياته. حتى جعلوا المعمر من عاش فوق المئة عام. ولا يعد المعمر معمراً عندهم إلا إذا عاش مائة وعشرين سنة وصاعداً، وهذا، فلا نستغرب ما يرويه أهل الأخبار عن بعضهم من انهم عاشوا فوق المئة بكثير. ومن المعمرين: الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد المذحجي. يزعمون انه عاش مائة وستين سنة. ورووا له وصية في الأخلاق والآداب والمواعظ والحكم. بيَنَّ فيها انه على دين شعيب النبي، وما عليه أحد من العرب غيره، وغير أسد بن خزيمة، وتميم بن مُرة. وأنه لم يصافح غادراً، ولم يتعلق بأخلاق فاجر، ولا صبى بابنة عمّ له ولا كنة. ولا جاءته مومسة. وأوصى أولاده بالتجمع، وبالموت في سبيل العز، وبالحذر من الناس، وبتزوّج الأكفاء وبتجنب الزواج من المرأة الحمقاء، لانتقال المقق منهن، إلى من يلدن. وأوصى بوصل الرحم، وبلزوم إطاعة الوالدين، ونبذ الحقد والضغينة. ومنهم: المستوغر: وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة. ذكروا انه عاش ثلاثمائة وعشرين، وأدرك الإسلام أو كاد يدرك أوله. ونسبوا له شعراً وحِكَماَ. وحشروا في المعمَّرين: "دويد بن زيد" من قضاعة. ذكروا انه عاشر أربعمائة سنة وستاً وخمسين سنة ونسبوا له وصية فيها: "أوصيكم بالناس شراً، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوا لهم عثرة" إلى آخر ذلك من وصية فيها شدة على الناس وحث لأهله على عدم الرحمة بهم، وأَلا يرحموا أحداً، والا يهنوا. وهي تمثل وضعاً خاصاً ورأياً لواضع هذه الوصية ولراويها من أناس زمانه، فيها سوء طن، ووجوب الحذر والاعتماد على النفس: حيث لا ينفع الإنسان في حياته إلا نفسه. ومن المعمرين: زهير بن جناب. عاش مائتي سنة وعشرين سنة. وأوقع مائتي وقعة، وكان سيّداً مطاعاً شريفاً في قومه. فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم، وحازي قومه، وكان فارس قومه وله البيت فيهم. وقد نسبوا له وصية، على عادتهم في نسبت هم الوصايا إلى المعمرين. ذكروا انه أوصى بنيه فيها بوجوب التجمع ومقاومة النوائب وترك التخاذل والاتكال، وبعدم الغرور في هذه ا الدنيا، فإنما الإنسان في هذه الدنيا غَرَضٌ، تعاورُه الرماة فمقصِّر دونه، ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثم لا بد انه مصيبه. ورووا له شعراً وحكماٌ. وُذكر انه كان على عهد "كليب وائل"، ولم يكن في العرب انطق من زهير ولا أوجَه منه عند الملوك، وكان لسداد رأيه يسمى كاهناً، ولم تجمع قضاعة لا علية وعلى رزاح بن ربيعة. واختلف في عمر "ذو الأصبع العدواني" يوم مات. فذكر بعضهم انه عاش مائة وسبعن سنة. واستقل "أبو حاتم السجستاني" هذا المقدار، فجعله ثلاثمائة سنة. وهو من "عدوان". وأحد حكام العرب فيَ الجاهلية. ونسبوا له على عادتهم بالنسبة للمعمرين حكماً وشعراً. ومن المعمرين الذين ذكرهم أهل الأخبار "معد يكرب الحميرني"، من آل ذي رعين، و "الربيع بن ضيع الفزَاري". ذكر انه عاش أكثر من مائتي سنة. وانه لما بلغ مائتين وأربعين سنة قال شعراً في ذلك. وقد عاش في الإسلام أيضاً وأدرك ألام معاوية. وجعلوا عمر "أبو الطحان القبني" مائتي سنة ونسبوا له حكماً وشعراً. وأبى "الكلبيُّ" إن يجعل عمر "عبد المسيح بن بقيلة الغساني"، وهو عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حياّن بن بقيلة، أقل من ثلاثمائة وخمسين سنة. وجاراه في ذلك "أبو مخنف" وآخرون. وذكروا انه عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام فلم يسلم، ومات نصرانياً. وذكروا إن "خالد بن الوليد" لما نزل على الحيرة، وتحصن منه أهلها أرسلوا إليه "عبد المسيح بن بقيلة" ليكلمه فسأله خالد أسئلة عديدة. منها: أعرب أنتم أم نبط? قال عبد المسيح: عرب استنبطنا ونبيط استعربنا. ثم سأله: كم أتى لك? قال: ستون وثلاثمائة سنة. ثم عاد إلى قومه فنصحهم بمصالحة خالد. ورووا له شعراً في دخول المسلمين الحيرة، وكيف صار أمر "آل المنذر"، وقد تحسر فيه على الأيام الماضية، التي ولت حتى آل الأمر بهم إن يؤدوا الخراج. إلى "معدّ" التي اقتسمتهم علانية كأقسام الجزور، يؤدون لهم الخراج، بعد خراج كسرى وخراج من قريظة والنضير. ثم خلص إلى إن الدهر هو كذلك لا يدوم على حال. فيوم من مساءة ويوم من سرور. وذكر إن بعض سادات أهل الحيرة خرج إلى ظاهرها يختط داراً، فلما احتفر موضع الأساس، وأمعن في الاحتفار أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجل على سرير من رخام، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة. حلبت السهر أشطره حياتي ونلت من المنى بُلَغَ المزيد. وكافحت الأمور وكافحتنـي فلم أحفل بمعضـلة كـئود وكدت أنال في الشرف الثريا ولكن لا سبيل إلى الخلـود وأدخلوا "النابغة الجعدي"، وأسمه "قيس بن عبد الله بن عدس" في المعمَرّين. ولكنه لم ينل من أهل الأخبار عمراً يستحق الذكر. إذْ منحوه أقصر ما يمكن من العمر بالنسبة للمعمرين. وهو عشرون ومائة سنة. وتفضل "أبو حاتم السجستاني" عليه فمنحه مائتي سنة. وأبو حاتم من. الكرماء جداً بالنسبة لمنح الأعمار إلى المعمرين. وقد أدرك الإسلام فأسلم. ومدح الإسلام بشعر. ويذكر انه جاء الرسول وأنشده من شعره. وذكر "الجاحظ" نقلاً عن المتقدمين عليه، انهم "ذكروا انهم وجدوا أطول أعمار الناس في ثلاثة مواضع: أولها سرو حمير، ثم فرغانة، ثم اليمامة، وان في الأعراب لأعماراً أطول، على إن لهم في ذلك كذِباً كثيراً". أصحاب العاهات والعمى من العاهات المعروفة بين الجاهليين. منهم من ولد أعمى، أو أصيب بالعمى في طفولته، ومنهم من أصابه وهو على كبر. وذكروا إن من أشراف العميان "زهرة بن كلاب" و "عبد المطلب بن هاشم" و "العباس بن عبد المطلب"، وغيرهم. و "العَوَرُ" من العاهات التي كان الجاهليون يعيبون من أصيب به. وكانوا يرمون العوران باللؤم والخبث. وقد أصيب به بعضهم في الحروب. "كأبو سفيان" فقد أصيب يومَ الطائف بالعوَر، وأصيب غيره في معارك أخرى. وأصيب بعض الناس بالبرص. وقد ذكر "السكري" أسماء جماعة من "البرص الأشراف"، ومن هؤلاء: "جذيمة الأبرش"، الملقب ب "الوضّاح"، وذكر إن "الوضح" كناية عن "البرص"، وكانت قريش تخاف البرص خشية العدوى. فأخرجت "أبا عزة عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب" عنها، مخافة العدوى، فكان يكون بالليل في شُعَف الجبال، وبالنهار يستظل في الشجر، وُسقيَ بطنه، فأخذ مدية فوجأ بها في معدته. فسال ذلك الماء، فبرأ يرصه، ورجع إلى مكة. ومن العاهات "الفقم"، وهو تقدم الثنايا العليا، فلا تقع على السفلى، إذا ضم الرجل فاه. ثم كثر حتى صار كل معوج أفقم و "العرج"، ومن أشهر "العرجان الأشراف" "الحارث بن أبي شمر الغساني"، و "عبد الله ابن جُدعان"، و "الحوفزان بن شريك الشيباني"، و "النابغة الذبياني"، وغيرهم. ومن المعييات في الإنسان، ألا يكون للرحل شعر في وجهه. ويقال لمن عرى وجهه من الشعر "الكوسج". وذكر انه الذي عرى وجهه من الشعر إلا طاقات في أسفل حنكه، كالأثط والثط. والثط هو القليل شعر اللحية والحاجبين. ويقال: رجل ثَطٌّ ، وامرأة ثطة الحاجبين. ومن الثُّط "الحارث بن أبي شمر الغساني"، و "المنذر بن النعمان بن ماء السماء اللخمي"، و "عبد الله ابن جدعان" و "قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري". حياة الشبان ومن الشبان من كان يقضي وقته بالشراب، وبمصاحبه القيان، وهم أولاد اليسار والمجّان. وكان منهم من يأوي إلى منزل أحدهم فيعكفون على اللهو وافي شرُّب، لا يعبأون ولا يكترثون ومنهم شباب مكة قبل الإسلام. وكان منهم قوم مستهترون لم يبالوا بحرمة ولا بأحد، حتى إن شباباً من شباب مكة سرق من خزانة الكعبة لينفق مما سرقه على شربه وقيانه. وقد عرف هؤلاء ب "الفتيان". وكانوا يقضون أوقاتهم بالشرب وبلبس الملابس النظيفة، وبالسماع إلى القيان كما عرفوا بالسناء على من حولهم وعلى من يجتمع معهم من الفتيان. وكانوا شجعاناً، يخرجون إلى القنص والصيد. وقد أشار أهل الأخبار إلى أسماء بعض هؤلاء الفتنيان. وشباب الجاهلية مثل شباب أهل كل زمان، لا يختلفون عنهم بشيء، في تأنق بعض منهم وفي محاولته إظهار شبابه تجاه البنات. فكان شباب القرى والمدن ولا سيما الوضيئون منهم وأهل الجمال يتسكعون في الأسواق وفي مواضع التجمع، بل وحتى في المعابد ليعبثوا في كلامهم مع البنات وليتحدثوا إليهن، شأن أي شاب في هذه الدنيا بالنسبة إلى الشابات. وقد اضطر آباء وأقرباء بعض هؤلاء الشباب على تقريع أبنائهم لتجاسرهم على بنات الحيّ. حتى منع البعض من الشباب الجميل من التأنق في الملبس حتى لا يلفتوا إليهم أنظار البنات، فيثن فيهم عاطفة الجموح نحو التشبب والحب. وذكر "محمد بن حبيب" أسماء رجال من مكة كانوا يتعممون مخافة النساء على أنفسهم من جمالهم. ويظهر انهم كانوا يرخون العمائم حتى تنزل على الوجه فتخفي معالمه، ولا يبدو عندئذ شيء من معالم جمال ذلك الشخص. ولم يذكر فيما إذا كانوا قد فعلوا ذلك من أنفسهم ضبطاً للنفس من الوقوع في غوى الشيطان، وتحت تأثير سعر العيون، أم انهم أجبروا على ذلك إجباراً، على نحو ما كان يفعله أهل مكة بالنسبة إلى المستهترين من شبابهم، ليكون التعميم أحد الحواجز التي تحول دون سقوط عين المرأة. على الشاب الجميل أو الرجل الجميل. أو انهم فعلوه هم، على انه "موضة" وَذِيٌّ من أزياء الشباب. ومن الرجال الذين ذكر "ابن حبيب" انهم تعمموا مخافة الَنساء ولم يكونوا من أهل مكة، "امرؤ القيس بن حجر الكندي"، و"قيس بن الخطيم" الأوسي، و "ذو الكلاع الحميري"، و "زيد الخيل بن مهلهل الطائي". ولم يذكر السبب لم في إقحام مثل هذه الأسماء في موضوع التعمم بمكة. هل ذكرهم بمعنى انهم كانوا إذا قدموا مكة تعمموا، خشية الوقوع في هوى النساء، فيجلب عليهم صداعاً وصداماً مع أهل أولئك النسوة، أو انه ذكرهم بمعنى انهم كانوا يتعممون مثل أهل مكة حذر الوقوع في الحب، فدرج أسماءهم في هذا الموضع لهذه المناسبة. وقد ذكر "ابن حبيب" إن "الحضر"، وهو أحد من كان يتعمم مخافة الوقوع في حب النساء، لم يكتف بالتعم، بل تبرقع أيضاً. ولعله فعل ذلك بتأثر ديني، أخذ ذلك عن الرهبان والمتزمتين بدينهم من أهل الجاهلية الذين حجبوا أنفسهم عن الناس وآووا إلى الغار أو قمم الجبال للتبصر والتأمل والابتعاد عن الملأ، ولا سيما عن النساء. الفتيان واعرف شباب أبناء الأغنياء والجاه ب "الفتيان". وأحدهم "فتى". ويراد به الشاب. وقد تطلق على السخيّ الكرم، وهو من "الفتوة". وكثيراً ما نقرأ في كتب أهل الأخبار جملا" تشير إلى "الفتوة" في الجاهلية، مثل "وهو من فتيان قريش أيضاً". يريدون بذلك جماعة من أبناء الأسر عاشت عيشة شباب وعبث، تلهو وتشرب، وتنفق وتعطي، وتغيث، وتتسابق، وتقتل وقتها في اللذة والاستمتاع وفي الأنفاق على الجسد، على نحو ما يفعله أبناء الطبقة المترفة في كل وقت. وقد كانت لها نجدة وشهامة، إذا استُنجد بأحدها هبّ لنجدة المستنجد ودافع عنه. الأحامرة والحياة عند بعض الناس: خمر ولحم وخُلوق. فهي متع الحياة عندهم. قال الأعشى: إن الأحامرة الثلاثة أهلكت مالي وكنت بها قديماً مولعاً الخمر واللحم السمين وأطلَّي بالزعفران فلن أزال مبقعا والحياة عند البعض خمرٌ ونساء. واتهمت المرأة بحبها الحليّ والطيب. ورد: "أهلك النساء الأحمران. يعنون الذهب والزعفران، أي أهلكهن حب الحليّ والطيب". وورد "الأحمران: اللحم والخمر". ويقال للذهب والزعفران: الأصفران، وللماء واللبن الأبيضان، والتمر والماء الأسودان. وفي الحديث: أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض. والأحمر الذهب والأبيض الفضة. والذهب كنوز الروم، لأنها الغالب على نقودهم. وقيل أراد العرب والعجم. وقيل: الأحامرة: اللحم والخمر والخلوق. وورد الأحمران: الخمور والبرود. الخمور وفي مجتمعٍ الحياة فيه على وتيرة واحدة، والفراغ فيه أكثر من العمل، ومرافق اللهو والتسلية فيه قليلة أو معدومة، والفقر فيه أكثر من الغنى، وتشغيل الفكر. فيه محدود ضيق-في مجتمع كهذا المجتمع لا بد وان يقبل الناس فيه على قتل فراغهم بالبحث عن شيء ينسيهم فراغهم وفقرهم وشدة حاجتهم، ويلهيهم عن قساوة الطبيعة عليهم، ويبعث فيهم الأمل والطرب والنشوة، والشعور بأنهم سادة ملكوا الدنيا، وان كل واحد منهم هو "رب الخورنق والسدير"، فكان إقبالهم على الخمر شديداً، حتى أفرطوا في شربه وآذى بعضهم نفسه من شدة لا إقباله عليه، فصار آفة من الآفات، حتى ضحى شاربه بمركزه وماله في سبيله، فكان ذلك من عوامل تحريمه في الإسلام. وقد كان الخمر من متع الحياة الثلاث بالنسبة للشباب. والمتع الثلاث: الخمر والقمار والنساء. فإذا أضيفت الشجاعة إليها صار الفتى من خيرة الفتيان، لذلك كان الشباب يفتخرون إذا جمعوا بين هذه المتع ويتباهون على غيرهم بها. وربما ارتكبوا المعاصي والمخالفات في سيبل الحصول على المال للأنفاق على متعهم هذه وعلى ملذاتهم وملاهيهم في هذه الحيان. ومن أسماء الخمر: العقار، سُميت لمعاقرتها أي لملازمتها السنّ. والمعاقرة الإدمان ومعاقرة الخمر إدمان شربها. وقيل سميت عقاراً لأن أصحابها يعاقرونها أي يلازمونها أو لعقرها شاربها عن المشي، وقيل هي التي لا تلبث إن تُسكر. والسكران نقيض الصاحي. والسكر حالة تعترض بين المرءِ وعقله. وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب المسكر. و "السكّير" الكثير السكر. و "المدمن" هو الملازم للشراب وغيره، لم يقلع عنه، فهو يلازمه ولا يقلع عن شربه أو شرب الخمر. وقد أدمن كثير من أهل الجاهلية على شرب الخمر، وهلك قسم منهم بسببها. وقد حذر من ذلك الإسلام فورد: "مدمن الخمر كعابد الوثن"، و "لا يدخل الجنة مدن خمر" وعرف علماء اللغة "الخمر" بما أسكر من عصير العنب ومن عصير كل شيء يُسكر. ولما نزل الأمر بتحريم الخمر، كان شرابهم بالمدينة يومئذ الفضيخ، البُسْر والتمر في الغالب. غير إن الجاهلين كانوا يصنعون الخمر من أي شيء يقع في أيديهم مما يمكن تخميره للحصول على مادة مسكرة منه مثل الحبوب الأعشاب وغير ذلك، بل كان منهم من يخمر اللبن، ولا سيما للبان الإبل، الانتشاء بها. و "النشوة" السكر. وكان أهل المدينة يسقون ضيوفهم شراباً من الفضيخ. فإذا جاءهم ضيف سقوه منه. كانوا يضعونه في قِلال وجِرار وهو خليط من بسر وتمر، ومن تمر وزهو. والزهو هو البسر اَلملون الذي ظهرت فيه الحمرة والصفرة، كما كانوا يصنعونها من خلط الزبيب والتمر أيضاً. وكانوا يجلسون مجلسهم، ويسقيهم أحد أبناء صاحب الدار أو خادم من خدمه، من قلال أو كؤوس يدرر بها عليهم قليلاً قليلاً. واستخرج أهل اليمن من الشعر شراباً عرف عندهم باسم "المزر". وذكر إن "المزر" نبيذ الذرة والشعير والحنطة والحبوب، وقيل: نبيذ الذرة خاصة. وذكر أبو عبيد إن ابن عمر فسّر الأنبذة، فقال: البِتع نبيذ العسل، والجعة نبيذ الشعير، والمزر من الذرة، والسكر من التمر، والخمر من العنب. وورد إن أهل اليمن كانوا يتخذون شراباً مسكراً من القمح يستعينون به على برد بلادهم ويتقوّون به على عملهم. وقد منعوا عن ذلك في الإسلام حين. نزل الأمر بتحريم الخمور. ومن الخمور نوع اشتهر في العراق باسم "الخمور الصريفية" نُسبت إلى قرية "صريفون" عند "عكبراء" في العراق، وإياها عنى الأعشى بقوله: وتجبى إليه السيلحون ودونـهـا صريفون في أنهارها والخَوَرْنَقُ ووصف الأعشى في شعر آخر الخمر الصريفية فقال: تعاطي الضجيع إذا أقبلت بُعَيْدَ الرقاد وعند الوَسنْ صريفيةّ طيبٌ طعمهـا لها زبد بين كـوُب ودن وذكر بعض العلماء إنها إنما عرفت بصريفية.، لأنها.أخذت من الدن ساعتئذ كاللبن الصريف. وكانوا يضعون خمرهم في زِقّ يحملونه معهم، فأينما يكون الإنسان يكون خمره معه. وقد كانوا يكثرون من استعًماله كما يظهر ذلك من روايات أهل الأخبار مع فقر شاربها وعدم وجود طعام عنده. أما في المدن والقرى والحواضر، فهناك خمارات، جمعت إلى الخمر وسائل المتع الأخرى، يقصدها أهل المكان والغرباء الاستمتاع بها، والترفيه عن خاطرهم. وقد هيأت بعض الخمارات المغنين فيها وجلبوا إلى حاناتهم أنواع الخمور. وكانت الخمارات منتشرة في كل مكان، ولا سيما على الطرق. حيث ينزل بها المسافرون الاستراحة واستعادة النشاط بعد تعب ونصب. وكان بمكة وبسائر القرى خمارات كذلك. أصحابها نصارى ويهود في الغالب. ومعظمهم من غير العرب، وفدوا من الخارج للتكسب والعيش فامتهنوا مهنة بيع الخمر وإسقائها للناس. وقد عرفت "الخمارة" بالحانوت. يذكر علماء اللغة إن "الحانوت دكان الخمير". وقد أشير إلى بالحانوت في الشعر الجاهلي. وكانت العرب تسمي بيوت الخمارين الحوانيت. وأهل العراق يسمونها المواخير. وورد إن الخليفة "عمر" أحرق بيت "رويشد الثقفي"، وكان حانوتاً يعاقر فيه الخمر ويباع. وعرفت "الخمارة" بالدكة أيضاً. وقد يجتمع فتيان من مواضع شتى للشرب، فيقال لهم "الأندرون". يتنادرون فيما بينهم بما شذّ وخرج من الجمهور. وذكر إن قول عمرو بن كلثوم: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ولا تبقي خمور الأندرينا هو في هذا المعنى. وقد تاجر اليهود بالخمر، وفتحوا لهم الخمارات في الأماكن التي أقاموا بهام من جزيرة العرب، فقصدها الناس للشرب. ومن جملتهم الشاعر الأعشى الذي كان كلفاً بشرب الخمر حريصاً على تعاطيها، قيل انه عزم على الدخول في الإسلام وأراد الذهاب إلى الرسول لينشده ويعلن أمامه دخوله في الإسلام، ونظم شعراً في مدحه، فأدرك "أبو سفيان" ما في شعر،"الأعشى". في مدح الرسول والإسلام من أثر في تصرفه وفي إضعاف قريش، فلقيه وحادثه وكلّمه وجاءه من ناحية نقطة الضعف التي كانت فيه. وهي حبّه للخمرة. فهيَّج أشجانه فيها، وأظهر له كيف. إن الإسلام حرّمها على المسلمين، وجعل في شربها الحدّ، فهو سيُحرم من متعته الوحيدة التي بقيت له في حياته إن دخل في الإسلام. وأثار فيه الحنين إليها، ورغَّبه في الذهاب. إلى قومه والمكوث هناك سنة يشربها، ثم في يرى رأيه بعد ذلك، فإما إن يستمر على شربها، وإما إن يعافها ويدخل في الإسلام، على إن يأخذ مقابل ذلك مائة من الإبل. فأثر كلام "أبو سفيان" فيه، وأخذ الإبل وذهب بها إلى قومه وأقام ب "منفوحة" حتى مات بها قبل الحول. وذكر "بلينيوس" إن العرب كانوا يصنعون الخمر من النخيل، وذلك كما يفعل سكان الهند. ويقصد بذلك التمور بالطبع. وقد ذكر ذلك من باب التنويه بالأمور الغريبة. فليس استخراج الخمر من التمور مألوفاً عند اليونان والرومان ولهذا السبب أشار إليه، ليقف عليه قومه. غير إن العرب كانوا يستخرجون النبيذ من الكروم أيضاً، وذلك في الأماكن التي توفرت فيها الكروم، مثل الطائف واليمن. وقد أشار "سترابون" إلى صنع الخمر من التمر. أما خمور العرب فمن البتِع، وهو نبيذ العسل، وهو خمر أهل اليمن. ومن التمر ومن البر والشعير والزبيب. ولأهل اليمن شراب من الشعير، يقال له المزر، أشرت قبل قليل إليه. وشرب الجاهليون أشربة استخرجوها من الذرة ومن مواد أخرى. فقد.صنع أهل اليمن "المزر" من الذرة أيضاً. فلما أسلم قوم منهم سألوا الرسول عنه. فقال لهم: أله نشوة? فلما قالوا له: نعم، قال: فلا تشربوه. وانتبذوا في "النقير": أصل النخلة ينقر فينبذ فيه، فيشتدّ نبيذه. وُذكر إن أهل اليمامة كانوا ينقرون. أصل النخلة ثم يشدخون فيها الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت، وانتبذوا. في "الختم": الجرار الخضر، وفي "الدبّاء"، اليقطين، وفي "المزفت" أي ما طلي بالزفت. ومن الخمور "المقدى". يتخذ من العسل على بعض الروايات. يقال انه من قرية تسمى "المقدة" بالأردن، وقيل هي في طرف حوران قرب أذرعات. وللخمر أسماء عديدة، ذكرها علماء اللغة. منها ما هي معربة. عربت عن اليونانية، أو الفارسية، أو السريانية، لأنها استوردت من بلاد الشام، أو العراق. ومن الخمور خمر يقال له: "الاسفنط". وهو المطيَّب من عصير العنب. وقيل هي خمر فيها أفاويه، أو أعلى الخمر وصفوتها. وذكر إن اللفظة "رومية". قال الأعشى: وكان الخمر العتيق مـن الا سفنط ممزوجة بمـاء زلال باكرتها الأغراب في سنة النو م فتجرى خلال شوك السيال واستعمل الجاهليون أواني الشرب المصنوعة من الزجاج والبلور ومن الذهب والفضة، واستعملوا أواني أخرى تتناسب مع منزلة الشارب ومكانته. وقد كان ملوك الحيرة وملوك الغساسنة يشربون بالآنية الغالية، وبعضها منقوش. وكذلك تفنن أغنياء مكة في الشرب، فاستعمل عبد الله بن جُدعان الأواني المصنوعة من الذهب في شربه، حتى ضرب به المثل، فقيل: "أقرى من حاسي الذهب"، وعرف ب "حاسي الذهب". وشرب غيره من أصحاب الثراء بأواني غالية استوردوها من الخارج، على حين كان أكثر سكان مكة فقراء لا يملكون شيئا. ولهذا ورد في الحديث النهي عن الشرب بآنية الذهب والفضة. وقد ذكر إن النابغة الذبياني، وهو من شعراء الجاهلية الكبار، كان لا يأكل ويشرب إلا في آنية الذهب والفضة، من عطايا النعمان وأبيه وجدّه، ولا يستعمل غير ذلك. وحرم قوم من الجاهلين الخمر على أنفسهم، وأكثرهم ممن يسموّن الأحناف، ومنهم من كان يشربها ويقبل عليها، ولكنه وجد نفسه وقد قام بأعمال لم يرتضيها، جعلته يشعر بالخجل منها، فتركها وحرمها على نفسه. ويذكر أهل الأخبار إن أول من حرمها على نفسه وامتنع منها في الجاهلية، هو "الوليد بن المغيرة". وهو رجل ينسب إليه أهل الأخبار جملة أمور، منها انه أول من خلع نعليه لدخول الكعبة في الجاهلية، فخلع الناس نعالهم في الإسلام " وأول من قضى بالقسامة في الجاهلية فأقرها الإسلام، وأول من قطع في السرقة في الجاهلية، فأقرّها الإسلام. ويذكرون إن الجاهليين كانوا يقولون: " لاوَثَوْبَيْ الوليد، الخلق منهما والجديد". وممن ترك الخمر في الجاهلية "عبد الله بن جدعان"، وسبب تركه لها انه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي، فلطم وجه "أمية" بعد إن ثمل، فأصبحت عينه مخضرة فخاف عليها الذهاب، فسأله عبد الله: ما بال عينك? فقال: أنت أصبتها البارحة. قال: وبلغ مني الشراب ما ابلغ معه من جليسي هذا المبلغ، فأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: الخمر عليّ حرام، لا أذوقها أبداً. وذكر أيضاً انه سكر فجعل يساور القمر. فلما اصبح أخبر بذلك، فحرمها. إلى غير ذلك من قصص. وممن حرمها في الجاهلية، قيس بن عاصم المنقري، وعامر بن الظرب العدواني، وصفوان بن أمية بن محرث الكناني، وعفيف بن معد يكرب الكندي، والاسلوم ابن اليامي من هَمْدان، ومقيس بن عدي السهمي، والعباس بن مرداس السلمي، وسعيد بن ربيعة بن عبد شمس، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وأبوه أمية بن المغيرة، والحارث بن عبيد المخزومى، وزيد بن عمر. بن نفيل، وعامر ابن جذيم الجمحي، وأبو ذر الغفاري، ويزيد بن جعونة الليثي، وأبو واقد الحارث بن عوف الكناني، وعمرو بن عَبسة، وقسّ بن ساعدة الإيادي، وعبيد ابن الابرص، وزهير بن أبي سُلمى المزني، والنابغتان الذبياني والجعدي، وحنظلة الراهب بن أبي عامر، وقبيصة بن اياس الطائي، واياس بن قبيصة بن أبي غفر، وحاتم الطائي، و "سويد بن عدي بن عمرو بن سلسلة الطائي". وذكر إن ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية: "بشير الثقفي". وكان نذر في الجاهلية إلا يأكل الجزور ولا يشرب الخمر. وروي إن "عفيف بن معد يكرب الكندي"، عم الأشعث بن قيس، كان قد طلق الخمر وحرّمها على نفسه وحَرَّمَ معها القمار والزنى، والثلاثة من أهم وسائل التلهي والتمتع بالحياة عند الجاهليين. وكان قيس بن عاصم يأتيه في الجاهلية تاجر خمر فيبتاع منه ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفد ما عنده. فشرب قيس ذات يوم فسكر سكراً قبيحاً، فجذب ابنته وتناول ثوبها، ورأى القمر فتكلم بشيء ثم نهب ماله ومال الخمار. فلما صحا أخبرته ابنته بما صنع وما قال فآلى لا يذوق الخمر. وبعض هؤلاء هم من الحنفاء، وبعضهم من السادة الأشراف الذين لم يتذوقوها، أو انهم تعاطوها ثم رأوا ضرَرَها فتركوها وحرموها على أنفسهم. ويظهر إن بعضهم قد حرمها على نفسه وعلى آله أيضاً، فذكر مثلاً إن الوليد بن المغيرة ضرب فيها ابنه هشاماً على شربها، ولعلّ منهم من كان يستعمل، الحدّ، وهو الجزاء الذي قرره الإسلام على شاربي الخمر. وقد أشار أهل الأخبار إلى وقوع حوادث لأكثر من ذكرتهم دفعت بهم إلى تحريم الخمر على أنفسهم، كالذي ذكرته من أمر عبد الله بن جدعان، وكالذي أشار إليه أهل الأخبار من تحرش بعضهم بمحارمهم تحرشاً لا يفعله إنسان سويّ، أو تخليطهم أثناء سكرهم وقيامهم بأعمال مضحكة صيّرتهم سخرية الحاضرين، فلما صحوا وسمعوا بما فعلوا ندموا على ما بدا منهم، وقرروا اجتنابها وتحريمها على أنفسهم منذ ذلك اليوم. وكان الجاهليون يشتدون على النساء في شرب الخمر حتى لم يُحفظ إن امرأة سكرت. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#127 |
|
عضو فضي
|
المخدرات
لم اعثر على نص جاهلي جاء فيهَ ذكر لاستعمال أهل الجاهلية المخدرات، ولم اعثر في أخبار أهل الأخبار على خبر يفيد تعاطي الجاهليين لها. ولكن هذا لا يعني. نفي معرفة عرب الجاهلية بالمخدرات، ويظهر إن إفراطهم في تناول الخمور ووجود الخمور الرخيصة لديهم، وتحضيرهم لها بطرق بدائية رخيصة، ونخدرهم بها، كانت من الأمور التي صرفتهم عن استعمال المخدرات الأخرى التي ربما زاد ثمنها على ثمن الخمر. الانتحار بشرب الخمر وقد قتل بعض الجاهلين أنفسهم بشرب الخمر. صرفاً، ذكر "السكَّري" منهم "عمرو بن كلثوم الثعلبي". وكانت الملوك تبعث إليه بحياته وهو في منزله من غير إن يفد إليها. فلما ساد ابنه الأسود بن عمرو، بعث إليه بعض الملوك بحبائه كما بعث إلى أبيه، فغضت "عمرو" وقال: "ساواني بولدي"، وحلف لا يذوق دسماً حتى يموت، وجعل يشرب الخمر على غير صرفاً على غير طعام، فلم يزل يشرب حتى مات. وأهلك "البرحُ بن مسهر الطائي،" نفسه بشرب الخمر الصرف كذلك، في قصة ذكرها "السكري". و "زهير بن جناب بن هبل"، هو ممن أتلف نفسه بشرب. الخمر أيضاً، لما خالفه ابن أخيه عبد الله بن عليم بن جناب، فانزعج من ذلك وغضب، وأمات نفسه بشرب الخمر. ذكر انه قال في ابن أخيه: "عدوّ الرجل ابن اخيه، غير انه لا يَدَعُ قاتل عمه". وذكر إن "ابا براء بن مالك بنِ جعفر"، قتل نفسه بشرب الخمر أيضاً، انتحر لمخالفة قومه أمره. فدعا قَيْنَتَيْنِ له، فشرب، وغنتاه، ثم دعا بالشاعر "لبيد"، وطلب منه إن يقول ما يقول فيه من المراثي، فلما أثقله الشراب، اتكأ على سيفه حتى مات. الاغتيال الغيلة: هي الخديعة وإيصال الشر أو القتل إلى إنسان من حيث لا يعلم ولا يشعر. وقد كان معروفاً بين الجاهليين، شجع على ظهوره وانتشاره بينهم، عُرْف الأخذ بالثأر، والتنافس الذي كان بينهم على الرئاسة والوجاهة، وقواعد مجتمع ذلك الوقت التي كانت تقيم وزناً كبيراً الكلمة، والمدح والهجاء، ولتقديم شخص على شخص في الجلوس في الجلوس من المجالس، فكانت هذه الأمور وأمثالها تدفع من يتعرض لها على الانتقام ممن أهانه والتربص به وتتبع آثاره حتى يتمكن من قتله أو اغتياله. وقد اتبع المغتالون أساليب شتى في الاغتيال. منها الطعن بالرمح أو بالخنجر أو بالسكن، ومنها الذبح، والخنق، ومنها اللجوء إلى الحيلة بدس السم في الشراب أو الطعام، إلى غير ذلك من أسباب الغيلة. والغيلة غير الفتك. ذُكر إن الفتك إن يقتل الرجل الرجلَ مجاهرة. وهو إن يأتي الرجل صاحبه وهو غارٌّ غافل حتى يشد عليه فيقتله، وان لم يكن أعطاه أماناً قبل ذلك، ولكن ينبغي له إن يعلمه ذلك. قال المخبل السعدي: وإذْ فتك النعمان بالناس مـحـرمـا فمن ليَ من عوف بن كعبٍ سلاسله وكان النعمان بعث إلى "بني عوف بن كعب" جيشاً في الشهر الحرام، وهم آمنون غارون فقتل فيهم وسبا. ولمحمد بن حبيب السكري، كتاب ذكر فيه أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام، وأسماء من قُتل من الشعراء. بدأ فيه ب "جذيمة الأبرش" الذي غدرت به "الزباء" ملكة "تدمر"، فأجلسته على نطع، وسقته الخمر، ثم أمرت بقطع رواهشه، حتى مات. ثم ثنى ب "حسان بن تبع"، فزعم إن أخاه قتله غيلة وهو نائم على فراشه، طمعاً في ملكه، ثم تكلم في "عمليق" ملك طسم، وكانت منازلهم "عذرة" في موضع اليمامة. وذكر في جملة من ذكرهم اسم "عمرو بن مسعود" و "خالد بن نضلة" من بني "أسد". وكانت أسد وغطفان حلفاء لا يدينون ويغرون عليهم، فوفدا سنة من السنين رمعهما "سبرة بن عمير الفقعسي" الشاعر، على "المنذر" الأكبر اللخمي، فكلّمهما في أمر دخولهما في طاعته والذب عنه كما ذبت "تميم" و "ربيعة"، فعلم انهم لا يدينون له. فقرر الكيد بهما، فأومأ إلى الساقي فسقاهما سماً، فماتا، ثم ندم على ما فعل، فأمر فحُفر لهما قبران ودفنا فيهما، وبنى عليهما منارتين، وهما "الغريان" وعقر على كل قبر خمسين فرساً وخمسين بعيراً، وغرّاهما بدمائهما، وجعل يومَ نادمهما يوم نعيم، ويوم دفنهما يوم بؤس. وقد كان خنق الأشخاص في جملة وسائل الاغتيال والتخلص من الأعداء، وقدُ ذكر إن الملك "النعمان بن المنذر"، أمر بخنق "عدي بن زيد العبادي"، فمات منه. ويكون الخنق بالضغط الشديد على الرقبة باليد، وباستعمال الحبل أو قطع القماش. ويقال الحبل الذي يخنق به "الخناق". وذكر إن "الحكم بن الطفيل"، لما انهزم في نفر من أصحابه يوم "الرقم" "حتى انتهوا إلى ماء يقال له المرورات، فقطع العطش أعناقهم فماتوا، وخنق ابن الطفيل نفسه مخافة المثلة، فقال في ذلك عروة بن الورد: عجبت لهم اذ يخنقون نفوسهـم ومَقتلهم تحت الوغى كان أعذرا الصيد والصيد في جزيرة العرب رغبة وحاجة. رغبة الملوك والرؤساء والأثرياء للأنس والترويح عن النفس، وحاجة عند السواد وهم ققراء في الغالب لا يملكون شيئاً، فلحم الصيد نعمة كبرى لهم وغذاء طيب لا يصل إليهم دائماً. إما اصطياد الرؤساء والأثرياء فبالاستعانة بالصقور في الغالب، حتى إذا قبل كُنّا نتصقر، انصرف الذهن في الحال إلى الصيد، لاستعمال الطيور في الصيد، حيث تُدرَّب تدريباً خاصاً وتعلم تعليماً متقناً، فإذا رأت الحيوان انقضت عليه، فلا تتركه يستطيع الحركة والهرب إلى إن يصل الصياد إلى الفريسة المسكينة. ويدعى قيِّم الصقور ومعلمها "الصقّار". وتستعل كلاب الصيد كذلك، وهي كلاب سريعة مدربهّ تدريباً خاصاً، فإذا رأت الصقر فوق الفريسة عَدَت خلفها لتساعد الصقر في القبض على الحيوان فلا يهرب ويولي. ومنها ما تفتش عن مواضع اختفاء الحيوانات، فإذا شعرت بوجود حيوان في كهف أو مغارة تدخل إليها أو تقوم بحركات تضطره إلى الخروج فيصطاده الصياد. وقد تستعمل الخيل كذلك. وهي لم تكن كثيرة في الجاهلية، ولا يملكها إلا المتمكنون. وقد ذكر الصيد في آيات من القرآن الكريم، مما يدل على أهميته ومكانته في حياة العرب يومئذ. ويقال للصيّاد القانص كذلك. وأما استثارة الصيد وأخراجه، فيعبرَ عن ذلك بلفظة "النُّجش"، والمنجاش والنجاش هو المثير للصيد. ويقال: هَبِض الكلب إذا حرص على الصيد وقلق نحوه، ويقال أيضاً: غَرَّبت الكلاب، إذا أمعنت في طلب الصيد. وكانت العرب تعيش في الغالب بلحوم الصيد، وكانت خيلهم تسهل عليهم نيل صيدهم، وتعينهم على الوصول إلى غايتهم. فكانت عندهم من اعز الأموال وايمن الأشياء يُعتنى بها اعتناء الرجل بنفسه، ولولاها حُرم من لذة أكل اللحوم. وكانت إذا إغارتها على صيد، خضبوا تحر السابق بدم ما يمسكونه من الصيد، علامة على كونه السبّاق الذي لا يدرك في الغارات. ولأهل الجاهلية عناية خاصة ب "الصقور". يربّونا تربية خاصة. وذكر علماء اللغة إن كل شيء يصيد من البزاة والشواهين، صقر. وقد أشير إلى صيد "الصقور" في الحديث. وقد استعانوا بالكلاب السريعة الجري في الصيد كذلك. وقد عُنوا بتربية أنواع ذكية سريعة الجري منها لمطاردة الفريسة، إذا أدركتها نهشتها أو قبضت عليها، فيأتي الصياد، فيأخذها منها. ويتحايل الصيادون في الاصطياد، فيحفرون حفيرة تلجَف من جوانبها، أي يجعل لها نواحي، وتعرف عندهم بالقُرموص، وذلك للتمويه على الحيوان. وقد يتخذ الصياد أو أي شخص آخر موضعاً فوق أطراف الشجر والنخل خوفاً من الأسد، فيقال لذلك "العرزال". وأما " الزُّبية" فحفرة تحتِفر الأسد، وكذلك "الزونة"، و "القُتْرة" حفرة يحتفرها الصائد يكمن فيها حتى لا يشعر به الصيد. وقد يدخِّن الصائد في قترته لكيلا تجد الوحش ريحه، ويقال لذلك "المُدمر". و " الروق" موضع الصائد، و " الدُجية" قترة الصائد. وهناك ألفاظ أخرى من هذا القبيل يراد بها الحفرَ التي يستتر بها الصيادون في الصيد. ويستخدم الصيادون جملة أدوات في الاصطياد، منها آلة تسمى "الجَرّة "، وهي خشبة نحو الذراع يجعل في رأسها كَفة وفي وسطها حبل، فإذا نشب فيها. الظبي ناوصها واضطرب، فإذا غلبته استقر فيها. و "الحِبالة" الحبل الذي يصاد به. و "الأحبول" حبالة الصائد. وأما " الشرك" فحبائلَ الصائد والواحدة " شركة" و " المصلاة" شرك ينصب الصيد، و "الكَصيصة" حبالة الظبي التي يصاد بها. وهناك آلة تشبه المنجل تشدّ بحبالة الصائد ليختطف به الظبي يقال لها "الخاطوف". وأما "الرداعة" فمثل البيت تجعل فيه لَحْمة يصيد الصياد به الضبع والذئب. ويتخذ الصيادون بيتاً يبنونه من حجارة، ثم يجعلون على بابه حجراً يقال له السهم. والمِلْسن. يكون على الباب، ويجعلون لحمة السبع في مؤخر البيت فإذا دخل السبع لتناوَل اللحمة، سقط الحجر على الباب فسدّها، وبذلك يحيس، فلا يستطيع الخروج. ويقال لذلك البيت "الرواحة". وأما "الجَريئة"، فإنها بمعنى "الرداعة". ولعرقبة الحمير الوحشية تستعل آلة خاصة تشبه الهلال يقال لها "هلال الصيد". وتستعمل الشباك في الصيد كذلك. تستعمل قي صيد البحر والبر. ويغدف الصياد بالشبكة على الصيد ليأخذه. وأما القصبة التي تصاد بها العصافير، فيقال لها الغاية. والغاية الراية كذلك. وأما "الرأمق" و الرامج " فبمعنى الملواح الذي يصاد به البُزاة والصقور، وهو أن يؤتى ببومة فيُشدّ في رجلها شيء أسود، ويخاط عيناها. ويشدّ في ساقيها خيط طويل، فإذا وقع عليها البازي صاده الصياد من قترته. ويقال إنها لفظة عجمية. وقد تُعْشى الطيور بالليل بالمنار ليصيدوها، ويعبرون عن ذلك بجملة: قمر القومُ الطيرَ. و "المِفقاس" عودان يشدّ طرفاهما بخيط، كالذي في وسط الفخ، ثم يُلوْى أحدهما، ثم يجعل بينهما شيء يشدهما، ثم يوضع فوقهما الشركة، فإذا أصابها شيء، وثبت، ثم أغلقت الشركة في الصيد. والعطوف والعاظوف مصيدة فيها خشبة منعطفة الرأس، والمِقْلة والقُلة عود يجعل في وسطه حبل، ثم يدفن، ويجعل للحبل كفة فيها عيدانَ، فإذا وطئ الظبي عليها.عضت على أطراف اكارعه. وأما الدّواحيل فخشبات على رؤوسها خرق، كأنها طرّادات قصار، تركز في الأرض لصيد حمر الوحش. وأما البُجّة، فإنها "الرداحة". وأما "اللُبجة"، فإنها حديدة ذات شُعب كأنها كفٌّ بأصابعه تنَفرِج، فيوضع في وسطها لحم ثم يُشدّ إلى وتد، فإذا قبض عليها الذئب، التبجت في خطمه، فقبضت عليه، وصرعته. و "النّامِرة" مصيدة تربط فيها شاة للذئب. وقد يستتر. الصياد بحيوان أو غيره ليخفي نفسه عن الصيد، وبقال لذلك "الدريئة"، وبهذا المعنى "الذريعة" و "الرقيبة" و "السيفة"، وإذا استتر الإنسان بالبعير من الصيد فيقال لذلك "المسوق". وفي جزيرة العرب حيوانات وحشية، وقد قلّ فيها الأسد الآن. أما في الجاهلية، فقد كان معروفاً في مواضع عديدة عُرفت عندهم بالمآسد، جمع مأسدة، وقد كانوا يصطادونه بطريقة إسقاطه في حفر تغطى، فإذا سار عليها الأسد سقط فيها، وبطرق أخرى. وهناك الفهود والنسور والضباع والذئاب، وتكثر القردة في المناطق الجبلية وفي النجود، وهي لا تزال موجودة في نجود الحجاز واليمن والعربية الجنوبية. ويقال لمأوى الأسد في خيسه: "العريس" "والعريسة". ويصعب صيده وهو في مكمنه، وضرب اَلمثل بذالك فقيل: "كمبتغي الصيد=فيِ عرّيسة الأسد" وقال طرفة: كليوث وسط عريسِ الأجم ومن الحيوانات الوحشية المعروفة في جزيرة العرب الحمار الوحشي. ويظهر إن بعض الناس كانوا يأكلونه، بدليل ما ورد في كتب الفقه من النهي عن أكل لحوم الحمر الوحشية. ويذكر علماء اللغة إن الحميريين كانوا يطلقون على الحمار لفظة "العُكسوم" و " الكسعوم". ويكثر الظبي في جزيرة العرب، ويطمع فيه الصيادون. وقد كان الجاهليون يلجأون إلى جحوره فيسدّون أبوابها ويحفرون من موضع آخر الوصول إليه، كما كانوا يضربون بحجر على الحجر ليفزع الظبي، فإذا فزع تهيأ القتال، وتهيأ الصياد القبض عليه، ويتحايل عليه فيقبض عليه من ذيله.وهو ما زال كثيراً في مواضع عديدة من جزيرة العرب، وقد استعملت السيارة في الزمن الحاضر في صيده وذلك في باب التجديد في الصيد. والنعام من الحيوانات المعروفة في جزيرة العرب. وقد ذكر علماء اللغة ألفاظاً كثيرة قالوا إن العرب أطلقوها على النعام، على ذكر النعامة وعلى أنثاها وعلى صغار النعام. ومنها "الجعول" ويراد بها ولد النعام، وهي يمانية. وكذلك لأصوات النعام وجماعاتها. وورود هذه الألفاط دليل على كثرة النعام في جزيرة العرب ووقوف العرب عليها. وأما أهل السواحل، فقد اضطرتهم طبيعة بلادهم على الاصطياد في البحر، على اصطياد سمكه، للاعتياش عليه ولبيع الفائض منه. أو لتجفيف الزائد منه لأكله وقت الحاجة أو لتقديمه علفاً لحيواناتهم. وقد اشتهر سكان الخليج في الجاهلية أيضاً بالغوص لاستخراج اللؤلؤ من الصدف الكامن على قاع البحر. وقد كان يؤتيهم ذلك أرباحاً طائلة. إما أهل باطن جزيرة العرب والأماكن البعيدة عن السواحل فقد قل علمهم بالسمك، لعدم وجود أنواع منه في البوادي. وعدم إمكان إيصاله طرياً إليهم. فقلّت أسماء أنواعه في لهجاتهم. بينما نبد له أسماءً عديدة في لغات أهل السواحل لوجود أنواع عديدة منه في البحار كانوا يصطادونها. فتكون القسم الغالب، من اللحم عندهم. وذكر علماء اللغة إن "السمك" الحوت من خلق الماء. وذكر إن الحوت ما عظم من السمك. ومن أنواع سمك البحر: "القرش". وهو من الأسماك العظام. ومن وسائل صيد السمك "العروك"، خشب يلقى في البحر، يركبون عليه، ويلقون شباكهم، يصيدون السمك. و "العركيّ" صياد السمك. ولهذا قيل الملاحين عرك، لأنهم يصيدون السمك. "وفي الحديث في كتابه إلى قوم من اليهود: إن عليكم ربع ما أخرجت نخلكم ؛ وربع ما صادت عروككم، وربع المغزل". والعروك هم الذين يصيدون السمك. ومن عادة ملوك الحيرة والغساسنة انهم كانوا يتبدون في المواسم الطيبة من السنة، بعد هطول الأمطار واكتساء البادية بُسطَ الربيع، وتعييد الطيور والماشية بالمناسبة السعيدة. كانوا يخرجون إلى البوادي للاستمتاع بالمناظر الجميلة والصيد والقنص، ومن الأماكن التي كان ملوك الحرة يقصدونها منزل "ماوية"، وهو منزل بين مكة والبصرة. ذكر إن الملك "النعمان" كان إذا أراد الاستئناس برؤية حال الربيع والماء، خرج إلى "النجف" والى البادية، فتنصب له ولأصحابه القباب ويمضي أياماً هناك يتصيد ويستمتع بمنظر الشقائق ذوات الألوان الأخاذة الجاذبة القلوب، حتى زعم إن "شقائق النعمان" إنما سميت بذلك نسبة إليه. جاء إلى موضع وقد اعتم نبته من أصفر وأحمر وإذا فيه، من هذه الشقائق ما راقه ولم يرَ مثله، فقال: ما أحسن هذه الشقائق! إحموها! وكان أول من حماها، فسميت شقائق النعمان بذلك. ويظهر من حديث جرى بين يدي "النعمان" إن من العرب من كان يذمّ الصيّاد، ويفضل صاحب الإبل عليه. فقد روي إن "معاوية بن شكل" ذم "حجل بن نضلة" بين يدي النعمان، إذْ قال فيه: "انه مقبل النعلين، منتفخ الساقين، قعو الأَلْيَتَيْن مشّاء بأقراء، قتال ظباء، بياع إماء". فقال له النعمان: "أردت إن تذيمه، فمدحته"، وصفه بأنه صاحب صيد لا صاحب إبل. ولعله قصد بذلك انه كان صياداً محترفاً، اتخذ الصيدَ حرفة له. فقد كان بين الصيادين قوم اتخذوا الصيد لهم حرفة. فإذا اصطادوا باعوا صيدهم، ولم يستفد منه، فهو مثل الجزّار، الذي يبيع اللحم ولا يطعم أهله منه، ولذلك نظروا إليه نظرة استصغار. سباق الخيل والتسابق على ظهور الخيل رياضة الأثرياء والفرسان القديمة. وهي لا تزال معروفة، وان كانت قد أخذت تلفظ أنفاسها بسبب أقيال الأثرياء على ركوب السيارات الفخمة التي لفتت أنظارهم وجرتهم إليها، فلم يبق من يمارس تلك الرياضة القديمة إلا أولئك الذين لم تصل السيارات إليهم بكثرة، لوعورة الطرق وامعانهم في البوادي وابتعادهم عن المواطن التي أخذت تغزوها منتجات العرب. ويذكر أهل الأخبار إن أول من ركب الخيل "إسماعيل"، ولذلك سميت ب "العراب"، وكانت قبل ذلك وحشية كسائر الوحوش. خرج إلى موضع "أجياد"، فنادى بالخيل، فلم يبق علي وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا أجابته فأمكنته من نواصيها وتذللت له. ولذلك قال النبي: "اركبوا الخيل فانها ميراث أبيكم إسماعيل". وراهن أهل الجاهلية على الخيل، فكانوا يخرجون إلى السباق ويقال: مجتمع الناس الرهان، ثم يتراهنون هنالك على الخيل المتجمعة و "السابق" من الخيل، وهو الأول، هو الذي يأخذ الجائزة الأولى، ويتلوه "المصليِّ" وهو الفائز الثاني. و "الحلبة" الدفعة من الخيل في الرهان خاصة، وقيل: خيل تتجمع للسباق من كل أوب. ومجمع الخيل. ويقال للخيل الذي يمدّ في صدر الخيل عند الإرسال الحلب. والمنصبة الخيل حين تنصب الإرسال. ويقال السابق من الخيل: الأول، والمصليّ الثاني الذي يتلوه. وما سوى ذينك يقال له الثالث والرابع وكذلك إلى التاسع ثم السُّكَيْت. فما جاء بعد ذلك لا يعتد به. والغسكل الذي يجيء آخر الخيل. وذكر: إن: أسماء خيل الحلبة عشرة لأنهم كانوا يرسلونها عشرة عشرة، وسمي كل واحد منها باسم. فالأول منها السابق. وهو المُجليّ. لأنه. كان يجلي عن صاحبه، والثاني المُصلي لأنه يضع جحفلته على صلا السابق، والثالث المسلي، والرابع والخامس المرتاح، والسادس العاطف، والسابع والمؤمل، والثامن الحظيّ، والتاسع اللَّطيم، والعاشر السُّكيْت، والغسكل الذي يجيء آخر الخيل في الحلبة. ويقال للحبل الذي بجعل في صدور الخيل يوم الرهان المقبض والمقوس. وقيل في أسماء خيل الحلبة إن أولها المجلِّي ثم المصلي ثم المسلي ثم العاطف ثم المرتاح ثم الحظيّ ثم المؤمل. هذه السبعة لها حظوظ، ثم التي لا حظوظ لها. اللطيم، ثم الوغد، ثم السكيت. وكانوا يضعون عند نهاية الحد الذي يقررونه السباق قصبة فمن يصل إليها قبل غيره من المتسابقين، يعد السابق لقصبة السبق، ويكون قد أحرز القصب لأن الغاية التي يسبق إليها تُذرعَ بالقصب. وتركز تلك القصبة عند منتهى الغاية، فمن سبق إليها حازها واستحق الخطر. و "الخطر" الذي يوضع بين أهل السباق، وقيل الذي يوضع في النضال والرهان في الخيل ع فمن سبق أخذه. والسابق إذا تناول القصبة، علم انه قد أحرز الخطر. وكانوا يقلدون السابق من الخيل؛ ولا يقلَّد من الخيل إلا سابق كريم. ويقولون للسابق من الخبل: المقلَّد. وقد سابق الرسول بين الخيل التي قد ضُمِّرت من موضع "الحفياء" إلى "ثنية الوداع" والمسافة بين الموضعين خمسة أميال أو ستة، وقيل ستة أميال أو سبعة. وسابق بين الخبل التي لم تضمر من "الثنية" إلى مسجد "زريق،" والمسافة ميل أو نحوه. وسابق بين الخيل على حال أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حال والمصلي حلتين، والثالث حلة، والرابع ديناراً، والخامس درهماً، والسادس قصبة. وقد ساهمت خيله في السباق. وراهن رسول الله على الخيل، وذكر إن أول مسابقة كانت في الإسلام سنة ست من الهجرة. سابق رسول الله بين الخيل، فسبق فرس لأبي بكر فأخذ السبق. والمسابقة مما كان في الجاهلية، فأقرها الإسلام. وفي الحديث: أحاديث عن الرسول في السبق، منها: لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر، فالخف للإبل، والحافر للخيل، والنصال للرمي وبقية الأحاديث في كتب الحديث والفقه. ولم يقتصر السباق عند الجاهليين على السباق بين الخيل، بل سابقوا بين الإبل، وجعلوا للسابق خطراً، كما سابقوا بين الكلاب والحمير والحيوانات الأخرى. ومن سباق أهل الجاهلية والإسلام، السبق بالنصل، أي المراماة بالسهم. وذلك بأن يوضع خطر، ويذكر عدد الرمي والهدف، فمن أصاب الهدف أكثر من غيره نال السبق. وقد عرف نفر من الجاهليين بإصابتهم الهدف، وبقوة رميهم، وجعلوا لقوة الرمي وشدته أو لرخاوته وللمكان من إصابته الهدف درجات هي: الخاضل، والخازق، والخاسق، والحابي، والمارق، والخارم، والمزدلف. والخاضل الذي يقرع الشن ولا يخدشه، والخازق الذي يخدشه ولا يثقبه، والخاسق الذي يثقبه ويثبت فيه، والحابي إن يدني الرامي يده من الأرض فيرميه فيمر على وجه الأرض فيصيب الهدف، والمارق الذي يمرق الشن أي يثقبه وينفذ فيه، والخارم الذي يخرم طرف الشن أي يقطعه، والمزدلف الذي يسقط بقرب الغرض ثم يشتن فيصيب الهدف. ومن السباق: المناضلة، وهي المباراة في الرمي: والنضيل هو الذي يرامي ويسابق. والمناضلة المفاخرة والتسابق بالأشعار. وتكون المباراة في الرمي بثلاثة أنواع: مبادرة، ومحاطة، ومناضلة. فالمبادرة إن يشترطا إصابة عشرة من عشرين، فيبتدر أحدهما إلى العشرة فينضل صاحبه، والمحاطة إن يقولا نرمي عشرين رشقاً على إن من فضل صاحبه بخمس إصابات فقد نضله، فإذا اشترطا ذلك، ورمى كل واحد منهما عشرين رشقاً وأصابا إصابات نظر إن استويا في الإصابة لم يحصل النضل، وان تفاوتا في الإصابة حط الأقل أو الأكثر، فإن بقي لصاحب الأكبر الخمس المشروطة فقد نضل صاحبه، وان بقي له أقل من الخمس المشروطة لم يحصل النضل. والمناضلة إن يشترطا عشرة من عشرين على إن يستوفيا جميعاً، فيرميان معاً جميع ذلك، فإن أصاب كل واحد منهما عشرة أو فوقها أو دونها لم يحصل النضل، وان أصاب واحد منهما دون العشرة والأخر عشرة فما فوقها، فقد نضل صاحبه. وللعرب عناية خاصة بالخيل، وما زالوا يعتنون بها إلى اليوم، حتى لقد حفظوا أنسابها حفظهم لأنساب الناس، وألفوا الكتب فيها. ونجد في كتب الأدب واللغة أسماء خيل اشتهرت في الجاهلية. وذكر "ابن النديم" في كتابه "الفهرست" أسماء كتب ألفت في الخيل، ذهب أكثرها، وبقي بعض منها. ونجد في "تاج العروس" أسماء خيل اشتهر أمرها في الجاهلية ذكرت في مواضع متناثرة من أجزاء الكتاب. وذكر معها أسماء أصحابها، كما أشار إلى مؤلفات رجع إليها في هذا الموضوع مثل كتاب الخيل لابن الكلبي، وقد طبع، وكتاب الخيل لأبي عبيدة وقد طبع كذلك، ومؤلفات أخرى لم تطبع حتى الآن. ولائم العرب الوليمة كل طعام يصنع لعرس وغيره ويدعى إليه. وأما الدعوة: فهي أعم من الوليمة،. وأما المأدبة، فكل طعام صنع لدعوة أو عرس. والآدب الداعي إلى الطعام. وولائم العرب ست عشرة وليمة. هي: وليمة العرس، وهي ما يصنع للدخول بالزوجية، و "الملاك" "الأملاك" وهي ما يصنع الخطبة، و "الخُرس" وهي طعام يصنع للنفساء لسلامة المرأة من الطلق، وقيل: هي طعام الولادة. و "العقيقة" وهي ما يصنع للطفل بعد ولادته وتختص باليوم السابع، و "الأعذار" وهي،ما يصنع لختان، و "الشندخ" وهي أيضا طعام الأملاك، و "الوكيرة" وهي ما يصنع للبناء يعني السكن المجدد، و "التحفة" وهي ما يصنع للزائر، و "الشندخ" وهي طعام الأملاك كما ذكرت، وما يصنع عند وجود الضالة، و "النقيعة" وهي ما يصنع للقدوم من السفر، وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم والتي تصنع له تسمى "التحفة"، و "القرى" وهي ما يصنع للضيف، و "الوضيمة" وهي ما يصنع للميت، أي لأهل المصيبة. ويقال للدعوة التي تعم دعوتها "الجَفلَى"، وأما "النقرى" فهي التي تخص دعوتها. قال طرفة: نحن في المشتاةِ ندعو الجَفَلى لا ترى الآدِبَ فينا ينتـقـر يفتخر بقومه وانهم إذا صنعوا مأدبة دعوا إليها عموماً لا خصوصاً، وخصّ أيام الشتاء لأنها أيام الشدّة والضيق. ويقال الطعام المستعجل، وهو الذي يقم للراكب: "العُجل" و "العجيل"، وهو من السويق والتمر في الغالب. وإذا أكرم رجل رجلاً آخر بتقديم "اللبن" إليه، قيل لذلك الكرم "القمي". ويقال لما يرفع للإنسان من المرق "العفارة". وهنالك أسماء تجدها في كتب اللغة لأنواع المأكول والأطعمة |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#128 |
|
عضو فضي
|
الفصل الخمسون
البيوت ومساكن العرب متباينة مختلفة. منها: البيوت المتنقلة، ومنها.المباني المبنية بالمدر أو الحجر، وهي أبنية أهل الحضر. وهي مختلفة أيضاً في طرازها المعماري وفي سعتها ومادتها ويكون اختلافها باختلاف مكانها وباختلاف مكانة صاحبها، ومنزلته من حيث الغنى والفقر. والبيت لفظة تطلق على الصغير من البيوت وعلى الكبير منها. وقد جعل "ابن الكلبي" بيوت العرب ستة: قبة من أدم، ومظلة من شعر، وخباء من صوف، وبجاد من وبر، وخيمة من شجر، وقنة من حجر، وسوط من شعر، وهو أصغرها. وذكر بعض علماء اللغة أن الخباء بيت صغير من صوف أو شعر، فإذا كان اكبر من الخباء فهو بيت، ثم مظلة إذا كبرت عن البيت. وهي تسمى ببيتاً أيضاً إذا كان ضخماً مزوّقاً. وذكر بعض آخر ان الخباء بيت يعمل من وبر أو صوف أو شعر. ويكون على عمودين أو ثلاثة. والبيت يكون على ستة أعمدة إلى تسعهَ. وذكر ان الخباء هوالبيت كيفما كان. وذكر علماء اللغة ان البناء المبني، ويراد به أيضاً البيت الذي يسكنه الأعراب فى الصحراء. ومنه الطراف والخياء والبناء والقبة والمضرب. والطراف بيت من أدم ليس له كفاء، وهو من بيوت الأعراب ذكر في شعر طرفة بن العبد: رأيت بني غبراء لا ينكروننـي ولا أهل هذاك الطراف الممدد وقد اشتهر "بنو قيدار" بخيمهم المصنوعة من شعر الماعز. وقد أشير اليها في التوراة. وهم رعاة في الغالب يعيشون على الرعي، ولذا اتخذوا ييوتهم من شعر الماعز، فصارت ذات لون أسود. وقد اشتهروا ببراعتهم في الرمي بالقوس. وأصحاب الخيام المصنوعة من شعر الماعز أو من الصوف،هم من الأعراب أصحاب الماشية، الذين يعيشون في مواضع تكثر فيها الأمطار وتكون غير بعيدة عن المدن والقرى ومواضع الماء، ولذلك يعيشون في الغالب على الرعي. وفي سعة الخيمة دلالة على منزلة صاحبها ومكانته وثراثه. ولذلك يفتخر العزيز منهم بسعة بيته، أي خيمته. وقد تقطع الخيمة بقاطع، يقسمها إلى قسمين: قسم للحريم،أي للنساء والسكن،لا يدخله غريب. وقسم يكون للرجل وللضيوف، يجلسون ويأكلون فيه. ويكون نادياً ومضيفاً يخصص للقادمين ولضيوف صاحب ذلك البيت. ولسيد القبيلة خيمة كبيرة تكون "مضرب القبيلة"، ومقر السيد الرئيس ونادي القوم. يسمر فيها "رب القبيلة"، ويأوي اليها الضيوف. واليها يلتجيء المحتاج ومن به حاجة إلى الاقراء أو أية حاجة أخرى. ويفتخر سيد القبيلة بمضربه هذا، ويتباهى به على أقرانه، وتفتخر قبيلته به أيضاٌ، لأنه يرفع رأسها بين القبائل. وورد المضرب: الفسطاط العظيم، وهو فسطاط الملك. وتضرب للسادات الأشراف والأغنياء قبب خاصة تكون من الأدم. فكان لرؤساء القبائل أصحاب العز قباب من أدم، كما كان من عادة ملوك الحيرة ضرب قباب من الأدم لأصحاب الجاه وسادات القبائل الكبار الذين يفدون عليهم. وتعتبر هذه القباب من امارات التعظيم والتفخيم والامتياز والجاه عند الملوك. ولذلك يعامل من تضرب له القبة معاملة خاصة. وتعرف قبة الأدم ب "قبة المبناة" أيضاً. وذكر بعض علماء اللغة أن القبةّ هي البناء من الأدم خاصة. وذكر بعض آخر أن القبّة من الخباء بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب. وذكر "الطبري" في كلامه عن غزوة الخندق، أن الرسول أدار المعركة "وهو ضارب عليه قبةّ ترُْكيِة". ولم يشر إلى -شكل هذه القبةّ ولا إلى سبب تسميتها بذلك. وقد اشتهرت "القباب الحمر" المصنوعة من أدم، ياًوي اليها أصحاب الجاه واليسار والمشهورون. وقد ذكر أن النابغة الذبياني كان يضرب له بسوق عكاظ قبة حمراء من أدم، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان ممن أنشده "حسان بن ثابت". وقد انتقده النابغة بأدب ولطف. وقيل إن بيت الأدم، قبة الملك، يجتمع فيها كل ضرب، ياًكلون الطعام. ويذكر أهل الأخبار ان العرب تضرب الأخبية لأنفسها، والمضارب لملوكها، والمضارب انما ترتبط بالأوتاد. وذكر ان الخباء هو ما كان من وبر أو صوف ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. وقيل: الخباء من شعر أو صوف، وهو دون المظلة. وهو من بيوت الأعراب. وذكر ان "المظلة" الكبير من الأخبية ذات رواق، وربما كانت شقة وشقتين وثلاثاً، وربما كان لها كفاء وهو مؤخرها. قال بعض علماء اللغة انها تكون من الشعر، وقال بعض آخر لا تكون إلا من الثياب. . و "المضرب" الفسطاط العظيم، وهو فسطاط الملك. وقد استعمل للملوك خاصة، ولأصحاب الجاه والعز والمكانة. ولهذا كانوا إذا مدحوا إنساناً وأرادوا 1لإشادة بمكانته وبمنصبه قالوا: "إنه لكرم المضرب شريف المنصب"، وإذا أرادوا ذم إنسان، قالوا: "ما يعرف له مضرب عسلة"، و "لا منبض عسلة"، أي من النسب والمال، يقال ذلك إذا لم يكن له نسب معروف ولا يعرف اعراقه في نسبه. ولما كانت المضارب من بيوت الملوك، وأهل الجاه وهم خيار "الناس ونخبتهم، صارت المضارب كناية عن الجاه والشرف والمال. و "السرادق"، كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء.وقيل: كل بيت من "كُرْسُفْ" فهو سرادق. وترد اللفظة في الفارسية بمعنى حائط أو حاجز من نسج غليظ حول خيمة. وذكر أن "الفسطاط" ضرب من بيوت الشعر. والظاهر أنه البيت الكبير. وورد "الفسطاط العظيم"، وهو "فسطاط الملك". وذكر أن الفسطاط هو مجتمع الناس. وذكر أن الفسطاط ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق وبه سميت المدينة: مدينة الفسطاط. ويظهر أن الكلمة من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وهي في هذه اللغة بمعنى "خيمة". و "الطراف" خباء من أدم يتخذه الأغنياء. و "الطوارف" من الخباء ما رفعت من جوانبه ونواحيه للنظر الى خارج. قال عروة بن الورد: رأيت برني غبراء لا ينكرونني ولا أهل هذاك الطراف الممدد يعني ان الفقراء يعرفونني بإعطائي، والأغنياء يعرفونني بفضلي وجلالة قدري. وتكوّن بيوت الأعراب المتناثرة، وهي خيامها، منازل القبيلة ومضاربها. وتحيط خيامها بخيم الرئيس. فتكون من ذلك مستوطنة بدوية. ومنها يتألف مجتمع البوادي. ويرتبط حجم هذه المستوطنات، بسعة ماء المكان وبعدد بيوت القبيلة النازلة به، فإن كان الماء قليلا، قلّ عدد خيامها، وإن كان غزيراً، كثر عددها. واتسعت رقعة المضارب اتساعاً يتناسب مع كفاءة ذلك الماء وما على الأرض من رزق تعيش إبلهم عليه. بيوت أهل المدر أما أهل القرى والمدن، اْي أهل المدر، وهم المستقرون وشبه المستقرين، فإنهم يقيمون في بيوت ثابتة أو شبه ثابتة. وهي تتفاوت بالطبع بتفاوت. منازل ودرجات أصحابها. فربّ بيت يكون من خيمة أو من أغصان شجر وعيدان وجربد، ويقال له "العنة". وقد قيل إن العنة الخيمة تتخذ من أغصان الشجر. وقيل البيت يعمل من الخشب.وربّ بيت يكون من طين، ويسقف بجريد أو باًغصان أو بحصير يطين أيضاً. ويختلف حجم مثل هذا البيت باختلاف حجم العائلة. وقد يبنى البيت باللبن وهو الغالب، وتكون حالة. أصحابها أحسن من حالة أصحاب بيوت الطين. وكنتيجة لتيسر مواد البناء في العربية الجنوبية، ظهرت مدن لا نجد لها مثيلاًفي أنحاء أخرى من جزيرة العرب. مدن كبيرة بيوتها ثابتة وبعضها ذو جملة طوابق، تحاط بأسوار عالية وأبراج وحصون يأوي فيها المدافعون.. وقد تمكن المنقبون من التنقيب في بعض خرائبها ومن وضع مخططات لبعض:شعابها أو مخططات عامة مبدئية للمدينة كلها وللسور الذي كان قي يحتضنها. والقرية في نظر علماء العربية لفظة يمانية الأصل. يقولون إنها المصر الجامع، وكل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قراراً. وتقع على المدن وغيرها. ولكن الأغلب أنها أصغر حجماَ من المدن. وأنها تكون غير مسورة. فإذا أحاط بها "سور" صارت مدبنة. وذلك على نحو ما نفهم من نصوص الجاهليين ومن المتعارف عليه بن الساميين من أن القرية أصغر حجماَ من المدينة. وأن المدن هي القرى الكبيرة المسورة. وقد فهم علماء العربية هذا المعنى بالنسبة للمدينة أيضاً. إذ قالوا مدينة: الحصن يبنى في اصطمة الأرض. وتقابل "مدنتو" Medinto في لغة بني إرم. وتقابل لفظة "هكر" "هجر" "هجرن" "هكرن" في لغة أهل اليمن. وهي لا تزال مستعملة في العربية الجنوبية لهذا اليوم. وذكر علماء اللغة أن "هجر" هي القرية بلغة حمير. وورد أن العرب تسمي "القرى" مصانع، واحدتها مصنعة، يقال هو من أهل المصانع، أي القرى. و "المصانع" أيضاً المباني من القصور والحصون. ويطلق العرب على الرجل من أهل القرى مصطلح: "أخضر النوّاجذ"، يريدون أنه ممن يأكل الكرات والبصل والبقول والخضر. ولا يتناول الأعراب هذه الخضر. وفي العربية لفظة "الحير" بمعنى شبه الحظيرة والحمى، و "الحيرة" بمعنى المعسكر والمقام، و "الحائر" وهي من مواطن الحضر، أي - من المستوطنات. قد كانت مستعملة بن الجاهليين. ومثلها "الحاضرة" و "الحضرة" و "الحضر"، وهي المدن والقرى والريف. وهي من مساكن الحضر وأهل القرار. وتسمى المدن بأسماء. أما القرى والمستوطنات الصغيرة، فقد تسمى بأسماء، وقد تنسب إلى أصحابها المالكين لها أو إلى العشائر أو الأفخاذ أو الأسر النازلة بها. ولا تزال هذه العادة متبعة في مواضع من جزيرة العرب. أما بيوت كبار الناس وأغنيائهم، فتستعمل فيها الحجارة والخشب وغير ذلك من مواد تجعل البناء يدوم أمداًَ ويعيش مدة طويلة، وبفضل ذلك بقيتّ اثار بعض منها حتى الان. ولا يزال الناس في مواضع من جزيرة العرب، ولا سيما الأماكن المعزولة القصية، يتخذون بيوتاً تشبه بيوت العرب قبل الإسلام، وخاصة بيوت سادات القبائل والرؤساء. وبعض ذلك قصور وحصون ذوات جدر وأسوار مرتفعة وتقوم في طرف من الأرض أبراج لها مزارق ومرابيع للدفاع، وأبراج مربعة. وقد تقع البيوت في عدة طبقات تحمى بمختلف وسائل الدفاع. وتستعمل الزينة من أصباغ محلية ومن حجارة طبيعية ذوات ألوان مختلفة. وأعتقد ان هذه الأبنية يجب أن يعنى بدراستها المهندسون المعماريون والآثاريون، فإن دراستها تحلّ لنا مشكلات كثيرة للفن العربي الجاهلي، وتوصلنا إلى وضع مخططات عن بقايا الأبنية الجاهلية القديمة التي تهدمت غالبيتها،أو اعتدى عليها الإنسان ويا للاسف فاستخدم حجارتها في أبنيته الحديثة، وقضى بذلك على معالمها في الغالب، وتجاوز على حجارتها المكتوبة فحطّمها وأبادها، وبذلك ألحق بتأريخ العرب قبل الإسلام ضرراً بليغاً. وأعظم شئ في المدن هو هياكلها، أي معابدها المسماة بأسماء الالهة التي بنيت لها، وقصور الملوك وسادات القوم وأشرافهم. فلهؤلاء مال مكّنهم من بناء قصور ضخمة ذات جملة طوابق، بنوها بحجارة طبيعية اقتلعت من الصخور، وزخرفوا الوجوه البارزة منها،وأفتن فيها الفنانون على وفق أذواقهم وذوق طبيعة بلادهم، ونشروا الرخام الأبيض والملون وشرّحوه ألواناً رقيقة جعلوها في النوافذ بدلاً عن الزجاج. فهذه الأماكن اذن هي التي تتحدث لنا عن العمارة عند الجاهليين. وقد استعين في بناء بعض المدن بحجارة اقتلعت من مواضع بعيدة بعض البعد عنها في بعض الأحيان. فقد ينيت "قرنو" "معين"، بحجارة جلبت من موضع يبعد عشرين كيلومتراً تقريباً من شمال "معين"، من "جبل اللوذ" أو من جنوب "جبل يام". ويرى بعض الباحثين احتمال جلب بعض الصخور اليها من مواضع تبعد ثمانين كيلومتراً من المدينة. وبعض هذه الأحجار ثقيل يبلغ طول الواحدة منها خمسة أمتار. وجاءوا ب "المرمر" إلى "شبوة" من موضع "مداث" و "كلوة" على مسافة خمسين كيلومتراً من المدينة. وقد تبين من الدراسات. العامة الأولية التي قام بها الباحثون لخرائب المدن الجاهلية أن بعضها قد بني على شكل مستطيل، ويحيط به سور مستطيل الشكل أيضاً ذو أبراج، وبعضها بني على شكل إهليلجي أو قريب منه، وبعضها على شكل دائري. وقد أحيطت بأسوار لحمايتها من غزو الغزاة وللدفاع عن نفسها وللثبات بوجه الأعداء. ولها أبواب تغلق ليلاً وتحرس حراسة شديدة حتى لا تفاجأ المدينة بعدوً يأخذ على حين غرة، كما تغلق وتسدّ سداً محكماً أيام الحروب. ويظن أن تخطيط المدن على شكل مستطيل كان هو الشكل الغالب، إذ وجد المنقبون أكثر خرائب المدن قد بني في الأصل على هذا النحو. ف"مأرب" بنيت على شكل مستطيل على رأي بعض من درس آثارها.وكذلك خربة "غربون" في جنوب "المشهد" بوادي ! حجرين" بحضرموت. وذهب بعض من زارها إلى انها كانت مربعة الشكل. وعلى هذا النحو كانت "شبوة" و "حريب" و "يلط" "يليط"، و "قرنو" الني هي معين في الجوف. ومن المدن الني بنيت على شكل إهليلجي تقريباً مدينهّ "حاز" "حيزم ". وهي محاطة بسور يتراوح ارتفاعه من ستة أمتار إلى ثمانية أمتار، تخترقه خمسة أبواب. وبنيت مدينة "بيحان النقب" التي تقع على مسافة عشرة أميال الى الشمال من "بيجان" على شكل إهليلجي كذلك. وقد تبين أن أكثر المدن اليمانية القديمة قد بني في بطون الأودية على مرتفعات طبيعية، أو صناعية،أي من عمل الإنسان. وقد يكون ذلك بسبب خصب الأودية وتوافر الماء فيها بسهولة، بحفر الابار أو من العيون أو بواسطة بناء السدود. غير أن هناك مدنأَ أقيمت على الهضاب والنجاد وعلى سفوح الجبال، وذلك لتتمتع بحماية طبيعية وليكون من الصعب على الأعداء التغلب عليها. ومن المدن القديمة التي أقيمت في بطون الأودية مدينة "قرنو" "القرن" "معين"، فقد بنيت على تل أقامه المعينيون أنفسهم ارتفاعه خمسة عشر متراً عن سطح أرض الوادي، وذلك لحماية المدينة من طغيان ماء السيول في الوادي في موسم الأمطار. وتحمي المدن حصون وقلاع، وقد تقام الأسوار وعلى مسافة من المدينة لتشغل العدو وتمنعه من الدنو منها، لتحمي مزارع المدينة وأموالها، وتكون أبنيتها حصينة ذات جدر سميكة فيها منافذ ترمى منها السهام، وفي أعلاها أبراج يرمي منها الرماة الحجارة والسهام على المهاجمين.كما تبنى في المدن نفسها خلف الأسوار، لحماية داخل المدينة من العدوّ عند تغلبه على الحصون والقلاع الخارجية، وأسوار المدن. وبيوت الملوك والأشراف وسادات المدينة، قلاع وحصون في حدّ ذاتها، فيها كل وسائل المقاومة والدفاع ومخازن لحفظ مواد الإعاشة، وآبار. ويكاد يكون لكل مدينة من المدن حصن يقيها ويحميها،وقد اشتهرت وعرفت به. فاحتمت "ظفار" مثلاً بحصنها "ذو ريدان"، وأقيمت "شبام سخيم" عند حصن "عرّ ذو مرمر"، و "شبام اقيان" عند "الوة" "كوكبان"، و "بيحان" عند "ذي ريدان"، و "برج اتوت" على "ميفع ظبيان"، وأنشئت "غيمان" على تلّ مرتفع يحمي المدينة من المهاجمين. وأقيم "ذو معاهر" ليحمي مدينة "وعلان" ب "ردمان". ويظهر من كتابات المسند ومن الاثار ان بعض مدن اليمن كانت مسورة، محيط بها سور للدفاع عنها. ويقال لمثل هذه المدن "هجرن" في العربيات الجنوبية، أي "المدن". مثل "هجرن قرنو"، بمعنى المدينهٌ "قرنو" وهي عاصمة معين. و "هجرن مرب"، أي المدينة مأرب، و "هجرن نجرن" أي المدينة نجران، المدينة الشهيرة عاصمة مخلاف نجران والتي لا يزال اسمها حياً.، معروفاً في العربية السعودية في هذا اليوم. و تختلف أطوال -أسوار المدن وارتفاعاتها بحسب حجم المدن وبحسب مواقعها. فالمدن الكبيرة تكون أسوارها طويلة يتناسب طولها مع سعتها. والمدن الني تبنى فوق الجبال والهضاب والمحلات الحصينة تكون أسوارها أقل ارتفاعاً من أسوار المدن المبنية في السهول. وقد وجد سور مدينة "قرنو" مستطيلاً، وطوله زهاء أربع مئة متر، وعرضه زهاء خمسين ومئتي متر، وعلى كل زاوية من زوايا هذا المستطيل الأربع برج لمراقبة الأعداء ولرميهم بالحجارة والسهام وبوسائل الدفاع الأخرى التي كانت ميسورة لهم. وقد وجدت اسس سور مدينة "حيزم" "حزم"، وهي "حاز"، مبنية بحجر بركاني، أخذ من لابة قريبة من المكان. على حين بنيت أسس أسوار ألمدن الأخرى وجدرها من أحجار تقع مقالعها على مقربة من المدن المسوّرة، ليكون في الإمكان نقلها بسهولة إلى مواضع البناء. وغالب مدن العربية الجنوبية، لها بابان متقابلان، فإذا كان أحدهما في الجدار الشرفي للمدينة كان الثاني في الجدار الغربي. وقد وجد في بعض المدن أربعة أبواب أو خمسة. ف "شبوة" عاصمة حضرموت كان لها خمسة أبواب، يقع الباب الرئيسي في الجهة الشمالية من المدينة. وتؤدي الأبواب إلى أفنية تكون متجمع الناس، تعلن على جدرانها الأوامر الحكومية ليقف عليها الغاديَ والرائح، ويعلن المعلنون فيها أوامر الحكومة، كما ينادي الدلالون بما عندهم من خبر أو بضاعة. وتكون هذه الساحات أسواقاً كذلك، ومواضع لتنفيذ أحكام القتل أو العقوبات الأخرى ليعتبر بها الناس. وهكذا تجد أن أبواب المدن كانت من أهم الأماكن العامة للمدينة في تلك الأيام. وقد وجد بعض الأبواب، وهي الأبواب الرئيسية، محصناً من الجهتين ببناءين قويين، للدفاع عن الباب، فيهما منافذ ومواضع يرمي منها" المدافعون من يريد اقتحام المدينة. وبين البناءين أو الحصنين باب قوي يغلق في الليل وعند وقوع خطر ما. ويؤدي هذا الباب إلى ساحة تحيط بها غرف ومواضع لإيواء الجنود، ثم تنتهي هذه الساحة بحائط قوي أو سور يخترقه باب آخر يغلق ويفتح ليؤدي إلى المدينة. والغاية من وجود هذا الباب الثاني سدّ الطريق على الأعداء عند اقتحامهم الباب الاول وتغلبهم على الجواسيس ووصولهم إلى الساحة التي يقيم فيها الجنود، فيقابلهم عندئذ باب ثان يسدّ عليهم الطريق ولا يمكنهم من دخول المدينة إلاّ إذا تغلبوا على هذا الباب. وقدُ عني العرب الجنوبيون بزخرفة الاْبواب وبزخرفة الإطار الذي ترتكز عليه، والجدار الذي يضم الإطار، والأعمدة التي تبنى على جانبي الباب أحياناً وللبناءين المحكمين اللذين يبنيان عند طرفي ابواب المدن والقصور والمعابد لحراستها. وتتصل شوارع المدن والقرى بهذه الساحات. والشوارع الرئيسية مبلطة في الغالب، ولا سيما الشوارع المؤدية إلى قصور الملوك ودور الكبار والحكومة والمعابد،وتؤدي إلى ساحات أمام هذه المواضع المهمة. ويكون تبليط الشوارع عندهم بتغطيتها بصخور عريضة مستطيلة أو مربعة نحتت بأطرافها بحيث يوضع طرف حجر فوق طرف الحجر الذي يليه، فيظهران كأنهما حجر واحد، أو بصقل أطراف الحجر صقلا جيداً ووضعه بجانب حجر مصقول آخر ولصقهما لصقاً تاماً، حنى يبدوَ ا كأنهما قطعة واحدة. ويظهر أنهم كانوا يعتنون عناية شديدة تامة بالتبليط. وقد تبين من دراسة بعض قطع شوارع مدينة "غيمان" الياقية من أيام الجاهلية حتى اليوم أن أهل هذه المدينة لم يعتنوا بتبليط شوارعهم عناية أهل المدن الأخرى، كما يتبين من طريقة رصف الحجر ومن وضعه بعضه إلى بعضه ومن دراسة المواد. الني توضع تحت الأحجار وبينها. وللمدن حدود، ما كان بعدها عُدّ تابعاً للمدينة، وما كان خارجها عُدّ منقطع الصلة بتلك المدينة. وقد ذهب "رودوكناكس" إلى أن لفظة "اود" التي ترد في بعض الكتابات تعني "الحد" كما في هذه الجملة "اود هجرن"، أي "حد المدينة". وعندي ان المراد بها "السدود" وكل شيء يقي شيئاً. فإن الأياد في العربية ما أيد به من شئ، واياد كل شيء ما يقوى به من جانبيه، والتراب يجعل حول الحوض وافيء يقوى به أو يمنع ماء المطر. وعلى هذا فإن تفسير "اود" بسداد تحيط بمدينة أوفق في نظري من تفسيرها ب "حد" وحدود. والواقع أن من الصعب علينا في الزمن الحاضر أن نتحدث عن هندسة المدن وتخطيطها وعن طراز أبنيتها وارتفاعها، وعن ساحاتها وأسواقها، لقلة ألتنقيبات الأثرية العلمية واقتصارها على وجه الأرض وفي بقاع قليلة جداً من جزيرة العرب، وانعدامها من أكثر الأنحاء مع وجود آثار كثيرة فيها لا تزال مطمورة تحت الرمال. ولو تهيأت للجزيرة بعثات أثرية على شاكلة البعثات التي تقصد العراق أو بلاد. الشام أو فلسطين. أو مصر أو غيرها من أماكن، لكان علمنا. بأحوال المدن العربية الجاهلية وبأحوال الجاهليين غزيراً جديداً يختلف عن هذا النزر اليسر الذي نتحدث به عن أحوال العرب قبل الإسلام. اما الحجاز، فالظاهر أن الطائف منه، كانت القرية أو المدينة الوحيدة المحاطة بجدار أو حائط، يمكن أن نسميه سوراً. وكان يحيط بالمدينة وبه مواضع يتحصن فيها، وفيها تحصمت ثقيف يوم قاومت الرسول في أثناء حصاره لها. وكانت له أبواب أغلقوها عليهم، وامتنع على المسلمين عندئذ الدخول منها، والاقتراب من الجدار. ولما اختفى المسلمون تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار للطائف، أرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف يالنبل،، وقتلوا رجالاً من المسلمين. وأما مكة، فيظهر من وصف أهل الأخبار لها أنها لم تكن مسورة. وإنما كانت ذات منافذ وطرق تؤدي إلى داخل المدينة وتمر بالشعاب. وعلى كل شعب حماية حدِّ شعبه من الأطراف عند دنو عدوّ من مكة. وأما المدينة، فلم يكن لها سور كذلك. ويمكن أن يقال مثل ذلك عن بقية قرى الحجاز. ولا نجد في وصف أهل الأخبار لقرى أهل الحجاز وبيوتها، ما يفيد بوجود أبنية ضخمة فيها على طراز أبنية اليمن. فلم يتحدث أهل الأخبار- عن وجود قصور فيها تشبه "قصرغمدان" أو "قصر ذو ريدان" أو غير ذلك من القصور. حتى مكة وهي أم القرى لا يشير أهل الأخبار إلى وجود بناء ضخم فيها على طراز أبنية اليمن، ولا وجود بيت كبير فيها على طراز بيوت سراة اليمن. و "دار الندوة"، وهي دار قصي،مؤسس ملك قريش، لم تكن داراً ضخمة ولا كبيرة على ما يظهر من روايات أهل الأخبار ويظهر أن أهل الأخبار لم يحفلوا كثيراً بالنواحي العمرانية من الجاهلية، لذلك صارت معلوماتنا بسيطة جداً عنها من هذه الناحية. فلا نكاد نعرف شيئاً عن بيوت مكة أو غيرها قبل الإسلام. وقد كانت بيوت المتمكنين من الناس وأصحاب اليسر والمال، مشيدة يالحجارة وباللبن. ويذكر علماء اللغة أن كل بيت مربع مسطح، فهو "أجم". ويظهر من شعر ينسب إلى امرىء القيس وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ولا أجماً إلا مشيداً بجنـدل أن آجام "تيماء"، كانت مشيدة بالجندل. والجندل الحجر، وقيل الصخور، وذكر أنها الصخرة كرأس الإنسان. وقد استعين بتشييد السقوف بجذوع النخل. ويقال للاجام: القصور بلغة أهل الحجاز، وعرفت بالآكام كذلك، وهي بمثابة الحصون، يتحصن بها أوقات الخطر. والقصر عند العرب كل بناء من حجر، وذكر أن اللفظة "قرشية". ووردت لفظة "قصر" و "قصور" في القرآن الكريمْ. وقد ذهب المفسرون إلى أن معنى "مشيد" في.الاية: )فكأيّنْ من قرية أهلكناها وهي ظالمة، فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصرٍ مشيد(، المجصص. والجص بالمدينة يسمى: المشيد. فالقصر، البناء الضخم المبني بالجص والحجارة،، وقد يكون منفرداً محصناً، وقد يكون في قرية، مع قصور أخرى، ولكل قصر بئر، يؤخذ منها الماء. وهي ضرورية جداً بالنسبة لبيوت ذلك الوقت. ويظهر من روايات أهل الأخبار عن البيوت أن في بيوت يثرب بيوت تكوّنت من طابقين. طابق أرضي وطابق علوي. وكانوا يسكنون الطابقين. ولعلهم كانوا يودعون ماشيتهم ودوابهم الطابق الأرضي، أو مواضع خاصة بها ملحقة بهذا الطابق. وكانت دار "أبو أيوب الأنصاري" التي نزل بها الرسول ذات طابقين نزل الرسول بطابق، وسكن "أبو أيوب" بالطابق الثاني. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#129 |
|
عضو فضي
|
وكان سادات القرى قد حلّوا مشكلة الدفاع عن أنفسهم وعن مواليهم ببناء أبنية حصينة ذات جدران سميكة قالوا لها الحصون والآطام والواحد هو الأطم. فكان أهل المدينة من الأوس والخزرج يلجأون إلى آطامهم وقت الخطر فيتحصنون بها ويمتنعون، وكذلك كانت ليهود وادي القرى حصون وآطام. بها آبار ومواضع لخزن ذخيرتهم وما عندهم من غال وثمين ودخلوا حصونهم وآطامهم وأغلقوا عليهم الأبواب. وبذلك صارت القرية مجموعة حصون وآطام.
والأطم القصر وكل حصن بني بالحجارة. وقيل هو كل بيت مربع مسطح. وقد ورد أن "بلالاً الحبشي" كان يؤذن على أطم المدينة. وقد اشتهرت بها المدينة. وذكر أن الأطمة الحصن. وأن "الأضبظ بن قربع بن عوف بن كَعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم"، بنى أطماً باليمن، عرف باسمه: "أطم الأضبط". وكان قد أغار على أهل صنعاء. وأشر في شعر "أوس" إلى "آطام نجران". حيث ذكر أن اًحد الملوك بث الجنود في الأرض، فأخذوا بقتل أعدائه ما بين بصرى وآطام نجران. ويظهر من روايات أهل الأخبار أن قرى الحجاز ومدنها كانت شعاباً، أي أحياء. تكوّنت على الطريقة البدوية. وذلك بإقامة كل عشيرة في حيّ معين من أحياء القرية أو المدينة. وتكون بين الحي عصبية مثل عصبية أفراد القبيلة للقبيلة. وينتمي الحي إلى القبيلة أو العشيرة التي يرجع اليها، ويتعصب لها. ويشعر أن بين أفراد الحيّ قرابة ورابطة دم. ويعبر عن سكان الحي ب "آل.....". ويكون وجيه الشعب، هو نقيبه وممثله وسيده. وقد يقال للمنزل أو المحلة "الربع" والجمع "الرباع". وذكر أن "الرباع" المنازل وجماعة الناس. فتتألف كل قرية أو مدينة من رباع. وقد كانت "الحيرة" على هذه الشاكلة أيضاً. فقد كانت مؤلفة من مواضع حصينة بناها سادات المدينة وأشراف الأحياء، عرفت عندهم ب "القصور" والمفرد "قصر". فإذا داهم المدينة خطر دخل أهل الحيّ قصر سيدهم وشريفهم وتحصنوا به. الأبراج وتؤلف الأبراج والحصون ص فحة من صفحات كتاب الفن المعماري والحربي في التأريخ الجاهلي. فقد بنيت لتؤدي واجب الدفاع والحماية والوقوف بجبروت وتعنت في وجه من يريد الكيد بمن يحتمي وراء تلك الحصون. وطبيعي أن تراعي في تصميمها وبنائها الأغراض التي من أجلها شيدت وبنيت والمكان الذي تقام عليه. ويراعى في جدران الحصون أن تكون سميكة وأن تبنى بمواد متماسكة تماسكاً شديداً حنى لا تنهار عند ضرب المهاجمين لها ومحاولتهم تهديمها لايجاد ثغر فيها يهجمون منها، وتنشأ فيها مخازن لخزن الأسلحة، ويُيسَّر فيها الماء ومواد المعيشة التي يحتاج اليها المدافعون، وتحدث منافذ في أعالي الأبراج لرمي المهاجمين منها. ويكون سمك الحائط عند القاعدة أكبر من سمكه في أعلاه. وأما الأبواب المؤدية إلى الحصن، فإن الطريق اليها لا يكون مستقيماً ممتداً، بل بأخذ اتجاهات مختلفة، ويمر بممرات وقاعات،ليكون في امكان المدافعين الاحتماء بها حين يتمكن المهاجمون من اقتحام الباب الخارجي. وتقام الأبراج فوق الأسوار والأبواب لحمايتها من المهاجمين. وتكون هندسة بنائها عندئذ متناسبة مع هندسة بناء السور أو أعلى الباب. وقد تنتهي بما يشبه الأسنان والأفاريز، ليتمكن المدافع من إصابة المهاجمين بما عنده من مواد مؤذية فيمنعهم بذلك من اقتحام السور ومن إلحاق أي أذى به. وذكر علماء العربية أن "البرج" بيت بنى على السور والحصن. وقد يسمى بيتاً. وذكروا أن برج الحصن ركنه. ولم يذكر أولئك العلماء أصل الكلمة. وهو من الألفاظ المعربة عن اليونانية، إذ هو Pirghos فيها. بمعنى "بناء" وبرج فوق بناء يدافع به المدافعون ولصدّ المهاجمين من التقدم نحوه. الطرق وتوجد آثار طرق جاهلية في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية مبلطة تبليطاً حسناً، وأخرى ممهدة تمهيداً فنياً. وقد انشىء بعضها في أرض جبلية وفي أرضين وعرة، وذلك باستعمال آلات بمهارة في قطع الصخور لانشاء هذه الممرات. وأنشىء بعض إخر في الأودية وفي السهول برفق وعناية وقد كسيت ورصفت بالأحجار رصفاً متيناً قويأَ كالذي يظهر من بقايا هذه الطرق التي لا تزال متماسكة شديدة، تقاوم الأيام بالرغم من طول عمرها ومن عدم اهتمام الناس بها. ومن الطرق الجاهلية الني وجدها السياح والباحثون، طريق "مبلقة" "مبلقت" في وادي بيحان. الذي يتراوح طوله من ثلاثة أميال إلى أربعة أميال، ويرجع عهده الى حوالي السنة "325" قبل الميلاد في تقدير بعض الباحثين. وهو يؤدي إلى "حريب". وقد رصف وجهه وكسي بصفاح ضخم عريض. ونحت قسم منه طوله زهاء مئة قدم في الصخر نحتاً إلى عمق ثلاثين قدماً، وذلك اختصاراً للمسافة. وهو عمل يقدر بالنسبة ذلك الزمن. ومن هذه الطرق طريق مدرج عمله الجاهليون في المرتفعات المؤدية إلى "وادي ذنه" على مقربة من مأرب. "مدرج نقيل" "نقيل مدرج". وقد نحت في الصخر وطريق آخر عرضه زهاء أربعة أمتار يقع شمال "معبر"، وطريق اخر يؤدي من هضبة "عقبة" إلى وادى عرمة ثم الى "شبوة". وطريق في جنوب حافة جبل اللوذ، نحت نحتاً في الصخر حتى يؤدي بسالكيه من "خربة السود" إلى "كعاب اللوذ". ونجد طرقاً نحتت في صخور المرتفعات والهضاب والجبال لتؤدي إلى الحصون "العر" والمحافد والقصور والمدن مثل "عر ذو مرمر" و "عراتوت" "حصن أتوت" في أرحب، و "قصر ريدان" "ذو ريدان" "جبل ريدان في بيحان". واشير في النص Glaser 824 إلى طريق جبلي، عمل على جبل "جحاف" في هضبة "الضالع". ومن الطرق الجبلية المسماة "منقل" في المسند، طريق في جبل "عمان" يؤدي إلى "مأرب". وقد ذكر علماء اللغة أن "المنقل الطريق في الجبل". وقد وصفه "هاملتون"، الطريق القديم الذي ربط عدن بالداخل. وهناك طريق معروف مشهور اشتهر باسم "درب الفيل"، ينسب الى "التبع أسعد كامل" في حوالي السنة "400" للميلاد، ومنه بقايا بين "تربة" ومواضع أخرى من أعالي اليمن. وقد وجدت شوارع المدن وطرقها مبلطة مرصوفة رصفاٌ حسناً في بعض الأحيان بحجارة وضع بعضها فوق بعض، وربطت بينها مادة بناء مثل الجبس، ذات قوة وتماسك كقوة "السمنت" وتماسكه حين يجف. وقد رصف بعضر آخر بحجارة مربعة أو مستطيلة قدت من صخر، وضع بعضها إلى جانب بعض وضعاً محكماً بحيث بدت وكأنها حجر واحد،ورصف بعض آخر بحجارة هذبت اوجهها وصقلت وجعلت لها حوشي منخفضة، وحواشي بارزة يكون سمكها سمك القسم المنخفض من الحواشي المنخفضة حتى توضع فوقها فتغطيها، فتكون الأحجار متماسكة بذلك كقطعة واحدة. وقد وجد بعض الطرق مكسواً ب "الاسفلت". وقد ذكر علماء اللغة أن "البلق" الرخام، وحجارة باليمن تضيء ما وراءها كالزجاج. ولم يذكروا أن "مبلقة" بمعنى الطريق الممهد، وقد تبين من فحص البقية الباقية من الطريق القريب من "غيمان"، وعهده أيام ما قبل الإسلام، أن تبليطه ورصفه لم يكونا على جانب كبير من الدقة والعناية. وهو بعرض أربعة أمتار تقريباً، ويؤدي إلى "قصر غيمان". وقد أقيم في موضع منه على سدّ ارتفاعه خمسة أمتار،وقد حفظ من الجانبين بحدارين. ويقال للطرق الضيقة الني يسلكها الإنسان للوصول إلى أعلى البرج أو القلعة "محول" في اللهجة المعينية. وقد تكون مسقوفة، وقد تكون بغير سقف، كما تكون مدرجة أي ذات سلالم،وربما لا تكون كذلك، وقد تؤدي الى ارتفاع، وقد تكون ممراً مستوياً يخترقه الإنسان كالدهليز، واتخذ الجاهليون القناطر، والقنطرة لغة في ألجسر، ويراد بها القنطرة المعقودة المعروفة عند الناس. والعرب تسمي كل أزج قنطرة. وقد ورد ذكرها في شعر لطرفة بن العبد. هي تعقد بالحجارة وتشاد بالجص أو بجياد وهو الكلس. ويعبر عليها الناس ووسائط النقل وقد عثر على آثار قناطر في مواضع متعددة من جزيرة العرب،ولا سيما في اليمن وبقية العرببة الجنوبية حيث تكثر الأودية والسيول. وجاء في شعر لطِرفة بن العبد"، هذا البيت: كقنطرة الرومي اقسم ربها لتكتفنن حتى تشاد بقرمـد وقد ذكر "الزوزني"، أن صاحب القنطرة وهو رومي، حلف ليحاطن بها حتى ترفع أو تجصص يالصاروج أو بالاجر. وأن القرمد: الآجر، وقيل هو الصاروج، والشيد الرفع والطلي بالشيد وهو الجص. ولم يذكر الشارح موضع القنطرة المذكورة التي بناها صاحبها وهو رومي فنسبت اليه. أثاث البيوت وليست لدينا صور واضحة دقيقة عن بيوت أغنياء المدن، وعن محتوياتها وعما فيها من أثاث وأدوات. غير أن بعضاً منها يجب أن يكون واسعأَ كبيراً حوى كل وسائل الراحة المتوفرة بالقياس إلى ذلك العهد. فرجل مثل "عبد الله بن جُدعان" كان ثرياً ثقيل الثراء، يملك انية من الذهب والفضة، ويشرب يكؤوس غالية، ويأكل أكلات غريبة، ويتفنن في مأكله، وقد استحضر لذلك طبّاخين من الخارج من العراق مثلاَ، ليطبخوا له طعاماً غريباً عجمياً، أقول إن رجلاً مثل هذا لا بُدّ أن يكون بيته بيتاً كبيراً يتناسب مع ثراء صاحبه وماله وقد بني بناءً محكماّ، وأحصنت جدرانه وارتفعت حتى يكون في مستطاعه التحصن فيه وقت الخطر والمحافظة على نفسه من السراق والطامعين في ماله في الليل والنهار. ولا بد أن يكون بيت عبدالله بن جُدْعان هذا قد بني من أجنحة متعددة، جناح لسكناه مع نسائه، وجناح لقيانه وخادماته وجناح لخدامه وعبيده، وجناح لاستقبال أصحابه وندمائه وأصحاب الحاجات والأشغال، فقد كان يجلس للاصدقاء يتسامر معهم ويسمع معهم غناء قيانه، وعلى رأسهن "الجرادتان"، وهما قينتاه المختارتان، وكان لهما صوتان شجيان، وقد اشتهرتا بمكة، وخلد ذكرهما حتى الآن، فلا يعقل أن يكون بيته صغيراً أو حقيراً أو بدائياً، إذ لا يتناسب ذلك مع ما يذكره اًهل الأخبار وبروونه عن ثرائه وبذخه وعن شربه بآنية من ذهب وفضة، إلى غير ذلك مما يحملنا - لو صدقنا روايات الأخباريين - على أن ببته يجب أن يتناسب مع ثرائه. وعاصر ابنَ جُدْعان نفر آخر كانوا من أغنياء مكة ومن أصحاب المال والثراء، لهم ذوق في الجمال وحب للشراب، وكان لهم خدم وحشم، ورجال من هذا الطراز لا بد أن تكون بيوتهم حسنة ومن حجارة، وفيها وسائل الراحة، ولها مواضع خاصة بإقامة النساء، وأماكن خاصة باستقبال الضيوف، ومواضع لإقامة الخدم والصيد. والحيوانات التي يرتبطها للركوب، وحجر لحفظ الأطعمة والأشربة بمقادير كافية احتمالاً لحالات الطوارئ. وعرفت الزرابي، وهي "الطنافس"، في بيوت أثرياء الجاهليين وقصور الأمراء. وقد ذكرت "الزرابي" و "النمارق" في القرآن الكريم. وورد أن الزرابي ضرب من الثياب محبر، منسوب إلى موضع، وذكرت "الزرابي" في شعر"حسان". وعرف عند الجاهيين نوع خاص من الطنافس قيل له "الرحال"، ذكر أنه من طنافس الحيرة. واليه أشار الأعشى بقوله: ومصاب غادية كأن تجارهـا نشرت عليه برودها ورحالها وقد استعملت الكراسي والأسرة في بيوت الأغنياء. والكرسي السرير. واما السرير، فهو ما يجلس عليه وينام فوقه أيضاً. وقد عبر به عن الملك والنعمة. والظاهر أن ذلك بسبب كونه من مظاهر الغنى والجاه. و"الخلب" الكرسى قوائمه من حديد. ويقال للمجلس "الموثب" في لغة "حمير". ويراد بها أسفل الشيء وما يستقر على الأرض. وهي قريبة في المعنى من لفظة "شت" و "اشدو". وقد استورد أهل مكة الأواني الغالية والأثاث الراقي من بلاد الشام، لما عرفت به هذه البلاد من التقدم في الصنعة وحسن الذوق، ولقربها من الحجاز، كما استوردوها من العراق " ويمكن معرفة أصولها والأماكن التي وردت منها بدراسة أسماءها. فأكثر أسماء الأشياء المستوردة، هي أسماء معربة. عربت من اصول أعجمية، ويمكن الوقوف على أصلها بدراسة أصولها اللغوية التي جاءت منها. وقد تبنى "دكك" عند باب البيت، يحلس عليها الدرابنة، أي "البوابون"، لمنع الغرباء من الدخول داخل البيت، ولحراسة الدار. وقد أشير اليها في شعر ينسب للمثقب العبدي: فابقي باطلي والجد منها كدكان الدرابنة المطين أما بيوت الفقراء، فهي كما يظهر من روايات أهل الاخبار، بيوت حقيرة إن جاز اطلاق لفظة "بيت" و "بيوت" عليها. وهي من طين ومن بيوت شعر، لا تقي من برد ولا من حر.، لذلك فإن الطبقة الفقيرة عاشت عيشة بؤس وشقاء. وليس في مثل هذه البيوت مرافق صحية ولا مغاسل ولا حمامات، فكان اصحابها يقضون حاجاتهم في خارج البيوت. وإذا كان من السهل على الذكور أداء هذا الواجب، فإن ذلك كان من ت أصعب الأشياء بالنسبة للاناث. وسائل الركوب وكان السير على الأقدام للوصول إلى المواضع المقصودة هو المألوف عند أكثر الناس، بسبب فقرهم وعدم تمكنهم من امتلاك دابة ركوب. لقد كان أكثرهم يقطع مسافات طويلة مشياً على قدميه في ذهابه الى قبيلته أو للتنقل من مكان إلى مكان. أما المتمكنون منهم، فقد ركبوا الجمال في قطع المسافات البعيدة والأرضين الصحراوية، وركبوا الخيل والبغال والحمر في القرى وفي الأرضين التي لا تغلب عليها الطبيعة الصحراوية. ولحماية النفسى أثناء النوم من "البعوض" والحشرات الأخرى استعملوا "الكلل". و "الكلة" ستر رقيق يخاط كالبيت يتوقى به من الحشرات. ومن هذه الحشرات والهوام: البعوض، واكثر ما يكون في بيوت الحضر، حيث تتوفر له وسائل النمو والمعيشة، من أوساخ ورطوبة وماء. وفي المواضع التي يكثر وجود الماء بها مثل خيبر، حيث عرفت بكثرة بعوضها الحامل للبرداء "الملاريا.". و "الناموس"، و "البرغوث" الذي يزعج الإنسان ويقلقه، فلا يجعله يستريح في نومه، ثم الذباب. آداب المجالس وللقوم آداب في مجالسهم على الإنسان اتباعها ومراعاتها، من ذلك أن لكل بيت مهما كان حجمه أو مكانته حرمة. وأن على كل إنسان صيانة حرمة بيته وبيت غيره سواء بسواء. لأن بيوت الناس هي في الحرمة سواء. ومن ينتهك حرمة بيت غيره يكون قد قام بإثم كبير وعرض نفسه لانتقام أهل البيت المنتهك منه. وقد يؤدي ذلك إلى وقوع قتال بنداء العصبية وبتجمع أهل البيت للاخذ بثأرهم ممن ثلب حرمة بيتهم وتطاول عليه، ودنس شرفه، بالاساءة اليه. ولن تغفر الاساءة ولا يغسل عارها إلاّ بالانتقام وبالانتقاص من شأن ذلك الإنسان الذي انتهك حرمة بيت غيره. ومن حرمة البيت عدم جواز دخوله إلاّ بإذن من صاحبه. فإن دخل اليه دون إذن، عنف الداخل وأنب، وان ثبت أنه دخله عن غاية وتصميم عدّ معتدياً عليه منتهكاً لحرمته. ويكون جزاءه الانتقام منه. وعلى من يريد دخول بيت الاستئذان من أصحابه حتى وإن كان البيت خيمة مهلهلة تذروها الرياح. لأن تلك الخيمة هي بيت ومأوى. ولا ينظر الناس إلى نوع البيت والى جنسه بل إلى أهله، فالبيت بأهله لا يكيفيته،وحرمته من حرمة أصحابه. وقد كان بعض الجاهليين يدخلون البيوت كل. غير استئذان، ولا سيما الأعراب. ومنهم منَ كان يقف عند الباب فين ادي: يا فلان اخرج، أو يا فلان أدخل. ونجد في كتب السير والأخبار أن من الأعراب من كان يقف اًمام حجر النبي وينادي: أخرج يا محمد ? ولهذا شدد على "الاستئذان" وعلى السلام في الإسلام. ولا يخاطب الرجل الرجل الأكبر منه سناً أو منزلة باسمه، وإنما يخاطبه بكنيته. كأن يقول يا أبا فلان، وتكون الكنية باسم الابن الأكبر، إلاّ إذا حدث ما يستوجب عدم ذكر اسمه. فيكنى بغيره ممن يختارهم ذلك الرجل. وقد لا يكون ولداً، ولكنه يكنى مع ذلك بكنية يختارها هو، أو تكون متعارفة عن الاسم بين الناس. ولا تزال عادة التكنية مستعملة عند الحضر وعند الأعراب. وقد عرف بعضهم الكنية بي )اسم يطلق على الشخص للتعظيم نحو أبي حفص وأبي حسن، أو علامة عليه(. وتقوم الكنية مقام الاسم فيعرف صاحبها بها كما يعرف باسمه كأبي لهب عرف بكنيته. وأبو فلان كنيته. التحية والعادة عند الجاهليين أن يحيى الصديق صديقه إذا رآه. والتحية: السلام. ومن تحياتهم: حيّاك الله أو حياك.... ثم يذكر الصنم. وإذا كان اللقاء صباحاً قالوا: أنعم صباحاً وعم صباحاً، أما إذا كانوا جماعة فيقول عندئذ: أنعموا صباحاً، وعموا صباحاً، وإذا كان الوقت مساءً، قال أنعم مساءً وعم مساءّ وأنعموا مساءً إذا كانوا جماعة. والمصافحة معروفة عند الجاهليين. وتكون باليد اليمنى. وقد يتصافحون باليدين. وقد يتعانقون، إذا كانوا قد جاؤوا من سفر أو من فراق. وقد أشير في الحديث إلى المصافحة باليدين عند اللقاء. وتكون إجابة الصغير للكبير بتلبية مؤدبة،. فإذا سأل إنسان ذو منزلة إنساناً آخر أقل منزلة منه أجابه بجمل فيها أدب وتقدير مثل لبيك وسعديكْ. أي لزوماً لطاعتك، وأنا مقيم على طاعتك، واجابة لك، وأنا مقيم عندك، واتجاهي اليك وقصدي لك وما شاكل ذلك من معان ذكرها علماء اللغة. ومن هنا قيل لقول الحجاج في الحح: لبيك اللهم لبيك، التلبية، ويجاب ب "نعم" وب "نعم وكرامة". وقد يكون الجواب لطلب عمل عملٍ. كأن يطلب رجل من رجل آخر عمل عملٍ، فيقول له: "نعم"، و "نعم وكرامة"، و "نعم عين ونعمة عين"، و "نعام عين"، و "نعيم عين"، و "نعام عين". وتعدّ لفظة " بلى" من ألفاظ الإجابة كذلك. ومن آداب البيت الامتناع عن قول الفحش بحضور النساء. وعدم النظر بسوء إلى البنات والنساء، وعدم تركيز النظر عليهن. لأن معنى ذلك توجيه إهانة إلى رب البيت، واظهار أنه إنما قصد من دخول البيت التمتع برؤية النساء. وعليه السيطرة على نفسه وضبطها فلا يسمح لنفسه بإخراج الريح من جوفه، لأن ذلك عند العرب عيب كبير. فالضراط و الفساء إذا وقعا من إنسان بحضرة غرباء عدّا من المغامز التي قد يؤاخذونها على الرجل. لا سيما إذا كان الرجل معروفاً مشهوراً وله حسّاد. ومن عاداتهم: تشميت العاطس، لا سيما إذا كان كبيراَ ذا جاه. كان يدعى له بطول العمر. وقد أكده الإسلام. فإذا عطس إنسان قال: الحمد لله فيجيبه الحضار ب "يرحمك الله". ويحمد العطاس عند العرب، ما لم يكن من زكام ويذم التثاؤب. وذكر أن كل دعاء بخير فهو تشميت. ويقال للشاب إذا سعل: عمراً وشباباً. أما إذا كان الساعل شيخاً أو رجلاً بغيظاً، فيقال لهما: ورياً وقحاباً. وللحبيب إذا سعل: عمراً وشباباً. وكانت تحيتهم للملك أن يقولوا: أبيت اللعن. وإذا قال أحدهم للآخر: أنعم صباحاً، أو أنعم مساءً، أو أنعم ظلاماً، أجابه صاحبه: نعمتَ. ثقال الناس ومن الناس مَنْ يسُتثَقل ظلهم ويرجى انصرافهم بسرعة. لثقل طبعهم ووجود جفاوة فيهم، أو تلبد في طبعهم يجعلهم لا يدركون طباع الناس. ويقال لأمثال هؤلاء: الثقلاء. وثقال الناس وثقلاؤهم من تكره صحبته ويستثقله الناس. يقال: مجالسة الثقيل تضني الروح. ويقال: هو ثقيل على جلسائه، وما أنت إلاّ ثقيل الظل بارد النسيمْ. ومن الثقلاء من يطيل الجلوس في المجالس: أو يدخلها دون دعوة، أو يتدخل فيما لا يعنيه أو فيما يجهله ليظهر علمه وفهمه. أو يزور صديقاً في وقت لاتستحب زيارة أحد فيه، أو يعود مريضاً ثم يطيل الجلوس عنده. وكانوا إذا وجدوا من الثقيل بلادة، فلربما أسمعوه كلاماً يشعر بتثاقلهم منه، فإذا لم ينتبه أشعروه بصور أخرى تفهمه أنه ثقيل الظل حتىّ يرحل عن المجلس و "الظريف" على عكس "الثقيل"، يستظرفه الناس ويستملحون كلامه ويحبّون مجالسته. وهو البليغ الجيد الكلام، أو هو حسن الوجه والهيئة، كما يكون في اللسان. وقيل الظرف: البزاعهّ وذكاء القلب. والبزاعة هي الظرافة والملاحة والكياسة. وقد يدعون بالشر على الأعداء والحساد والثقلاء، فيقولون: رماه الله في الدوقعة، أي في الفقر والذل، و "أخسّ الله حظه"، و "أبعد الله دار فلان، وأوقد ناراً إثره". والمعنى لا رجعه الله ولا ردّ ه. و "أبعده الله وأسحقه وأوقد ناراً إثره". للصلف وأما "الصلف"، فالتمدح بما ليس عندك. وقيل مجاوزة قدر الظرف والبراعة فوق ذلك تكبراً. وفي الحديث:آفة الظرف الصلف. وهو الغلو في الظرف والزيادة على المقدار مع تكبرْ. وهو مكروه ويستثقل صاحبه ويقل أصحابه. المجالس والعادة عندهم أنهم إذا زاروا ملكاً أو سيد قبيلة أو عظيماً، لبسوا أحسن ما عندهم من لباس، وتزينوا بأجمل زينة يعرفونها ومنها الكحل والترجيل ولبس جبب الحيرة المكففة بالحرير،كالذي فعله سادات نجران يوم وفدوا على الرسول. والتكحل عادة منتشرة عند جميع الجاهليين رجالاً ونساء وفي كل جزيرة العرب. كما كانوا يتطيبون بالطيب والعطر. ومن آدابهم في مجالسهم قيام القاعد للقادم عند قدومه وتوجيهه التحية لهم. ولا سيما إذا كان القادم شريفاً وله منزلة عند قومه ومكانة. فيقف القوم على أرجلهم ويحيون المحيي على تحيته بتحية هي خير منها، هذه سنة كانت معروفة عندهم، ولا تزال. وقد تطرق "الجاحظ" الى هذه القاعدة، ثم قال: "قالوا: ومن الأعاجيب أن الحارث بن كعب لا يقوم لحزم، وحزم لا تقوم لكندة، وكندة لا تقوم للحارث بن كعب". ثم قال: "قالوا: ومثل ذلك من الأعاجيب في الحارث: أن العرب لا تقوم للترك، والترك لا تقوم للروم، والروم لا تقوم للعرب". وتفرش أرض سيد القبيلة وذوي اليسار من الناس، وكذلك غرف بيوتهم بالفرش، كالبسط، وتوضع الوسد في صدر المجلس ليتكئ عليها الجالسون. وليتوسدوها عند النوم. ويعدّ تقديم الوسادة إلى الضيف من اماراة التكريم والتقديس بالنسبة لمن قدمت له. ولا تزال هذه العادة متبعة عند الأعراب. ويجلس العرب على الأرض وعلى الحصير والبساط. وقد يجلسون على وسادة وقد يستلقون ويضعون إحدى رجليهم على الأخرى، وقد يتكئون على الوسادة، وربما اتكأوا على اليمين وربما اتكأوا على اليسار. والحصير سقيفة تصنع من بردى وأسل ثم يفترش. سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض. وتصنع الحصر من خوص السعف أبضأَ، وتفرش على الأرض. يستعملها أهل القرى والمدن والأرياف، وفي بيوت الفقراء. وذلك لعدم تمكن الفقير من شراء بساط منسوج، ولا سرير يجلس عليه. قال شاعر: فأضحى كالأمير على سرير وأمسى كالأسر على حصير وقد عدّ "السرير من امارات الغنى والرفاه والنعمة، حتى عبروا عنه بالملك. فقالوا: "سرير الملك". ويقال للحصير المنسوج من القصب "البارية" و "البوري". وقد عرف أهل الحجاز "البارية". وأشير اليها في الحديث. ويتناول الإنسان عند نهوضه من نومه "الصبوح". ويحي أهله ومن هو حوله بتحية الصباح: عم صباحاً وعموا صباحاً إذا كانوا جماعة. وهي تحية الجاهلية. و "الصبوح" كل ما أكل أو شرب من اْكل أو لبن. وهم يستحبون الجلوس من النوم صباحاً، لأن ذلك عندهم أنشط للجسم وأدعى للصحة، ثم إنّ الغارات تقع في الصباح، وإذا أغاروا صاحوا: يا صباحاه ينذرون الحي أجمع بالنداء العالي، ويسموّن الغارة يوم الصباح. ولكن أكثرهم كانوا ينامون الصباح أي نوم الغداة، ويسمون ذلك النوم "الضبحة" ولا ينهضون إلا متأخرين أو بعد حيل وازعاج لهم، لاكراههم على النهوض. وقد كره الإسلام هذه النومة، فجاء النهي عنها في حديث الرسول. تنظيف الأجسام ولتنظيف الجسم من الأوساخ والأدران استعملت الحمامات. وذلك عند الحضر بالطبع. أما حمامات البدوّ، فهي بيوتهم والعراء، يسكبون الماء على أجسامهم ويغتسلون. وقد عرف أهل القرى والمدن الحمامات ولها مساخن تسخن لهم الماء ليغتسلوا بها. وكانوا يستعملون النورة في الحمامات لإزالة الشعر. وإذا خرج أحدهم من الحمام قيل له: طابت حمتك. وذكر أن من أسماء الحمام "الديماس". وزعم بعضهم أن الديماس من الألفاظ المعربة. عربت من لغة الحبشةْ. وكانت الحمامات العامة قليلة العدد وربما لم تكن معروفة، إذ لم تكن شائعة بين الناس في الشرق الأدنى، لأنهم كانوا يستحمون في بيوتهم في الغالب، فجزيرة العرب حارة ومن الممكن الاغتسال في البيوت بكل سهولة. ولم يعرف اليهود الحمامات ألعامة، وإنما تعلّموها من الروم والرومان. وكانوا يستحمون في المياه الجارية وفي البيوت. وقد ورد أن الرسول لم يدخل حماماً قط، ولم يصح في الحمام حديث. مما يدل على أن الحمام العام لم يكن شائعاً في أيامه. فكان الرسول يغسل جسمه في بيته. وإذا وجد الحمام العام فلم يكن الأغنياء وذوو اليسار وأهل البيوت يقصدونه، إذ كانوا يرون أن في تعري الرجل من ملابسه أمام الغرباء زراية ومنقصة، وأن في مخالطة الناس والاغتسال معهم في حمام، مثلبة ودلالة على نقص في البيت. فاستحموا في بيوتهم. وقد قام السدر في الحجاز مقام الصابون في الاغتسال، فكانوا إذا أرادوا تنظيف أجسامهم استعملوا ورق السدر مع الماء، فيخرج له رغاء ابيض، وذلك بعد طحن الورق أو دقه. وقد جرت العادة بغسل الميت به. وذكر ان الرسول امر قيس بن عاصم بأن يغتسل بالماء والسدر. وعندما تغتسل المرأة، تغسل رأسها بالخطمي والطين الحرّ والأشنان ونحوه. ثم تمشط شعرها. وقد تستعمل المرأة المتمكنة ورق الاس يطرى بأفاويه من الطيب لتمشيط شعرها به. ونظراً لقلة وجود الماء في البادية، اقتصدوا في استعماله كثيراً، حتى أنهم لم يكونوا يشربون منه إلاّ قليلاً وعند الضرورة، وذلك خوفاَ من إلإسراف فيه، فينفذ ويهلكون عطشاً، لذلك كان من الطبيعي بالنسبة لهم عدم غسل اجسامهم حتى صار عدم الاستحمام بالماء شبه عادة لهم. وقد ادى ذلك إلى توسخ اجسامهم وظهور رائحة الوسخ منهم. ورد في حديث "عاثشة": "كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ، فإذا اصابهم الروح سطعت ارواحهم، فيتأذى به الناس. فأثروا بالغسل". وكان منهم الفقراء من اهل الحضر كذلك، ممن لا يملكَون بيتاً ولا يجدون لهم مكاناً يغسلون اجسادهم فيه. وكان من بينهم عدد من الصحابة الفقراء. وكانوا إذا ارادوا قضاء الحاجة دخلوا الخلاء". وهو موضع قضاء الحاجة. وتكون في بيوت الحضر. وقد تكون غرفة وقد تكون ستراً. ويستنجي بالماء إنْ وجد وبالحجارة، والنجو ما يخرج من البطن من ريح أو غائظ. وقيل العذرة نفسها. واستنجى مسح النجو أو غسله. وكانوا إذا ذهبوا في سفرهم للحاجة انطلقوا الى موضع يتوارون فيه عن أصحابهم. ليقضوا حاجتهم به. وربما تستروا بالهدف وفي حشائش النخل وبشجر الوادي. ويقال للكنيف المشرف في أعلى السطح المتصل بقناة إلى الأرض "الكرياس". أما إذا كان أسفل فليس بكرياس. وقد تكون للغرف "مراحيض". والكنيف المرحاض كأنه كنف في أستر النواحي. وكانوا إذا أرادوا أن يبولوا ابتعدوا عن أصحابهم بعض الشيء ثم بالوا. وأكثر ماس يبولون قعوداً. ولكنهم كانوا يبولون وقوفاً أيضاً، وهو في الأقل. وإذا أرادوا قضاء حاجتهم أو التبول لم يرفعوا ثوبهم بل جعلوه يتدلى حتى يدنو من الأرض، إلاّ من الأمام حيث يرتفع بعض الشيء، ويبعد من الخلف أو يرفع قليلا حتى لا يتأذى بالعذرة. ويرى العرب أن ما بين السَرّة والركبة من الرجل عورة، لذلك يجب ستره. والعورة السوأة من الرجل والمرأة. وكانوا يرون ظهورها عاراً أي مذمة. لذا حرصوا على انزال ثيابهم إلى الأرض لسترها قدر الامكان، وذلك عند قضاء الحاجة. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#130 |
|
عضو فضي
|
الخدم والخصيان
وتحتاج البيوت الكبيرة إلى خدم، لتحضير ما يحتاج البيت اليه من طعام وماء ولتنظيفه وللعناية بدوابه وبما يربط في مرابطه من حيوان. كما يوكل اليهم خدمة الضيوف وتقديم الشراب إلى المتنادمين. وكانوا يستخدمون "الخصي" لخدمة أهل البيت من النساء، لأنهن محرم، ولا تصح خدمة الرجال لمحارم البيت. ونظراً إلى ضرورة استخدام الرجال في بعض أمور البيت، استعاضْوا عنهم باستخدام "الخصي" في هذه الأمور. وقد كان "مأبور" القبطيّ الخصي، الذي قدم مع "مارية القبطية" أم ولد الرسول من مصر يدخل عليها ويجلس في بيتها، وكان خصيّاً. الحياة الليلية والحياة الليلية حياة هادئة على وتيرة واحدة، ياًوي الناس الى بيوتهم. مع غروب الشمس في الغالب، أما وجهاء القوم، فقد كانوا يتسامرون في بيوتهم وفي مضاربهم، وذلك بأن يأتي أصدقاؤهم اليهم فيتحدثون معهم ويتذاكرون الأيام الماضية وما يقع من أحداث إلى ساعات من الليل ثم يعودون إلى بيوتهم. ويكون السمر في الليل خاصة، والسمر الظلمة. ولهذا كانوا يقسمون بالسمر والقمر. أي بالظلمة والقمر. ثم أطلق السمر على السمر عامة في الليل أو في النهار. وقد صار هذا "السمر" أساساً للقصص العربي وللادب العربي والتاريخ الجاهلي. وعلى الرغم من أن طابع السمر، أي القص والتحدث والانصات إلى المسامر، لا يتفق مع الطابع التأريخي، إلا أنه موّن المؤرخين مع ذلك بشيء من أخبار أيامها ورجالها في صورة مم ألصور المعروفة عن القص. والعادة أن الذين يبرزون ويظهرون في رواية القصص هم أصحاب الالسنة، اللبقون الذين أوتوا مواهب خاصة، والذين يجيدون معرفة نفسيات من يحيط بهم للاستماع إلى قصصهم. فيحدثون السامعين اليهم بما سمعوه ممن تقدم عليهم أو من يعاصرهم من أخبار وحوادث مسلّية طريفة كان الجاهليون إذ ذاك يتشوقون إلى الاستماع اليها. ومن ذلك قصص إلأيام والأبطال الشجعان الذين سأهموا فيها، وقد يكون المتكلم نفسه ممن شهد الأيام وقائل فيها. وهذا النوع من السمر، لا يتقيد بالصدق وبالتعقل، كما أن المستمعين لا يهمهم فيه إذا كان معقولاً أو غير معقول. وكل ما يهمه منه هو التلذذ بسماع القصص أو الأشعار أو الأخبار وأمور الشجعان أو غير ذلك.ولما كان السمر يكون في كل بيت وفي كل مكان. وهو يتناسب مع عقلية القاص أو المتكلم وعقلية السامع وحالاته النفسية التي يكون عليها عند الإستماع الى السمر، لهذا كان السمر ألواناً وأشكالا، منه ما يتناول أخبار العالم، كما وصلت إلى البادية، ومنه ما يتناول أخبار الملوك وأخبار سادات القبائل،ومنه ما يتناول الشعر والمناسبات التي قيل الشعر فيها، ومنها ما يتناول الجنّ والأساطير والخرافات وأمثال ذلك من غريب، قد يبهر لبّ أذكى الناس، ويلهب في السامعين نيران العواطف، فيجعلهم يقبلون على الاستماع اليه بكل قلوبهم. على الاستماع إلى هذا العنصر: عنصر التصنع في القصّ والإغراب، لأن من طبع الإنسان البحث والتفتيش عن كل شيء غريب عجيب. ويتخذ الملوك والأشراف وذوو اليسر لهم ندماء، يشربون معهم ويقضون وقتهم بالمنادمة. وهم من المقربين إلى الملوك ومن ضيوفهم الذين تكون لهم عندهم مكانة خاصة، وكان من عادة أهل القرى، اتخاذ الندماء، والغالب أن المنادمة تكون على الشراب. ونجد فىِ أخبار "مكة" التي يذكرها أهل الأخبار، أسماء جماعة من أشرافها، اختصوا بمنادمة بعضهم بعضاً. يبقون في منادمتهم مدة طويلة وقد يقع سوء فهم بينهما، فيترك أحدهم منادمة صاحبه، لينادم غيره. ويجلس الملك أو سيد القبيلة في صدر المجلس، ودونه بقية الجالسين على حسب المنازل والدرجات وقد عطًّر نفسه، وتطيب، وتضمخ بالعنبر وبالمسك. والظاهر أنهم كانوا يكثرون من وضع المسك على رؤوسهم حتى كان يبدوا واضحاً جلياً من مفارقهم. وقد أشير إلى هذه العادة في الشعر والأخبار. وكان من عادة سادة العرب استعمال الخلوق والطيب في الدعة وفي جلوسهم مجالس أنسهم، مثل مجالس السماع والغناء. وكان المتمكنون. منهم وعلى رأسهم الملوك يضمخون.أجسادهم ورؤوسهم بالطيب حتى كأنه يقطر منهم. فكانت تفوح منها رائحة الطيب. فضلاً عن البخور الذي يتبخر به. وقد كان الأغنياء والمتمكنون من الناس يشترون العطور ويكثرون من التطيب بها. وقد تباهى "كعب بن الأشرف" بأنه كان يملك أطيب العطور المعروفة عند العرب. وتكون ملابسهم بالطبع من أحسن الملابس، من الديباج أو من الخز أو من الكتان، وتوشى بالشهب، وتقصب به. وقد تكون للملك دور خاصة بنسيجه، تنسج فيها حلله وما يجود به على ضيوفه وزائريه. ولديه ملابس كثيرة حاضرة، إذ طالما كان يخلع ملابسه التي يرتديها في المجلس ليعطيها إلى حاضر مدحه فأجاد في مدحه، أو لشخص قال كلاماً ظريفاً استحسنه، ومن يناله هذا ا التكريم يفتخر به بين أقرانه ويتباهى: فهي من المفاخر التي كان يتباهى بها في ذلك الزمان. وعادة الخلع، خلع الحلل والملابس التي يلبسها الملوك على السادة رؤساء القبائل والأشراف، أمارة على التكريم والتقدير، هي عادة معروفة في الجاهلية، وطالما أثارت حسد الرؤساء وتباغضهم، إذ عدّ خلع الملوك لملابسهم على السيد، تفضلاً له وتقديما على غيره من السادة رؤساء القبائل. وكان لهذه الرسوم والعادات الني لا نعيرها اهتماماً في زماننا ولا نقيم لها وزناً،أهمية كبيرة في عرف ذلك العهد، وقد عرفت هذه العادة في الإسلام أيضاً. وقد كان المسلمون يتباهون بالحصول على خلع من الرسول، خلعها عليهم من ملابسه التي يلبسها، فإن فيها تكريماً، وفيها بركة لمن خلعت عليه، لأنها من ملابس الرسول. وقد عرفت هذه الحلل والخلع ب "أثواب الرضى"، لأنها لا تعطى إلاّ تعبيراً عن رضى الملك عن الشخص الذي أعطيت له. وكان جباب أطواقها الذهب بقصب الزمرد. وقد أغدق "النعمان" بها على مادحيه. وكان يقول: "هكذا فليمدح الملوك". وقد ذكر أهل الأخبار أن أولئك الملوك اتخذوا ندماء من الفرس والروم أيضاً، فذكروا مثلاً أن الملك النعمان كان له نديمان، يعرف أحدهما ب "النطاسي" وسمه "سرجون"، ويعرف الآخر ب "توفيل"، وكلاهما من الروم. وورد في رواية أخرى: أن أحد النديمين هو "سرجون بن توفل" " "توفيل"، وكان رجلاً من أهل الشام تاجراً حريفاً للنعمان يبايعه، و كان أديباً حسن الحديث والمنادمة: فاستخفه النعمان. وكان إذا أراد أن يخلو عن شرابه بعث اليه والى "النطاسي"، وهو رومي كذلك متطبب، زهو النديم الآخر له، وكان طبيباً بارعاً، ضرب به المثل عند عن العرب لبراعته بالطب. وفي منادمة النعمان للنطاسي ولابن توفيل، أشير في بيت شعر للشاعر الربيع ابن زياد المعروف بالكامل، وهو: أبرقْ بأرضك يا نعمان متكـئاً مع النطاسي يوماً وابن توفيلا وممن ذكرهم أهل الأخبار من ندماء قريش عبد المطلب بن هاشم. كان نديماً لحرب بن أمية حتى تنافرا إلى "نفيل بن عبد العزى". فلما نفر عبد المطلب افترقا. ونادم حرب عبد اللهَ بن جدَعان. ونادم حمزة عبد الله بن السائب المخزومي، وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص نديماً للوليد بن المغيرة المخزومي، - وكان معمر بن حبيب الجمحي نديماً لأمية بن خلف بن وهب بن حذافة. وكان عقبة بن أبي معيط نديماً لأبيّ بن خلف. وكان الأسود بن المطلب بن أسد نديماً للأسود بن عبد يغوث الزهري. وكانا من أعز قريش فيَ الجاهلية و كانا يطوفان بالبيت متقلديين بسيفين سيفين.وكان أبو طالب نديماً لمسافر بن أبي عمرو ابن أمية. فمات مسافر. فنادم أبو طالب بعدر عمرو بن عبد ودّ بن نضر. وكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس نديماً لمطعم بن في عدي بن نوفل بن عبد مناف. وكان أبو سفيان نّديماً للعباس بن عبد المطلب.وكان ألفاكه بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم نديماً لعوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة. وكان زيد بن عمرو بن نفيل نديماً لورقة بن نوفل بن أسد.وكان شيبة بن ربيعة ابن عبد شمس نديماً لعثمان بن الحويرث. وكان العاص بن سعيد بن العاص نديماً للعاص بن هشام بن المغيرة. وكان يدعيان أحمقي قريش و كان أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب نديماً للحارث بن عامر بن نوفل. وكان الولبد بن عتبة ابن ربيعة نديماً للعاص بن منبه السهمي. وكان ضرار بن الخطاّب بن مرداس الفهري الشاعر نديماً لهبيرة بن أبي وهب المخزومي.وكان أبو جهل بن هشام وهو عمرو بن هشام نديماً للحكم بن أبي العاص بن أمية. وكان الحارث بن هشام بن المغيرة نديماً لحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد.وكان العاص بن وائل بن هشام ابنّ سعيد بن سهم، نديماً لهشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبي جهل. وكان نبيه بن الحجاج بن عامر السهمي نديماً للنضر بن الحارث. وكان عمارة بن الوليد بن المغيرة نديماً لحنظلة بن أبي سفيان بن حرب. وكان الزبير بن عبد المطلب، وهو من فتيان قريش، نديماً لمالك بن عميلة بن السباق ابن عبد الدار.وكان الأرقم بن نضلة بن هاشم بن عبد مناف، وهو من فتيان قريش أيضاً نديماً لسويد بن هرمي بن عامر الجمحي. وكان سويد أول من وضع الأرائك وسقى اللبن والعسل بمكة. وكان الحارث بن حرب بن أمية نديماً للحارث ابن عبد المطلب. فلما مات نادم العوّام بن خويلد بن أسد. وكان الحارث بن أسد بن عبد العُزّى نديماً لعبد العزُِّى بن عثمان بن عبد الدار. وكان ابو البختري العاص بن هاشم بن الحارث بن أسد نديماً لطلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار. وكان منبهّ بن الحجاج السهمي نديماً لطعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. وكان ابو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب نديماً لعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وكان ابو امية بن المغيرة المخزومي نديماً لأبي وداعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، وكانا يسقيان العسل بمكة بعد سويد بن هرمي.وكان ابو قيس بن عبد مناف نديماً لسفيان بن أمية بن عبد شمس. وكان ابو العاص ابن امية نديماً لقيس بن عدي بن سهم. وكان يأتي ألخَمّار وبيده مقرعة. فيعرض عليه خمر، فإن كانت جيدة، وإلاّ قال له: أجد خمرك، تم يقرع رأسه وينصرف. وقد يستدعي الملوك في مجالس أنسهم الخاصة من يضحكهم ويسلّيهم ويجلب لهم البهجة والسرور. من امثال القصاصين الذين يقصون لهم القصص،والمسامرون الذين يسامرون الملوك بأنواع قصص السمر والحكايات المضحكة الغريبة والأمور المثيرة، والمضحكون الذين يأتون يالنكت وبالأفعال المضحكة لإضحاك الملك. وقد كان للملك "النعمان بن المنذر" مضحك اسمه "القرقرة"، كان يضحك منه "النعمان"، واسمه "سعد". والقرقرة: نوع من الضحك، اختص يالضحك العالي منه. وقد أدخلوه في المستأكلين والمتطفلين. قالوا سأله أحد الأشخاص يوماً: ما رأيناك إلا" وأنت تزيد شحماً وتقطر دماً. فقال: لأني لا آخذ ولا أعطي، وأخطئ ولا ألام، فأنا طول الدهر مسرور ضاحك. وقد جاء في شعر للشاعر "لبيد" وصف مجلس للنعمان، وقد وقف فيه "الهبانيق" أي الوصفاء بأيديهم الأباريق ينتظرون إشارة من أحد جلساء النعمان ليصبوا له خمراً طيبة من خمور تلك الأباريق. فإذا طلب منهم ملء كأس ساروا إلى الطالب سيراً فاتراً وبتؤدة ليملاؤا له الكأس. وكانت لهم عادات وتقاليد في مجالس الشرب وفي مجالس الطعام على نحو ما نفعل اليوم في المآدب الرسمية، فكان من عادة ملوك الغساسنة والمناذرة إجلاس السادة الرؤساء والمقربين اليهم على يمينهم وعلى مقربة منهم، تعظيماً لشانهم، ودلالة على مكانة الشخص عندهم. فإذا قدم الشراب أو الطعام، قدم الى الملك اولاً، فإذا شرب منه، أو ذاقه، أمر فقدم الشراب أو الطعام إلى من هو في يمينه. وقد اتبعت هذه العادة عند سائر الناس في الولائم والدعوات. فكان "النعمان بن المنذر" مثلاً إذا همت الوفود التي تفد اليه يالانصراف، أمر باتخاذ مجلس لهم، يطعمون فيه معه، ويشربون. وكان إذا وضع الشراب سقي النعمان، فمن بدأ به على أثره فهو أفضل الوفد. ويذكر أنه أقام مجلساً ذات يوم ضم فيه من وفود "ربيعة" "بسطام بن قيس" و "الحوفزان بن شريك" البكرباّن. وفيمن قدم عليه من وفد "مضر" من قيس عيلان: "عامر بن مالك" و "عامر بن الطفيل"، ومن تميم "قيس بن عاصم" و "الاقرع بن حابس"، فلما انتهوا إلى النعمان أكرمهم وحياهم، وأمر "القينة" أن تسقي "بسطام بن قيس"، المعروف ب "ذي الجدين" أولاً، ثم تسقي الآخربن. فا"نزعح بقية سادات الوفود من هذه المعاملة التي ااعتبروها إهانة متعمدة ألحقت بهم. وإلى هذه العادة، عادة تقديم الأيمن، أشير فس شعر عمرو بن كلثوم في هذا البيت صَبَنْتِ الكأس عنّا أم عمرو وكان الكأس مجراها اليمينا و "الردف"، هو الذي يجلس على يمين الملك في قصور الحيرة فإذا شرب الملك، شرب الردف قبل الناس. وإذا غزا الملك، جلس الردف في مجلسه، وخلفه على الناس حتى يرجع من غزاته. وله المرباع، فهي منزلة كبيرة، ولهذا شرف بالجلوس على يمين الملك، والشراب من بعده. وقد اتخذت هذه المنزلة لإرضاء سادات القبائل وإسكاتهم، ومنعهم بذلك من التحرش بعرب الحيرة. وقد خصصت في "بني يربوع"، وكانوا من القبائل القوية التي تكثر الغارات. وقد تأثر رؤساء الحيرة وأصحاب الحل والعقد والجاه منهم، والمتصلون بالحكومة الساسانية، بالعادات والرسوم المتبعة عند الفرس، فإذا هم يحاكونهم في مآكلهم وفي مجالس شربهم وأنسهم، وفي طريقة معيشتهم. جاء ذلك إليهم عن طريق اختلاطهم بهم بالطبع وشدة امتزاجهم بهم، فنرى عدي بن زيد العبادي يذكر "النستق" في شعره. وقد دخلت على الحسناء كلَّتهـا بعد الهدوء تضيء البيت كالصَّنَم ينصفها نستق تكاد تكـرمـهـم عن النصافة كالغزلان في السلم و "النستق" الخدم، وهي من الألفاظ المعربية. و"الكلّة"، هي الستر الرقيق، ولا تزال تعرف بهذه التسمية في العراق، توضع فوق الفراش وينام تحتها، فتكون كالقبة فةقها، لتمنع البعوض والذباب والحشرات الأخرى من الدخول إلى داخلها ومن ازعاج النائم. وهي "كلتو"Kelto في لغة بني إرم. وكان المتمكنون من أهل الجاهلية يستعملون "الكلل" للتخلص من البعوض. ينصبونها على سرير المنام وينامون تحتها. ولا بد في المجالس والأندية التي يقصدها الضيوف أو في البيوت من تكريم الرجل بتقديم طيب إليه أو تجميره. ويكون التجمير بمبخرة فيها نار، يرمى عليها شيء من بخور أو مواد أخرى عطرة لنبعث منها رائحة طيبة تتجه نحو الشخص المراد تكريمه، فيتبخر بها. والتجمير علامة بالطبع من علامات التقدير والتكريم. وهي ما زالت معروفة، وإن أخذت شأن كثير من العادات والتقاليد القديمة بالانقراض. وقد كانوا يجمرون الميت كذلك، إكراماً له، وهو تبخيره بالطيب.، لتكون رائحته طيبة. ورد في الحديث: إذا أجمرتم الميت، فجمروه ثلاثاً. ونظراً إلى شح البادية وفقر الحياة وصعوبتها في تلك الأيام، صار الملوك ملاذاً لذوي العسر والحاجات، ولا سيما لأصحاب الألسنة من الشعراء الذين كان للسانهم خطر وأثر في نفوس المجتمع إذْ ذاك، فللمديح قيمة وللهجاء أثر في الناس ينتقل بينهم من مكان إلى مكان. فكان هؤلاء يتحايلون ويبحثون عن مختلف المناسبات للوصول إلى الملوك لنيل عطائهم وألطافهم. وكانت مناسبات الشرب والأنس من خيرة المناسبات بالنسبة إليهم، لجو السرور والمرح الذي كان يخيم. فيه على الملوك، فيعطون ويجودون ولا يبالون بما يعطون إذا كان صاحب الحاجة لبقاً لطيفاً حلو المعشر، يسيطر بلسانه على الملك، وقد يجعله في عداد المقربين إليه. ولما كانت الدنانير والداراهم، قليلة إذْ ذاك، صارت أعطية الملوك لسادات القبائل مالاً في الغالب، والمال عندهم: الإبل. ويعطون الأكسية والألبسة والطعام لهم ولسواد الناس من الفقراء المحتاجين الذين يقفون عند أبواب الملك يلتمسون منهم الرحمة والشفقة والانقاذ من الجوع. والجائزة العطية. فكان الملوك يجيزون من يطلب منهم الجوائز ومنها:"القطوط"، جمع "قط"، وهي الصك بالجائزة والصحيفة للإنسان بصلة يوصل بها. قال اللأعشى: ولا الملك النعمان، يوم لقيتـه بغبطته، يعطي القطوطَ ويأفق ولسادات القبائل أنديتهم أيضاً، يقصدها أشراف القبيلة والناس. وكانوا إذا اجتمعوا تداولوا أمور قبيلتهم وما وقع بين القبائل ونظروا في أيامهم الماضية وقد يتناشدون الأشعار ويتفاخرون. ويذكر علماء اللغة أن "النادي المجلس يندون إليه من حوإليه ولا يسمى نادياً حتى يكون فيه أهله. وإذا تفرقوا لم يكن نادياً. وفي التنزيل العزيز: وتأتون في ناديكم المنكر. قيل كانوا يحذفون الناس في المجالس، فأعلم الله تعالى أن هذا من المنكر وأنه لا يتبغي أن يتعاشروا عليه ولا يجتمعوا على الهزء والتلهي وأن لا يجتمعوا إلا فيما قرب من الله وباعد من سخطه". وقد كان ملا مكة إذا اجتمعوا في نواديهم تذاكروا أمور ساداتها فغض قوم من قوم، وسخر بعض من بعض وروى بعض عن بعض قصصاً للغض من شأنهم، شأن المجتمعات الفارغة التي لا لهو فيها يلهي ولا عمل فيها يشغل. فكان هذا شأنهم حتى نزل التنديد بفعلهم في القرآن. كما نزل يندد في أمور أخرى كانت من هذا القبيل، مثل "المشمعة"، العبث والاستهزاء والضحك بالناس والتفكه بهم. "وفي الحديث: من تتبع المشمعة يشمع الله به، أراد من كان شأنه العبث والاستهزاء والضحك بالناس والتفكه بهم جازاه الله جزاء ذلك. وقال الجوهري: أي من عبث بالناس أصاره الله إلى حالة يعبث به فيها". وقد لجأ العرب إلى اتخاذ وسائل للتخفيف من شدة وطأة اسرّ عليهم. إذْ أن الجوّ حار في بلاد العرب بالصيف. وفي جملة ما استخدموه: "المراوح". ورد أن الناس كانوا يستعملونها للترويح عن أنفسهمْ. وللريح أهمية كبيرة في جزيرة العرب وفي البلاد الحارة. إذ أن وقوفه يزعج الناس ويؤذيهم، فلا غرابة إذا ما اعتبروا الرياح رحمة تغيث الناس وتفرج عن كربهم. وتغَنّوا بها وسرّوا بهبوبها سروراً كبيراً. بهبوب الرياح المنعشة المرطبة التي تحمل المزن لهم. فتصيب الأرض وترويها بما تحمله معها من مزن. ولريح الصبا، ذكريات طيبة عند العرب. ولها أثر خالد في الشعر، حتى أنهم كانوا يطعمون عند هبوبها. وهي ريح معروفة تقابل الدبور. سميت بذلك لأنها تستقبل البيت وكأنها تحن اليه، قال ابن الأعرابي مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش.. وتزعم العرب أن الدبور تزعج السحاب وتشخصه في الهواء ثم تسوقه، فإذا علا كشفت عنه واستقبلته الصبا، فوزعته بعضه على بعض حتى يصير كسفاً واحداً، والجنوب تلحق روادفه به وتمده من المدد، والشمال تمزق السحاب. ومن وسائل التلطيف من حدة الحرّ، رش الأرض بالماء. أي نفح المكان بالماء. ورش الحصر المنسوجة من جريد النخل أو من الحلفاء أو من غيرها بالماء، حتى تبرد فينام الإنسان عليها، أو تعليقها ونضحها بالماء. فيبرد الهواء الذي يمر من مساماتها بعض الشيء. ورش ستر الكرباس والخيش بالماء، ليبرد الهواء الذي يخترق مساماتها، فينعش الجالس أمامها. وكان الوجوه وأشراف البلد إذا أرادوا الإنشراح شربوا وسمعوا القيان، وكان لأكثرهم قيان امتلكوها للترفيه عنهم بالغناء. و "القينة" الأمة المغنية أو أعم. يذكر علماء اللغة، أن اللفظة من "التقين" التزين، لأنها كانت تزين. وذكر أن القينة الأمة والجارية تخدم حسب،. و "المغنية"هي التي تغني للناس، والتي اتخذت الغناء حرفة لها، تعيش عليها. ومنهم من يستدعي اليه أصحاب المجون والنوادر والفكاهات والملح للترفيه عنهم. وقد اشتهر بالمزاح رجل اسمه "نعيمان" وكان من أصحاب رسول الله البدريين. والمجون ألاّ يبالي الإنسان بما صنع. والماجن عند العرب: الذي يرتكب المقابح المردية والفضائح المخزية، ولا يمضه عذل عاذله ولا تقريع من يقرعه، ولا يبالي قولاً وفعلا" لقلة استحيائه. والمزاح: الدعابة، والمزح نقيض الجد. وليس في طبع العربي ميل إلى المزاح، إذ يراه منقصة بحق الرجل واسفافاً يعرضه إلى التهكم والازدراء به. وذكر بعض علماء اللغة أن الدعاية المزاح مع لعب. وقيل يتكلم بما يستملح. الخصومات ويقع النزاع بين للناس، يقع بين الأهل كما يقع بين الجيران أو بين الأباعد. وقد يتحول إلى "عراك" والى وقوع معارك. والمشاجرة الخلاف والاشتباك. وقد تكون المشاجرة بسيطة بأن يشاتم ويسابب طرف طرفاً آخر. ويعبر عن ذلك باللحاء. ونظراً لجهل الناس في ذلك الوقت، فشا السباب والتشاتم بينهم. بين الرجال والرجال وبين النساء والنساء وبين الجنسين.وإذا طال واشتد تدخل الناس في الأمر لاصلاح ذات البين. وقد تتطور الخصومة البسيطة فتتحول إلى خصومة كبيرة يساهم فيها آل المتخاصمين وأحياؤهم، وقد يقع بسبب ذلك عدد من القتلى. وقد حفظت كتب الأخبار والأدب أسماء معارك وأيام، سقط فيها عدد من القتلى بسبب خصومات تافهة، كان بالامكان غض النظر عنها، لو استعمل أحد الجانبين الحكمة والعقل في معالجة الحادث. قتل الوقت وقد أشرت إلى أن "النعمان بن المنذر" كان يستخدم المضحكين،وعلى رأسهم "سعد القرقرة " لإضحاكه. وقد عدّ في المستأكلين والمتطفلين. وقد استعان السادة والأشراف بالمضحكين أيضاً ليقصوا لهم القصص المضحك. والقرقرة الضحك إذا استغرب في. وقد لقب بها سعد هازل النعمان بن المنذر ملك الحيرة. كان يضحك منه. وكان من أهل هجر. والمخنثون مادة من مواد التسلية والفكاهة والطرب. وقد خصي بعضهم،وعادة الخصاء عادة قديمة معروفة عند مختلف الشعوب، ذلك لأنهم كانوا يدخلون على النساء في البيوت، فخصوا اتقاء حدوث اتصال بين هؤلاء والنساء. وكان في المدينة على عهد الرسول ثلاثة من المخنثين: هيت، وهرم، وماتع، فسار المثل من بينهم بهيت، فقيل: أخنث من هيت. ومن المخنثين في الإسلام طويس، ويقال له: إنه أول من غنى بالمدينة في الإسلام، ونقر الدفّ المربع. وكان أخذ طرائف الغناء عن سبي فارس. وقد خصي مع غيره من المخنثين. وكان مألوفاً خليعاً يضحك كل ثكلى. وقد عير العرب بالخنث، والخنث من فيه انخناث وتثن. وهو المسترخي. وهو جبان لا يطيق القتال. وتكون المرأة أشجع منه مع أنه رجل. ويقال للجمع "الخناث". قال الشاعر: لعمرك ما الخناث بنو قشير بنسوان يلـدن ولا رجـال والمحمقون مادة من مواد التسلية والترويح عن النفس. ومنهم من اتخذ التحمق وسيلة للوصول إلى الملوك والسادات. ومنهم من كان محمقاً بطبعه. مثل هؤلاء يكونون وسيلة من وسائل السمر، بما يظهر منهم طبعاً أو تصنعاً من حمق.وقد عرف "نعامة "، واسمه "بيهس"، بالتحمق، فقيل " أحمق من بيهس". وهو من "بني ظالم بن فزارة ". وذكر أنه أحد الأخوة السبعة الذين قتلوا وترك هو لحمقه. وهو القائل: ألبس لكل حالة لبوسها إما نعيمها واما بوسها واشتهرت بمكة امرأة عرفت بالحمق. قيل لها "خرقاء مكة". ذكر أنها كانت إذا أبرمت غزلها نقضته. فاشتهر أمرها حتى ضرب بها المثل. واليها أشير في القرآن في قوله: "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة". "وقيل المراد امرأة معينة من قريش: ريطة بنت سعد بن تيم. وكانت خرقاء. اتخذت مغزلاً قدر ذراع و صنارة مثل اصبع. وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها. وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر،ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن". وذكر أن تلك المرأه هي: "ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة"، وكانت امرأة حمقاء بمكة، وكانت تفعل ذلك. والظاهر أن أهل مكة كانوا يتندرون بذكر حمقها، فضرب القرآن بها المثل لتذكر قريش قومها بها، لئلا يكونوا مثلها في الحمق. وعرف الجاهليون لوناً آخر من ألوان الترويح عن النفس والترفيه عنها، هو التنزه في البساتين وفي مواطن الكلأ والأماكن الجميلة من البادية في أيام الربيع حيث تكتسي ببسط من الخضرة، وحيث تظهر الأزهار البرية، ذات الروائح الزكية. فكان ملوك وأهل الحرة يقضون أياماً في المتنزهات القريبة منهم وفي مواطن في البادية يروحون عن أنفسهن ويتلهون بالصيد. وكان أهل يثرب يخرجون إلى "العقيق" متنزههم للتسلية. وهكذا فعل غيرهم من سكان بلاد الشام وجزيرة العرب. ومن ملوك الحيرة الذين ارتبط اسمهم باسم الأزهار التي تجود بها البوادي أيام الربيع الملك "النعمان بن المنذر". فقد قيل للشقائق التي تنبتها البادية، مثل أرض النجف، "شقائق النعمان". قيل انها دعيت باسمه لأنه جاء إلى موضع وقد اعتم نبته من أصفر وأحمر، وإذا فيه من هذه الشقائق ما راقه ولم ير مثله، فحماها فسميت "شقائق النعمان" بذلك. وكان من عادة أهل مكة الذهاب إلى الطائف في أيام القيظ، للتخلص من حر مكة الشديد، لطيب هواء الطائف واعتداله، ولوجود الماء البارد بها الخارج من العيون و الآيار. ولوجود مختلف الأثمار والخضرة بها. وقد كان لأغنياء مكة أملاك بها وبساتين استغلوها. ومنهم من كان يذهب إلى بلاد الشام للاتجار ولتمضية الصيف هناك. وكان فى جملة ما ابتكره الجاهليون لقطع الوقت " الاغلوطات "، وهي صعاب المسائل، فيطرح سائل ما سؤالا عويصاً على المستمعين، ويطلب منهم أن يعملوا فكرهم لحلهّ، وقد ورد في الأخبار أن الرسول نهى عن "الأغلوطات". وقيل "الغلوطات". وهي الكلام الذي يغلط فيه ويغالط به. وكان تناشد الشعر والتساجل فيه من جملة الأمور التي أمضوا أوقاتهم بها. فكان أحدهم يطارح صاحباً له أو جملة أصحاب له الشعر،وقد يجتمع الأصدقاء حولهم ليروا الفائز من المتبارين. والفائز هو من يبز غيره في الحفظ، إذ يبقى يطارح أصحابه ما يحفظ حتى يعجزهم، فيغلبهم ويكسب الفوز. وقد يكون ذلك برهن يعطى للغالب، وقد يكون بغير رهن. والمساجلة المباراة والمفاخرة في الأصل، بأن يصنع كل من المتبارين صنعه في شيء فمن بقي وبَزَّ صاحبه غلبه. وهكذا تكون في الشعر، فمن يثبت يكسب المساجلة. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#131 |
|
عضو فضي
|
اللباس
جاء في بعض الأخبار: "كل ما شئت والبس ما شئت ". ولكن الشائع بين الناس "كل ما شئت والبس ما يشتهي الناس"، ذلك لأن اللباس مظهر، وعلى الإنسان أن يظهر في خير مظهر أمام الناس. وقد ورد أن العرب تلبس لكل حالة لبوسها. وينطبق ذلك على السراة وذوي اليسار والثراء بالطبع، أما سواد الناس، فلم يكن من السهل عليهم الحصول على اللباس. إذ كان غالياً مرتفع الثمن بالنسبة لأوضاعهم الاقتصادية. فكانوا يسترون أجسامهم بأسمال بالية وبكل ما يمكن أن يستر الجسم به. وكسوة العرب، تختلف وتتباين، باختلاف الشخص وباختلاف الجماعة التي ينتسب اليها والمكان الذي يعيش فيه. فللاعراب ألبسة وذوق، ولأهل المدر أذواق وأمزجة في اللباس، تتباين فيما بينها، بتباين المنزلة والمكانة والحرفة. ولذوي اليسار والثراء ألبسة فاخرة، يستوردونها من الخارج في بعض الأحيان، وفيها أناقة وفيها تصنع، وهي من المواد الغالية الثمينة في الغالب، لا يتاح لغير الموسرين الحصول عليها. ثم ان بعض الناس يفضلون لوناً يعافه بعض آخر ويتجنبه. فكان الكاهن لا يلبس المصبغ، والعراف لا يدع تذييل قميصه وسحب ردائه، والحكم لا يفارق الوبر، ولحرائر النساء زيّ، ولكل مملوك زيّ، يتساوى في في ذلك لباس الرأس ولباس اليدن. وقد كان أثرياء مكة ويثرب والقرى والقبائل يلبسون الملابس الفاخرة المصنوعة من الحرير ودقيق الكتان والخز، وغير ذلك من الثياب الغالية الرقيقة، المستوردة من دور النسيج المعروفة في جزيرة العرب ومن خارجها، ويلبسون النعال الجيدة، مثل النعل الحضرمية المشهورة بمكة، ويتعطرون بعطور غالية ثمينة، ويركبون الدواب الحسنة المطهمة مبالغة في التباهي والتظاهر. وتختلف كسوة الرأس عند العرب باختلاف منزلة الرجل ومكانته ووضعه وحاله. و "العمامة" هي فخرهم وعزهم وأفخر ملبس يضعونه على رؤوسهم. حتى قيل: "عمم الرجل: سوّد لأن تيجان العرب العمائم، فكما قيل في العجم توج من التاج، قيل في العرب عمم"، "والعرب تقول للرجل إذا سود: قد عمم، وكانوا إذا سوّدوا رجلاً عمموه عمامة حمراء". وورد عن عمر قوله: "العمائم تيجان العرب ". وهي تعدّ عادة من عادات العرب. خاصة العرب أصحاب الجاه والمكانة والنفوذ من حضر وبادية، فانها تميزهم عن بقية الناس. وقد جاء في الخبر: " ان العمائم تيجان العرب". "وكان يقال: اختصت العرب من بين الأمم بأربع: العمائم تيجانها، والدروع حيطانها، والسيوف سيجانها، والشعر ديوانها " وتعد العمامة من لبس الطبقة العالية والمترفة، وذلك لأن الطبقة الفقيرة والعامة لم تتمكن من اقتنائها، وانما تضع على رأسها أغطية أخرى، أخف وزناً وثمناً من العمامة، ولذلك كانوا اذا أرادوا التعبير عن رخاء شخص، قالوا: " أرخى عمامته: أمن وترفه، لأن الرجل انما يرخي عمامته عند الرخاء ". وجاء في الحديث: انه كان يتعوذ من الحور بعد الكور، أي من النقصان بعد الزيادة. وهو من تكوير العمامة، لأن الكور تكوير العمامة، والحور نقضها، وتكوير العمامة بعد الشد. ففي تكوير العمائم، دلالة على النعمة والرخاء. إذ لم يكن في وسع الفقير شراء قماش يعمم به رأسه على سنة الأغنياء. فكيف به يعمم رأسه بعمامة كبيرة. ولم يكن تكوير العمامة العلامة الوحيدة الدالة على الغنى والجاه، بل كان الإسراف في اطالة الردن والذيل في الثوب من علائم الغنى والجاه أيضاً. فقد كان السادات والأغنياء يطيلون الأردان وأذيال الثياب، حتى تصير تلامس الأرض، للتعبير عن غناهم وكثرة مالهم وانهم لا يبالون بالمال و لا بالثياب فيتركونها تجر الأرض وراءهم من سعة عيشهم. بينما لم يكن في وسع اكساء جسمه حتى بالأسملة. وللعمامة منزلة كبيرة عند العرب. فهي تعبر عن شرف الرجل وعن مكانته، فإذا اعتدي عليها أو أهينت، لحق الذل بصاحبها، وطالب بإنصافه وبأخذ حقه. وإذا أهين شخص أو شعر بإهانة لحقت به، ألقى بعمامته على الأرض، ونادى بوجوب انصافه. ويعدّ اللوذ بعمامة رجل، وذكرها من موجبات الوفاء والانصاف لمن لاذ بها. "واذا قالوا سيد معمم، فإنما يريدون أن كل جناية يجتنيها الجاني في تلك العشيرة، فهي معصوبة برأسه". كما يريدون بذلك السيادة لأن تيجان العرب العمائم، فكما قيل في العجم توج من التاج قيل في العرب عمم. وكانوا إذا سودوا رجلاً عمموه عمامة حمراء. وكانت الفرس تتوج ملوكها فيقال له المتوج. ويدلّ سيماء العمامة على مكانة حاملها، فلقماش العمامة وللونها ولشكلها العام، أي كيفية تكويرها، دلالة على مكانة صاحبها ومنزلته في المجتمع. فعمامة المترفين المتمكنين هي من أقمشة فاخرة، نسجت بعناية، منها عمائم الديباج والخز، وذكر أن العمائم المهراة، وهي الصفرة، هي لباس سادة العرب. وأن بعض السادة مثل " الزبرقان بن بدر" كانوا يصبغون عمائمهم بصفرة، ويعصفرونها بالعصفر والى ذلك أشار الشاعر بقوله: وأشهد من عوف حُلولاً كـثـيرة يحُجّون سِبّ الزبرقان المعصفرا والسب: ا لعمامة. وورد في الحديث " كانت عمائم العرب محنكة " أي طرف منها تحت الحنك. وقد جرت عادة العرب بإرخاء العذبات، وقد يزيدون في ذلك دلالة على الوجاهة و ا لغنى. ويذكر علماء اللغة أن "من أسماء العمامة: العصابة، والمقطعة، والمعجر، والمشوذ، والكوارة ". وقيل إن العصابة والعمامة سواء. وقد كان السادات يتفننون في لبس العمامة وفي اختيار ألوانها، فكانوا يختارون لكل مناسبة لوناً، فكان بعضهم إذا قاتل لبس عمامة حمراء، ولبس بعضهم عمامة صفراء أو سوداء. يتبع ذلك مزاج لابسها وعمره، ونُظر اليها على انها جمال الرجل، ومظهره الذي يضهر به. ورد ان علي بن أبي طالب كان يقول: جمال الرجل في عمته، وجمال المرأة في خفها. وفي الأمثال: " أجمل من ذي عمامة"، وهو مثل من أمثال مكة، قيل: انهم قالوه لسعيد بن العاص بن أمية، المعروف عندهم ب "ذي العمامة"، وكان في الجاهلية إذا لبس عمامة، لا تلبس قريش عمامة على لونها. وقيل: انه كناية عن السيادة. وذلك لأن العرب تقول: فلان معمم، يريدون ان كل جناية يجنيها الجاني من تلك القبيلة والعشيرة، فهي معصوبة برأسه. والى مثل هذا ذهبوا في تسميتهم سعيد بن العاص، ذا العمامة، وذا العصابة. وربما جعلوا العمامة لواءً، فينزع سيد القوم عمامته، ويعقدها لواءً، وفي ذلك معنى التقدير والاحترام، لأنها عمامة سيد القوم، وربما شدوا بها أوساطهم عند التعب والمجهدة. وما يكون تحت الحنك من العمامة هو "الحنكة ". أما ما أرسل، منها على الظهر نهو الذؤابة. وأما " القفدة " فأعلى العمامة. والعمة العجراء، هي العمة الضخمة. وفي العمامة الكور، وهي الطرائق الني يعصب بها الرأس. ولطريقة شد العمامة ووضعها على الرأس أسماء، وضعت لكل شدة أو طريقة من طرق وضعها فوق الرأس. ويختلف حجم العمامة وألوانها باختلاف العمر أيضاً. فللشباب عمائم تميزهم عن الكهول والشيوخ. كما يختلفون عنهم في اختيار ألوان الألبسة. وذكر ان الرسول كانت له عمامة تسمى السحاب، وكان يلبسها ويلبس تحتها " قلنسوة ". وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة ويلبس العمامة بغير قلنسوة. وكان إذا اعتم أرخى عمامته بين كتفيه. ولما دخل مكة، دخلها وعليه عمامة سوداء. ووضعت القلنسوة على الرأس كذلك، فورد أن خالد بن الوليد كان يضع قلنسوة على رأسه. وقد لبسها الرسول. وكانت معروفة عند الجاهليين وأشير اليها في الشعر. ولفظة " قلنسوة " من الألفاظ المعربة عن "اللاتينية". عربت من Calantica. ويراد بها ضرب من ملابس الرأس. وقد كان الجاهليون يوفقون أيضاً بين نوع ملابسهم، فكانوا يلبسون مثلاً عمامة خز مع جبة خز ومطرف خز. وذلك للتناسق في اللباس. وجعلوا العمامة شعاراً للعرب ورمزاً لهم، إذا زال زالت عروبتهم. " قال غيلان بن خرشة للأحنف: يا أبا بحر. ما بقاء ما فيه العرب ? قال: إذا تقلدوا السيوف، وشدّوا العمائم، واستجادوا النعال، ولم تأخذهم حمية الأوغاد". وورد "في الخبر، إن العمائم تيجان العرب، فإذا وضعوها وضع الله عزهم". وقيل اختصت العرب: بالعمائم تيجانها وبالدروع وبالسيوف وبالشعر. وعرفت "المساتق" في الحجاز. وهي فِراء طوال الأكمام، واحدتها "مستقة ". وذكر الجواليقي أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأنها "مشته" في لغة الفرس. وروي أن الرسول كان يصليّ وعليه مستقة، وأن مستقته من سندس مبطنة بالحرير، أهديت اليه. ذكر أن ملك الروم أهداها اليه. وأما الجبّة، فهي من البسة الموسرين كذلك، لأنها غالية، تكون من خز، وتكون من ديباج ومن أقمشة أخرى. وقد ذكر أن لم الأكيدر أهدى إلى الرسول جبةّ من ديباج منسوج فيها الذهب. وقد تكون واسعة الكمين، كما تكون ضيقتهما. وقد لبس الرسول في السفر جبة ضيقة الكمين. وذكر أنه قد كانت عند "اسماء بنت أبي يكر" جبّة لرسول الله، "طيالسية خسروانية لها لينة ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج. فقالت هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يلبسها، فنحن نغسلها للمريض نستشفي بها ". وتعدّ الجبب من مقطعات الثياب. فقد اصطلح علماء اللغة على تقسيم الثياب إلى مقطعات و غير مقطعات. والمقطع من الثياب كل ما يفصّلُ ويخاط من قميص وجبات وسراويلات وغيرها، وما لا يقطع منها كالأردية والأزر والمطارف، والريّاط التي لم تقطع، وإنما يتعطف بها مرة ويتلّفع بها أخرى. والجبب مثل سائر الثياب، لا تكون بلون واحد. فقد تكون بيضاء، وقد تكون سوداء، وقد تكون حمراء، وقد تكون خضراء، ويختار لابسها اللون الذي يلفت نظره. وقد تكون له جملة جبب بألوان مختلفة، يلبس صاحبها الجبة التي يلائم لونها المناسبة والمكان الذي يذهب اليه. و "البرنس": قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه، ملتصق به، درّاعة كان أو جبة، أو ممطراً. وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. واللفظة من الألفاظ المعربة عن اليونانية، عربت من أصل " فيروس" Virros، بمعنى ثوب عريض الكمين، غطاء الرأس ملتصق به، أي هو جزء منه.ويلبس عندهم فوق الثياب. و "القميص" من الثياب المقطعة. ذكر بعض علماء اللغة انه لا يكون إلا من قطن أو كتان، وأما من الصوف فلا. والظاهر انهم خصصوه بالقطن أو الكتان للغالب. وذكر ان الرسول لبس قميصاً من قطن، وكان قصير الطول، قصير الكمّين. والظاهر ان هذه الصفة كانت هي الصفة الغالبة على القمصان، ثم طولت فيما بعد ووسعت أكمامها. و "الخميصة" من الألبسة القديمة. وهي ثياب من خزّ ثخان سود وحمر ولها أعلام ثخان أيضاً. وذكر أن الخميصة كساء أسود مربع له علمان، فإن لم يكن، معلماً، فليس بخميصة. وذكر أنها قد تكون من خزّ أو صوف. والظاهر أنهم كانوا لا يسمون الخميصة خميصة، إلاّ إذا كانت ذات أعلام. وهي من ألبسة الموسرين. و "الرداء"، الوشاح، ويقع على المنكبين ومجتمع العنق. وهو ما يشمر على النصف الأعلى من الجسم لتغطيته، ويكون من قطعة واحدة من القماش، يلف على هذا النصف. قد يكون طويلاً واسعاً، وقد يكون قصيراً. وقد يلف على الجسم رأساً، وهو الغالب، وقد يلف فوق ألبسة أخرى. و" الازار" الملحفة، وما يستر أسفل البدن، والرداء ما يستر به أعلاهٍ. و كلاهما غير مخيط . وقيل الازار ما تحت العاتق والظهر، ولا يكون مخيطاً. فهو قطعة قماش، يلف به القسم الأسفل من البدن لستره. يختلف طوله وعرضه حسب رغبة لابسه. ويلبس الإزار مع الرداء في الغالب، وقد تلبس معه ألبسة أخرى. و "النمرة" شمله فيها خطوط بيض وسود، وبردة مخططة من صوف تلبسها الأعراب. وذكر أن كل شملة مخططة من مآزر الأعراب، فهي نمرة. وجمعها أنمار ونمار. كأنها أخذت من لون النمر، لما فيها من السواد والبياض. وقد لبس النبي النمار. وورد: نبطي في حبوته، أعرابي في نمرته أسد في تامورته. والمطرف: رداء من خز مربع، له أعلام. وهو من الأردية التي يلبسها الأغنياء وذوو اليسار. وذكر ان المطرف رداء في طرفيه علمان. ولبس الجاهليون القباء. وقد كان كسرى قد أهدى " الأكيدر" قباءً من ديباج منسوج يالذهب. وكان من عادة الأكَاسرة أن يكسوا الرؤساء وسادات القبائل أقبية من الديباج للتلطف والإسترضاء. واكتسبت البرد اليمانية شهرة كبيرة بين الجاهليين،وبقيت شهرتها في الإسلام،وهي ذات ألوان. وفي كتب الأخبار: ان وفد رؤساء مكة حينما ذهبوا الى سيف بن ذي يزن ، لتهنئته، ودخلوا عليه في قصر غمدان، وجدوه متضمخاً بالعنبر، يلمع وبِيصُ المسك فى مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران قد ائتزر بأحدهما. واشتهرت برود، " تزيد " عند العرب وضرب بها المثل، كما يضرب ببرود اليمن. وذكر ان العرب تنسب البرود الفاخرة إلى تزيد، ونزعم انها قبيلة للجن. ولبس الجاهليون الألبسة الحمراء مثل: المياثر الحمر والألبسة الحمراء البحتة القانية. وذكر ان الرسول نهى عن لبس الألبسة الحمراء الخالصة التي لا يخالط لونها هذا لون آخر. ولم ينه عن لبس الألبسة المخططة بحمرة مع لون آخر، مثل الحلل اليمانية، وهي إزار ورداء، منسوجان بخطوط حمر مع الأسود. كما نهى الرجال من لبس الربط المضرجة بالعصفر، لأنها من لبس الكفار. ولبس للعرب الثياب المصبغة، وذكر أن ساداتهم كانوا يصبغون ثيابهم بالزعفران. وان من صبغ ثيابه به "ذو المجاسد". وهو من حكّام الجاهلية وفقهائها. وذكر أن العرب كانت مصفقة على توريث البنين دون الأناث، فورّث ماله لولده في الجاهلية للذكر مثل حظ الانثيين. فوافق حكم الإسلام. وورد أن ملحفة رسول الله التي يلبس في اهله مورسة حتى انها لتردع على جلده. وقد كان الأغنياء والشباب يبالغون في ألبستهم، فكان منهم من يشمر ثوبه، ومنهم من يسبله ويتركه يجر الأرض، ومنهم من يبالغ في ردائه خيلاء وتيهاً وتكبراً. ونظراً إلى ما يتركه من أثر في نفوس الفقراء، والى ما فيه من اسراف وتبذير في استعمال الأقمشة، نُهي عن فعل ذلك في الإسلام. وورد النهي عن ذلك في كتب الحديث. وورد النهي عن لبس القمصان ذات الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراح، لأنها من جنس الخيلاء. ويلبس العرب النعال في أرجلهم، ويفضلونها على غيرها من البسة الرجل مثل الخف. وقد ورد ذكرها في شعر النابغة. وتصنع من الجلود المدبوغة، ولا سيما جلود البقر. ويذكر بعض اهل الأخبار أن أول من حذا النعال هو جذيمة الأبرش بن مالك. وقد ضرب العرب المثل بموضع تجميع الأنعلة في الذلة والهوان. فقيل: هو في صف النعال، لا في صف الرجال. دلالة على أن الرجل من الطبقة الذليلة. والخفاف، جمع الخف،هي في منزلة النعل عند العرب. لبسوها في أرجلهم، وشاع استعمالها بين أهل المدر في الحجاز وفي الأمكنة الأخرى. وذكرت في كتب الفقه، في باب الضوء والصلاة، حيث جوّز الفقهاء المسح على الخفين. وورد النهي باستعمال الخفين للمحرم إلاّ عند عدم النعلين، وذلك يدل على استعمال أهل الحجاز للخفاف قبيل الإسلام. ومن الخفاف، نوع يقال له "الموزج"، ويذكر بعض علماء اللغة ان اللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وان أصلها "موزه". وهناك نوع آخر يسمى "الموق" ويجمع على "أمواق"، وقد عرف بأنه خف غليظ يلبس فوق الخف. ويظهر من بيت للشاعر المخضرم النمر بن تولب، ان العباديين كانوا يلبسون الأمواق، إذ وصف مشية النعاج بمشي العباديين في الأمواق. وورد في الأخبار: ان العرب تلهح بذكر النعال، والفرس تلهج بذكر الخفاف. وورد ان النساء كن يلبسن الخفاف، وقد ورد أن أصحاب رسول الله كانوا ينهون نساءهم عن لبس الحمر والصفر. ويقولون: هو من زينهَ آل فرعون. ويعني هذا ان نساء الجاهلية كن يلبسن الخفاف الملونة، فوجد المسلمون ان في ذلك تقليداً للأعاجم فأمرهن بنبذ الملون منها. وقد ضرب العرب المثل بخفي حنين عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة. فيقال: رجع بخفي حنين. وكان حنين إِسكافاً من أهل الحيرة، فساومه أعرابي بخفين، فاختلفا حتى أغضبه الأعرابي، وأراد حنين غيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ أحد خفيه، فطرحه، ثم ألقى الآخر في مكان آخر، فلما مر الأعرابي بأحدهما قال: ما أشبه هذا الخف بحفي حنين ولو معه الآخر لاْخذته، ومضى فلما انتهى إلى الآخر ندم على تركه الأول، فأناخ راحلته ورجع في طلب الأول، وقد كان حنين كمن له، فعمد الى راحلته وما عليها فذهب بها،وأقبل الأعرابي وليس معه إلآ خفان. فقال له قومه: ماذا جئت به من سفرك ? قال جئتكم بخفي حنين فذهبت كلمته مثلا. وحيث أنّي سأتكلم عن ملابس الجاهليين بشئ من الأطناب في أثناء حديثي عن الحرف، لذلك اكتفي بما ذكرته في هذا الموضع عن الملابس، على امل التحدث عنها في ذلك المكان. ومن عادة اهل "نجد" الاستصباح ب "الداذين". مناور من خشب الأرز ليستصبح بها. وهي بنجد من شجر المظ. ومصابيح القوم من الفخار، أي الطين المشوي بالنار، يوضع في بطنه زيت الوقود تتصل به فتيلة تولع بالنار، ليستضاء بها، وذلك في الأماكن التي يندر فيها استعمال الحجر. أما في الأماكن الجبلية ذات الحجر،فيستعمل كذلك المصابيح المستعملة من الحجر، وخاصة في بيوت الكبار والموسرين. ويستعملون فها زيت الزيِتون. ولا يزال بعض الناس يستعملون هذه "الضواية" في الإنارة،وتعرف ب "المسرجة" كذلك. و "السراج" هو المصباح والنبراس و "القراط" شعلة السراج، و "الذبال" ما يحمل "السراج". ويقال سَغّم المصباح، أي مدّه بالزيت. والنسيلة الفتيلة في بعض اللغات. والمشاعل القناديل والزهليق السراج في القنديل. أما الأعراب، فلم يكونوا يعرفون المصابيح، ومصابيحهم نجوم السماء وضوء القمر يهتدون بها ويستلهمون منها معنى الحياة. المأكل والمشرب يختلف أكل العرب عن أكل الأعراب. كما يختلف أكل أهل كل مكان عن أكل أهل مكان آخر من جزيرة العرب. وأكل ألحضر، متنوع نوعاً ما بالنسبة إلى مأكول أهل الوبر. لفقرهم ولشح باديتهم. ولذلك صار طعام الأعراب على العموم بسيطاً. وقد أثر اختلاف نوع الطعام على هيئة الإنسان ووزن جسمه. فصار جسم الأعرابي نحيفاً في الغالب، لبساطة أكله، وقلة المواد النشوية والدهنية فيه. ومن عادات العرب أنهم يقلون من الأكل. ويقولون: البطنة تذهب الفطنة، و "البطنهَ تأفن الفطنة". وكانوا يعيبون الرجل الأكول الجشع. ويرون أن "الأزم"، أي قلة الأكل أفضل دواء لصحة الأبدان. قيل للحارث بن كلدة، طبيب العرب في الجاهلية: ما أفضل الدواء ? قال: الأزم. ولهم في ذلك أمثلة كثيرة في الأزم، وضرر البطنة. رووا بعضاً منها على لسان لقمان، ورووا بعضاً آخر على ألسنة الحكماء العرب. وهم يعالجون البطنة بالحمية. لأن المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء. وهم يرون أن الشبع والامتلاء يضعف الفطنة. أي الشبعان لا يكون فطناً لبيباً. فللأكل علاقة كبيرة بالفطنة والعقل والذكاء. وللعرب مصطلحات عديدة في درجات الأكل. أي من حيث كيفية تناول الطعام، ومن حيث الاقبال عليه إلى حد التخمة. ولما كان الاكثار من الأكل معيباً عندهم وضعوا ألفاظاً في هؤلاء الذين كانوا يسرفون في الأكل، فإذا دعوا إلى وليمة أسرفوا في الأكل، وأقدموا عليه، وكاًنهم جاؤوا من سني قحط. وعابوهم، ومدحوا من اعتدل في أكله وتوسط فيه، وأظهر نظافة وأدباً في تعاطيه. ومن عادات العرب، انهم كانوا يبكرون في الغداء، ويرون أن ذلك أقرب إلى راحة البدن وصحته، ويؤخرون العشاء. وماكل الأعراب قليلة شحيحة مثل شح البادية، خاصة إذا انحبس المطر وهلك الزرع. فإن رزقه يقل وقد يذهب ما معه من زاد فيهلك خلق من الأعراب من شدة الجوع. قيل لأعرابي ما طعامكم ? قال: "الهبيد، والضباب واليرابيع، والقنافذ والحيات، وربما والله أكَلنا القد، واشترينا الجلد، فلا نعلم والله أحداً أخصب منا عيشاً ". و "الهبيد ": حب الحنظل، تنقعه الأعراب في الماء اًياماً، ثم يطبخ ويؤكل. وأما القد، فجلد السخلة. "وفي حديث عمر، رضي الله عنه، كانوا يأكلون القد. يريد جلد السخلة ". وكانوا يفصدون عرق الناقة ليخرج الدم منه فيشرب، يفعلونه أيام الجوع. كما كانوا يأخذون ذلك الدم ويسخنونه إلى أن يجمد ويقوى فيطعم به الضيف في شدة الزمان، إذا نزل بهم ضيف فلا يكون عندهم ما يقويه، ويشح أن ينحر المضيف راحلته فيفصدها. و"الفصيد" دم كان يوضع في الجاهلية في معى من فصد عرق البعير ويشوى وكان أهل الجاهلية يأكلونه وتطعمه الضيف في الأزمة. وأما " الفصيدة "، فتمر يعجن ويشاب بدم. وهو دواء يداوى به الصبيان. ويقال للفصيد "البجة" كذلك. و "البجة" دم الفصيد، يأكلونها في الأزمة. والبج الطعن غير النافذ، فقد كانوا يفصدون عرق البعير ويأخذون الدم يتبلغون به في السنة المجدبة. جاء في الحديث: "إن اللّه قد أراحكم من الشجة والبجة"، وورد "أراحكم الله من الجبة والسجة ".أي قد أنعم عليكم بالتخلص من مذلة الجاهلية وضيقتها ووسع لكم الرزق وأفاء عليكم الأموال. وكان أحدهم إذا نال شربة من اللبن الممذوق بالماء، وخمس تميرات صغار، ظن نفسه ملكاً، ودب اليه نشاطه. قال الشاعر: إذا ما أصبنـا كـل يوم مُـذيقة وخمس تميرات صغار كـنـائز فنحن ملوك الأرض خصباً ونعمة ونحن أسود الغاب ضد الهزاهز وكم متمنّ ٍ عيشـنـا لا ينـالـه ولو ناله أضحى به حـق فـائز وأكل الجراد معروف مشهور عند الأعراب. يأكلونه نيئاً، وقد يطبخونه أو يحمصونه ويلقون عليه شيئاً من الملح. وقد يأكلونه بالتمر. وبغيره، وهو عندهم طعام لذيذ. ويذكر بعضهم أن الإنسان قد يصاب بالشري من أكله، وقد يشكو من بطنة قد تصيبه. وغالب أكل الأعراب لحوم الصيد والسويق والألبان. وكانوا لا يعافون شيئاً من المآكل لقلتها عندهم. حتى أنهم كانوا يأكلون كل شيء تقع أيديهم عليه. ولا نجد من كتب أهل الأخبار ما يفيد تحريم العرب لأكل بعض الحيوان. بل نجد أن اغلبهم قد استباحوا أكلها جميعاً. مهما كان ذلك الحيوان صغيراَ او كبيراً حسن المنظرأو قبيحه، من ذات الأظلاف أو من غيرها. حياً كان أم ميتاً. وذلك لفقرهم ولشدة الجوع عندهم. فلما جاء الإسلام حرم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير والمختنقة وحدد الذبح وما يمكن أكله من الحيوان، بسبب ما كان يصيب الناس من أكل لحومها من أضرار. وقد أكلوا لحوم الحمر الوحشية والحمر الأهلية، فنهى الإسلام عن أكلها لما في ذلك من ضرر. وتمنىّ أحد الرجّاز لو اصطاد ضبّاً أوسحبلا سميناً، ليفوز بلحمه من شدة الفاقة والحاجة إلى اللحم. نعم لقد ورد أن بعض القبائل عافت أكل لحوم بعض الحيوانات، أو عابت أكل بعض أجزائها، إلا ان هذا لا يعتبر عاماً، كما انه من قبيل العرف والعادة أو مما له علاقة بالعقائد عندهم. فقد ذكر ان قبيلة "جعفى" كانت تحرم أكل "القلب"، إلا ان هذا التحريم هو تحريم خاص بهذه القبيلة. أما القبائل الأخرى فقد كانت تأكله ولا تبالي، لأنه غير حرام عندها. وفي أيام الشدة وفي الأيام الأخرى أيضاً يرسل الأعراب أولادهم لجمع الحنظل، فإذا جمع نُقفِ، لإخراج هبيدة، أي حَبّه، لطبخه، أو تحميصه لأكله. وقد تفاخر "حسان بن ثابت" بالغساسنة، لأنهم كانوا في بحبوحة من العيش، وليسوا بصعاليك يرسلون ولائدهم لنقف الحنظل. والى ذلك أشار "امرؤ القيس" بقوله: كأني غداة البين حين تحمـلـوا لدى سمرات الحي ناقف حنظل وقد كانوا يقاسون من شدة الجوع والفقر في بعض السنين حتى يموت من يموت منهم من الجوع. قيل: " كانوا إذا اشتد بهم الجوع وخافوا أن يموتوا أغلقوا عليهم باباً وجعلوا حظيرة من شجرة يدخلون فيها ليموتوا جوعاً"، "ولقي رجل جارية تبكي فقال لها: ما لك ? فقالت نريد أن نعتفد"، "والأعتفاد أن يغلق الرجل بابه على نفسه، فلا يسأل احداً حتى يموت جوعاً ". فالاعتفاد انتحار للتخلص من ألم الجوع. قال بعض المدنيين لبعض الأعراب: أتأكلون الحيّات والعقارب والجعلان والخنافس ? فقال: نأكل كل شيء إلا ام حُبين. فقال المدني: لتهَنِ أم الحُبَين العافية. فالفقر كافر، والجوع يدفع الإنسان إلى،اكل كل شيء. والعرب تكني عن الجوع ب "أبي مالك". وتسمي الخبز جابراً وعاصماً وعامراً. وقد كنّت عنه وعن الإفلاس ب "ابي عمرة". وهو على فقر اكله وبساطته وجوعه يهزأ بأكل الحضر ويسخر منه، ويرى فيه طعاماً صعباً لا يهضم. وأكلاً لا يناسب مزاج العرب. إذا أكله آكل اْصيب بمرض. وهو محقّ في ذلك، فرجل ذو معدة فارغة، لا يذوق إلا القليل من الأكل والماء، لا تتمكن معدته من هضم طعام مهما كان بسيطاً، فإنه ئقيل بالنسبة إلى معدة الأعرابي، فإذا اقبل على أكل طعام أهل الحضر، وهو طعام غير مألوف عنده أصيب ببطنه تجعله يكره أكل الحضر، وطعام أهل القرى والمدن، ويعجب كيف يأكله أولئك ثم لا يصابون بمكروه. قال أعرابي قدم الحضر فشبع فاتخم: أقول للقوم لما ساءني شبعـي ألا سبيل الى أرض بها الجوع الا حيل إلى ارض يكون بهـا جوع يصدع منه الرأس ديقوع وقد كان الجاهليون يأكلون كل ما وقع تحت أيديهم من حيوان مقتول أو ميت، فنزلت الحرمة عن ذلك في الآية: )حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع. إلاّ ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقيموا بالأزلام ذلكم فسق(. وذكر أن أهل الجاهلية كانوا بخنقون الشاة وغرها،فإذا ماتت أكلوها. وأنهم كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حنى يشلوها فيأكلوها. وذكر أن الموقوذة: هي التي ترمى أو تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية. والوقذة شدة الضرب. وأما المتردية، فهي الي تتردى من العلو إلى الاسفل فتموت، كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه. وسواء تردت بنفسها أو ردّاها غيرها. وكانت الجاهلية تاًكل المتردي، ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف. فأما هذه الأسباب، فكانت عندها كالذكاة. فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة. وبقيت هذه كلها ميتة. و لَذا النطيحة وأكيلة السبع التي فات نفسها بالنطح والأكل. وكانت الجاهلية تأكل النطيحة الميتة كما تأكل الشاة التي يأخذها السبع فتخلص منه، وكذلك إن أكل بعضهاْ. وقد كان الجاهليون يستحلون أكل المحرمات المذكورة التي حرمت في الإسلام، ويأكلون ما يذكى من الحيوان على الأنصاب للاصنام، وما يذكى على غيرالأنصاب على نحو ما يفعل القصاب. والذكاة في كلام العرب الذبح. فلما جاء الإسلام حدد الذبح، على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة، ولو بعض حياة. فأبطل ذكاة ما خمد نفسه من حيوان. وهو بهذا خالف الجاهليين، إذ لم يشترطوا الشروط الني اشترطها الإسلام في الذبح.. وللاغنياء والحضر آداب في مآكلهم، تبدأ بغسل الأيدي في الغالب، لازالة ما قد يكون قد علق بها من أتربة وأوساخ، فإذا انتهوا من غسل الأيدي، أكلوا بها. إذ قلما كانوا يستعملون السكاكين و "الملاعق" و "الشوكات" في أكلهم على نحو ما كان يفعله أغنياء العجم.وإذا انتهوا من طعامهم غسلوا.أيديهم كذلك لتنظيفها من الدسم ومن المواد الأخرى التي تكون قد علقت بها من بقايا الطعام. والأكل باليد عادة شائعة بين الشعوب السامية، يرون لها مزايا على الاستعانة بأدوات الأكل في الأكل، حتى صارت في حكم العرف والعادات،بل جعل الأكل باليد من السنن المحببة في الدين. وتستعمل "الربطة" وهي المنديل و "الفوطة" لمسح اليد وتنشيفها من الماء. وقد استعمل الملوك والأغنياء المناديل المصنوعة من الحرير أو من الكتان، وهي غالية في ثمينة. وذكر بعض علماء اللغة ان الربطة لا تكون إلا بيضاء. والمنديل الذي يمسح به من أثر الماء وغيره. ويظهر أن "الفوطة" و "الفوط" من الألفاظ المعربة، ذكر انها من لغة سندية معربة "بوته". وهي في الأصل ثياب تجلب من السند، غلاظ قصار تكون مآزر، أو هي مآزر مخططة يشتريها الجمالون والأعراب والخدم وسفل الناس، فيأتزرون. ثم استعملت في معنى "منديل" و "مناديل"، يضعها الإنسان على ركبتيه ليقي بها ملابسه عند الطعامْ. وقد استخدم الملوك والأغنياء الخدم في تقديم والأطعمة والأشربة، وكما كان يفعل ملوك الفرس والروم وسراتهما، في كسو خدمهم أكسية خاصة نظيفة وإلباسهم "سراببل"، معتملة، كذلك فعل ملوك العرب وسراتهم ولا سيما عرب العراق وبلاد الشام، بخدمهم، وقد قرطوا آذانهم بالنطف أي الأقراط احياناً مبالغة في تزيينهم، حتى يعطى جوّ المآدب والضيافة لوناً شعرياً خاصاً. فإذا قدم شيئاً، وضع المنديل أو الديباجة على كتفه، ووضع تحت صحن الطعام شيئاً ثم يقسمه إلى الضيوف. ويختلف الحضريّ عن الأعرابي في طريقة أكله. فإذا تناول الحضريّ لقمة صغرها وأكلها بأطراف الأسنان، وحاول جهده ألاّ يملا فمه بلقمة كبيرة، فيبدو الفم منتفخاً منها. وهذا ما يخالف مألوف الأعرابي. "قدم أعرابي على ابن عم له بمكة، فقال له: إنّ هذه بلاد مفضم وليست ببلاد مخضم".والخضم أكل بجميع الفم. والقضم دون ذلك. وقيل الخضم: ملء بالمأكول. ويعد أكل "اللحوم" من أطايب الحياة، ومن المفاخر التي يتباهى بها الناس على غيرهم، إذ لم يكن في ميسور كل إنسان الحصول على اللحم، ولا سيما "اللحم السمين". وإذا أضيفت اليها الخمور والطيب، والنساء، تمت بذلك مباهج الحياة. وقد عبر عن "الخمور واللحم والطيب"، بالأحامرة الثلاثة. وكانت هذه تستنزف المال، لما ينفق الإنسان في الحصول عليها من ماله. قال الأعشى: إن الأحامرة الثلاثة أهلكـت مالي، وكنت بها قديماً مولعا وقال: الخمر واللحم السمين، واطلي بالزعفران، فلن أزال مولعا وكان من تنصر من العرب يأكلون لحم الخنزبر. يأكلونه أشد الأكل، ويرغبون في لحمه أشد الرغبة. وذكر أن غيرهم كانوا يأكلونه أيضاً. وزعم "أن العرب لم تكن تأكل القرود"، وروي انهم كانوا يأكلون كل شيء يقع بين أيديهم لشدة الفاقة والحاجة، ولا سيما الأعراب. فأكلوا دم "الفصيد"، وكانوا يحبونه، ويرون انه يورث القوة. وورد في ألسنة الناس "أهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر". وورد أيضاً "أهلك النساء: الأحمران، الذهب والزعفران". وذلك لما كان الرجال والنساء ينفقونه من مال، للحصول على هذه الأشياء: ورد أيضاً: "الأحمران: الطيب والذهب". وتسربت إلى أهل الحجاز وسائر جزيرة العرب مأكولات أعجمية أخرى، حافظت بعضها على أصالتها وعلى عجمتها. فذكر إن أهل المدينة، لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر، علقوا ببعض مأكولاتهم، فسموا السميط "الرزدق" والمصوص المزور، والبطيخ الخريز، ومأكولات أخرى، أدخلها هؤلاء الفرس وأمثالهم بحكم نزولهمء اعما اله س ب قبل الإسلام. والثريد، هو طعام محبوب مشهور عند العرب. وهو طعام يتكون من فت الخبز وتهشيمه ثم بله بالمرق. والغالب أن يكون بالمرق واللحم. وقد اشتهر "هاشم بن عبد مناف"، بتقديمه الثريد لقومه. ومن أكلات العرب المعروفة "الحريقة"، وهي أن يذر الدقيق على ماء أو لبن حليب فيحتسى، وهي أغلظ من السخينة يبقى بها صاحب العيال على عياله وقت الشدة. و "الحيسة" وهي تمر وسمن وأقط، وقد أهدت "أم سليم" حيسة إلى الرسول وضعتها في "برمة" في قدر من حجر، وأرسلتها إليه، لمناسبة دخوله "زينب". وعند العرب أكلات تعير بها من يأكلها، منها "السخينة"، وهي تتخذ من الدقيق، دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء، وإنما يأكلونها في شدة الدهر وغلاء السعر وعجف المال. والظاهر أنها كانت أكلة معروفة عند قريش خاصة، وعند العرب أكلات تعر بها من يأكلها، منها "السخينة " لذلك عُيرّت بها. وقد عيَّرها "حسان بن ثابت" بها، فدعاها "سخينة"، كما سماها بهذه التسمية كعب. وقد مازح "معاوية" "الأحنف بن قيس"، فقال: ما الشىء المُلففُ في البجاد ? قال: هو السمينة يا أمير المؤمنين. وإنما أراد معاوية قول الشاعر: إذا ما مات ميت من تـمـيم فسرّك أن يعيش فجىء بزاد بخبز أو بتمـر أو بـسـمـن أو الشيء الملففِ في البجادَ تراه يطوف في الافاقِ حرصاً ليأكل رأس لقمان بـن عـاد وكان الاحنف من تميم، وإنما أراد الأحنف بالسخينة رمي قوم معاوية بالبخل، لأنهم كانوا يقتصرون عليها عند غلاء السعر حتى صار هذا اللفظ لقباً لقريش. والشواء هو الطريقة الشائعة بين الأعراب وأهل الريف في طبخ اللحوم. فهو وطريقته سهلة: توقد نار، ثم يوضع اللحم عليها، ومتى نضج أكل. فكان أهل الوبر إذا اصطادوا أو ذبحوا لضيف، أوقدوا ناراً، واشتووا اللحم وأكلوه. ونجد في قصص أجواد العرب، مثل حاتم، انهم كانوا ينحرون الإبل أو يذبحون فرساً، ثم يوقدون ناراً يشوون اللحم عليها. ويدعى الناس إلى الأكل، فإذا فرغوا منه، مَشّوا أيديهم بكل ما يكون أمامهم، حتى أعراف الجياد. نجد ذلك في شعر لامرىء القيس: وللعرب أواني استخدموها لتقديم الطعام بها الى الضيوف. منها: الفيخة والصحفة، وهي تشبع الرجل، والمكتلة تشبع الرجلين والثلاثة والقصعة تشبع الأربعة والخمسة، والجفنة تشبع ما زاد على ذلك، والدعيسة وهي أكبر الأواني عندهم. وقيل أكبرها الجفنة التي ورد ذكرها في شعر الشعراء على سبيل الفخر والمدح. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#132 |
|
عضو فضي
|
الذبح
والغالب على الجاهلين ذبح الحيوان،لأخذ لحمه، وذلك بقطع الحلقوم بسكين. يفعلون ذلك في الشياه والكباش والتيوس والطيور والدجاج. أما بالنسبة الى السمك وما يستخرج من البحر، فإنهم يتركونه حتى يموت، أو يشقون بطونها وقد يذبحونها أيضاً. ويأكلون الميت منه كذلك. واما الإبل، فإنهم ينحرونها، ونحر البعير طعنه في منحره. وكانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه، أي قطعوا أحد قوائمه ثم ينحر، يفعل ذلك به كيلا يشرد عند النحر. هذا هو الأصل في الحصول على اللحم، ولكنهم كانوا كما جاء في القرآن الكريم لا يعافون أكل الميتة والمختنقة والمتناطحة، لفقرهم وجوعهم. مع ما كان يلحقهم من ضرر من أكلها بسبب فسادها. ولذلك حرم أكل لحومها في الإسلام. والعادة عند العرب أن من العيب بيع شيء من طعام لمن هو في حاجة اليه. وهم يشعرون بالخجل وبالإهانة إذا طلب معسر طعاماً أو شراباً كلبن أو ماء ثم لا يجاب طلبه،أو يطلب عن ذلك ثمناً يقبضه مقابل ما قدم من طعام شراب. لأن القرى واجب على كل عربي،ولا يكون القرى بثمن. فكيف يقف إنسان موقف بخل وإمساك أمام مرمل محتاجْ. ويقال لكل ما يؤكَل "الطعام" ث فالطعام اسم جامع، وجمعه أطعمة. وأشهر وجبات الطعام عند العرب الغداء والعشاء. فالغداء وقت الغدي، والعشاء وقت العشى. أما الفطور، وهو ما يتناوله الإنسان صباحاً، أي عند نهوضه من نومه، فليس له عند غالبية العرب مقام كبير ة كَمقام الغداء أو العشاء ولا سيما عند أهل الوبر، وحظه مع ذلك عند أهل المدر أحسن حالاً وأكثر مكانة. والطعمة: الدعوة إلى الطعام. ويعبر عن الطعام ب "الزاد" كذلك. وورد أن الزاد: طعام السفر والحضر. وورد: التزود بمعنى اتخاذ الزاد. وأما "العيش"، فالزاد والطعام في لغة أهل اليمن. الضيافة والأضياف وعرف الجاهليون بالقرى، أي اطعام الأضياف. والجود خلة يتفاخر بها العرب ويتسامون، حتى إن بعضهم أوقد ناراً ليراها الأضياف فيستدلون بها على المنزل، وتسمى هذه النار: "نار القرى"، أي نار الضيافة. وأفقر رجل عندهم يقوم قدر حاجته وامكانه إكرام من يفد عليه. والبخل سجيه مذمومة يعاب بها، وتكون سبة بين الناس. وهو لؤم، واللؤم قبيح بالعربي. ولا يقتصر واجب الضيف على تقديم الطعام لضيفه والترَحيب به، بل عليه حمايته والدفاع عنه ما دام في بيته. فإذا اعتدى عليه، كان الاعتداء كأنه وقع على المضيف، وخزي وكسف اسمه بين الناس. بلحق العار به وبأسرته، فلا بد له من حماية ضيفه والدفاع عنه مهما كان شأنه وحاله من ضعف وفقر، فإن كان عاجزاً استدعى قومه للدفاع عن اسمه من المعتدين. وخفرة الجار ثلاث، فإذا انتهى الأجل ومضى اليوم الثالث، انتهت خفرة الجوار، وعلى الضيف الخروج. وفي أثناء الضيافة ونزول الضيف في خفرة مضيفه، يكون في مأمن وفي حمى جاره، فإن وقع عليه شيء، طالب مضيفه بالانتصاف ممن أهان ضيفه، لأنه في ضيافته،وتكون الإهانة كأنها قد لحقت به. وورد في الأخبار اًن العرب أصحاب حياض. وانهم كانوا يقرون في الحياض وينفون إلأقذاء عن الماء، وذلك لما للماء من أهمية في جزيرة العرب،فعليه تتوقف حياة الإنسان. ولذلك عدت السقاية في مكة مفخرة من مفاخر قريش. وقد فسرت هذه السقاية بأنها وضع الماء في حياض داخل الحرم ليستقي منها الحاج، والاستقاء مجاناً من ماء زمزم للفقراء والمعوزين. وقد يكون هذا هو الأصل من السقاية. غير إن أهل الأخبار يشيرون أيضاً إلى نوع. أخر من السقاية كان يليها الهاشميون في مكة وذلك بإسقاء الحاج الزبيب المنبوذ في الماء مجاناً لهم. وهو أغلى واثمن من الماء. وذكر إن "بني أفصى بن نذير بن قسر بن عبقر". وهم من بجيلة، كانوا "لم ينزل بها نازل قط إلا عمدوا إلى ماله فحبسوه ودفعوه إلى رجل يرضون أمانته ومانوه بأموالهم ما أقام بين أظهرهم. فإذا ظعن أدوا إليه ماله ورحلوا معه. فإن مات ودوه، وإن قتل طلبوا بدمه، وإن سلم ألحقوه بمأمنه. وفي ذلك يقول عمرو بن الخثارم:. ألا من كان مغترباً فإنـي لغربته على أفصى دليل يعينون الغنيّ على غنـاه ويثرو في جوارهم القليل وطبيعي أن يكون بينهم من يشذّ عن العرف ويخالف المألوف، فيمسك يديه ويبخل. فقد روي أن ناساً سافروا من الأنصار فأرملوا فمروا بحي من العرب فسألوهم القرى فلم يقروهم، وسألوهم الشراء فلم يبيعوهم، فأصابوا منهم وتضبطوا. أي أخذوه على حبس وقهر. ولائم العرب وللعرب في المناسبات ولائم يقيمونها يدعون إليها الأقرباء والجيران ومن لهم معرفة بهم، لمشاطرتهم الأنس والفرح في تلك المناسبة. كما كانوا يدعون الناس إلى الطعام في أوقات الأتراح أيضاً، وذلك مثل وفاة عزيز، أو مرور أمد على ذكراه، ولهم ولائم أيضاً في المناسبات الدينية. والغاية من كل ذلك هو مشاطرة من يدعون أصحاب الدعوة في مشاعرهم والاجتماع بهم. ويذكر علماء اللغة أن "الوليمة" طعام العرس، أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها. وقد ع كانت العادة إيلام الولائم في الأعراس، لذلك غلب اسم الوليمة على وليمة الاعراس. وذكر أن الرسول قال لعبد الرحمن بن عوف: أولم ولو بشاة. أي اصنع وليمة. والدعوة اسم لكل طعام دعيت اليه الجماعة. فهي تشمل كل أنواع الطعام والدعوات. وبهذا المعنى ترد لفضة:المأدبة. حيث يدعى الناس الى الطعام لمختلف المناسبات. وهي أعم من الوليمة. وتذبح الذبائح في الولائم ولمناسبات اكرام الضيوف. والمفرد "ذبيحة". وان كانت تدل على أنثى، غير أنها قد تكون حيواناً ذكراً. فلا يشترط فيها أن تكون شاة، بل يجوز أن تكون خروفاً. وهي لا تختص بحيوان معين، فقد تكون جملاً وقد تكون ناقة. ويقال لما يهلّ للالهة: "ذبائح" كذلك. وتكون الذبائح في مناسبات إكرام الضيف، تبعاً لمنزلة الضيف. فإذا كان الضيف ملكاً مثلاً أو سيد قبيلته بولغ في عدد الذبائح التي تقدم له، إكراماً لمنزلته ومكانته. والوليمة هي طعام الإملاك، وقد تطلق على الولائم عامة، ولكن الناس يخصصونها في الغالب بمثل، هذه الحالات. فيقولون وليمة العرس، ووليمة الختان، ونحو ذلك. والدعوة أعم من الوليمة. وأما "الخرس" فطعام الولادة، وقيل: الطعام الذي يصنع للنفساء سلامة المرأة من الطلق. و "العقيقة"، وهي طعام سابع الولادة، و "الاعذار" "العذيرة" الطعام يصنع للختان، و "النقيعة" طعام الإملاك، أي التزويج، وقبل: وما يصنع للقدوم من السفر، وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم، والتي تصنع له تسمى التحفة، و "الملاك" ما يصنع للخطبة، ويقال: "الاملاك"، ودعي طعام "الاملاك" ب "الشندخ" كذلك. وقيل إنما قبل لطعام الإملاك "الشندخ"، لأن الشندخ هو الفرس الذي يتقدم بقية الخيل. وحيث أن طعام الإملاك هو طعام يتقدم العرس،. أيَ هو طعام الزفاف، أو ما يصنع للخطبة، لذلك قيل له: الشندخ. وذكر بعض العلماء الشندخ: الطعام يجعله الرجل إذا ابتنى داراً أو عمل بيتاً، أو قدم من سفر أو وجد ضالته. وقد أشير الى "النقيعة" على أنها الطعام الذي يصنع للقادم، والناقة التي ينحرها القادم للطعام الذي يتخذه، في شعر ينسب إلى "مهلهل" هو-: إنّا لنضرب بالسيوف رؤوسَهم ضرب القدار نقيعة القُـدام وذكر أن النقيعة كل جزور جزرت للضيافة. ومنه قولهم: الناسم، نقائع الموت. وذهب بعضهم إلى أن النقيعة طعام الرجل ليلة يملكْ. وورد أيضاٌ أن "المنقع"، طعام المآتم، وأن النقيعة الذبيحة التي تذبح عند الوفاة، والنقع، رفع الصوت وشق الجيب. وهذا المعنى يخالف بالطبع المعنى المتقدم لذلك الطعام. وإذا قام الإنسان بعمل مفيد جديد، فقد يصنع وليمة لهذه المناسبة. فإذا قام انسان ببناء بيت، أو أي بناء اخر جديد، أو استفاد الرجل شيئاً جديداً، يتخذ طعاماً يدعو اليه اخوانه وأصدقاءه، ويسمون ذلك: العذار. وذكر أيضأ ان العذار طعام البناء وطعام الختان، وأن تستفيد شيئاً جديداً فتتخذ طعاماً تدعو اليه اخوانك. وأما "الوكيَرة"، فهي طعام يصنع غد تمام البيت يبنيه الرجل لنفسه، مشتقة من "الوكر"، وهو المأوى والمستقر. وعادتهم عند الانتهاء من بناء بيت، دعوة الأقرباء والاصدقاء إلى وليمة لمشاركَة صاحب البيت في أنسه وفرحه بتمام البيت. و "العقيقة" من الولائم التي يدعى الناس، اليها، لمناسبة المساهمة بفرح أهل مولود، حيما يحلقون شعر رأسه لأول مرة، أي الشعر الذي ولد به. وقد تكون العقيقة في الأسبوع الأول من ولادة المولود. وعندئذ يعلن عن اسم المولود الذي سيعرف به. والختان من المناسبات المبهجة في حياة الأسر. لذلك يولم الناس ولائم لهذه المناسبة يدعونها "العذيرة"، والجمع الإعذار. والمعذور هو المختن. وقد كان الاختتان معروفاً بين الجاهلين. ويقال للعذيرة أيضاً: العذار والإعذار والعذير. وكل ذلك في معنى طعام الختان. وفي الحديث: الوليمة في الاعذار حق.وورد في الحديث أيضاً: كنا اعذار عام واحد، أي ختنا في عام واحد. وكانوا يختتنون لسن معلومة فيما بين عشر سنين وخمس عشرة. و "القرَى": ما يصنع للضيف، و "المأدبة": كل طعام يصنع لدعوة، و "الآدب" صاحب المأدبة. وإذا كانت الدعوة عامة مفتوحة للجميع " قيل لها "الجفَلى"، أما إذا كانت خاصة يقال لها: "النقرى". وفي هذا المعنى ورد في شعر طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفًلى لا نرى الآدِبَ منها ينتقـرْ ويقال انتقر الرجل إذا دعا بعضاً دون بعض، فكأنه اختارهم واختصهم من بينهمّ. ورد أن الجَفَلى، ويقال لطعامها الجفالة، الوليمة، التي ينادي الداعي فيها جميع القوم، أي كل من حضر إلى الطعام. ولا يستثني أحداً، فكل من حضر يحضر تلك الوليمة عكس النقرى، حيث ينتقر الداعي، أي صاحب الوليمة الأشخاص، بأن يذكر أعيانهم، ولا يدعى غير هؤلاء المنتقرين إلى تلك الوليمة، وهي لذلك مذمومة. يقال نقرت باسمه، أي أسميته بين جماعة. وقد يقدم طعام يتعلل به قبل الطعام، يعرف عندهم بي "السلفة". وإذا أريد أن يكرم الرجل بطعامه عبّر عن ذلك بلفظة "القفيّ". وأما ما يرفع من المرق للانسان، فيقال له "القفارة"، وذلك دلالة على التكريم والتقدير. وإذا هلّ هلال شهر رجب، دعي بعض الناس إلى وليمة يسمونها "العتيرة". ولشهر رجب حُرمة ومكانة ومنزلة خاصة في نفوس الجاهلين. وقد كان الجاهليون ينذرون، انهم إذا كثر مالهم، فانهم يذبحون منه، ما يذكرون عدده في هذا الشهر. وكان منهم من يذبح من الإبل حين يبلغ الحد الذي ذكر في النذر، ومنهم من يذبح الشاة. كما كانوا ينذرون بتقديم عتيرة في كل نذر آخر يريدون تحقيقه. فإذا أولموا لذلك وليمة أو وزّعوا لحم العتيرة أو طعامها على الناس فعملهم هذا عتيرة. وهناك عتيرة أخرى، هي الذبيحة التي كانت لّذبح للأصنام ويصبّ دمها على رأسها فهذه عتيرة أيضاً. المتطفلون وقد عاب أهل الجاهلية أهل التطفل ومن يتحين طعام الناس، أو يكثر من السؤال. وقالوا للحريص من الرجال "الفلحس". وقالوا: أسأل من "فلحس"، و "تفلحس الرجل"، إذا تطفل. وذكر أهل الأخبار أن "الفلحس" رجل من بني شيبان، زعموا أنه كان إذا أعطي سهمه من الغنيمة، سأل سهماً لامرأته ثم لناقته، وكان يسأل سهماً في الجيش. وهو في بيته، فيعطى لعزه وسؤدده، فقالوا: "أسأل من فلحس". وذكر أنه كان حريصاٌ رغيباً وملحفاً ملحاً، وكل طفيلي، فهو عندهم فلحس. والطفيلي الذي يدخل الولائم والمآدب بلا دعوة. وقد نسب التطفل إلى رجل من أهل الكوفة، زعموا ان اسمه "الطفيل بن زلال "، وهو من "بني عبدالله ابن غطفان" " كان يأتي الولائم بلا دعوة، وكان يقول: وددت أن الكوفة مصهرجة، فلا يخفى عليّ منها شيء. فنسب الطفيليون اليه. المعاقرة العقر قطع قوائم الفرس أو الإبل أو الشاة بالسيف، وهو قائم. يقال جمل عقير. بمعنى مقطوع القوائم وكذلك ناقة عقيرة، أي قطعت إحدى قوائمها أو قوائمها. وكان الموسرون منهم يتعاقرون، يفاخر بعضهم بعضاً ويتفاضلون في عقر الإبل، ويتبارون في ذلك ليرى أيهم أعقر لها، فيكون له الفضل والفخر على الغير. ومن ذلك معاقرة "غالب بن صعصعة" أبي الفرزدق و "سحيم ابن وثيل الرياحي"، لما تعاقرا ب "صوأر"، موضع من أرفى، "كلب" من طرف السماوق، مسافة يوم وليلة من ا إكوفة مما يلي الشام. نعقر "سحيم" خممساً ثم بدا له، وعقر غالب مائة. ذكر أنهم كانوا يفعلونه رياء وسمعة وتفاخراً، ولا يقصدون به غير ذلك، ولهذا نهي عنه في الإسلام، لأنه لم يقصد به وجه الله. جاء في حديث ابن عباس" لا تأكلوا من تعاقر الإعراب، فإني لا آمن من أن يكون مما أهل به لغير الله. قال ابن الأثير: هو عقرهم الإبل. كان الرجلان يتباريان في الجود والسخاء، فيعقر هذا وهذا حتى يعجز أحدهما الآخر، وكانوا يفعلونه رياءٌ وسمعة وتفاخراً ولا يقصدون به وجه الله تعالى فشبهه.بما ذبح لغير الله. وفي الحديث لا عقر في الإسلام. قال ابن الأثير: كانوا يعقرون الإبل على قبور الموتى أي ينحرونها ويقولون: إن صاحب القبر كان يعقر للاضياف أيام حياته فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته. وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم. وفي الحديث لا تعقرن شاة ولا بعيراً إلاّ لمأكلة، وإنما نهي عنه، لأنه مثلة وتعذيب للحيوان. مبرات جاهلية و كانت للجاهليين مناقب ومبرات ومكرمات،فعلوها في جاهليتهم وقبل إسلامهم. لا ندري إذا كانوا فعلوها عن دين وعقيدة في ثواب تثيبهم الآلهة عليها في هذه الدنيا أو في الدنيا الآخرة، وذلك بالنسبة لمن آمن بوجود عالم ثان، أم أنهم فعلوها عن مروءة وكرم نفس. فمنها "السقاية": سقاية مكة وهي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وذلك في ايام الجاهلية. وكانت تعد- مأثرة من ماثرهم، أو اقامة البيوت في المواسم وعلى الطرق وفي المعابد تتخذ سقاية يستقي منها الناس بلا ثمن. وقد ورد في الحديث: انه كان يستعذب الماء من بيوت السقيا. ومن مبراتهم قبة عوف بن أبي عمرو بن عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، لا يدخل جائع إلا أشبع، ولا خائف إلا أمن. ومنها نخل ربيعة بن الأسود اليشكريّ، وكان جعلها لابن السبيل وكل مقطوع وقره فيها. فلما كانت حجة الوداع، ووضع رسول الله كل دم ومكرمة في الجاهلية إلا السدانة والسقايا، قام ابن ربيعة بن الأسود، فقال: يا رسول الله إن أبي كان وقف نخلاً على أبناء السبيل أفهي مكرمة له ? فأمضها. فأمره النبي بإمضائها. وقد مدح أولاده ونسله فنعتهم أحد الشعراء ب "بني مورث الأضياف من آل اسود". وتذكرهم معاوية، فقال: "وددت أن صاحب نخل ربيعة بن أسود مكان الخلافة. لي". مياه الشرب ولما كان الجفاف هو الغالب على طبع جزيرة العرب. لذلك قل " الماء فيها، واضطر الناس إلى قطع المئات من الأميال للوصول إلى موضع ماء للتزود به. ولهذا صار عزيزاً عندهم ثميناً، فقد تنقذ كمية قليلة منه حياة شخص. وتكثر الحاجة اليه بصورة خاصة في الصيف: حيث تكثر الحرارة، فيشتد العطش، ويظطر الإنسان إلى الاكثار من شرب الماء لكسر حدة ذلك العطش. ولذلك يقترب الناس في مواسم الصيف من مواضع الماء، حتى إذا نفد ما عندهم منه، ذهبوا إلى أقرب ماء اليهم، للتزود به. وألذّ المياه عند العرب ماء الغيث. أي ماء المطر، فإذا جادت السماء به، سال إلى المواضع المنخفضة وتجمع بها، فيأتي الأعراب اليها للاستقاء منها. ولهم أسماء ومصطلحات عديدة لأنواع المطر ولمواضع تساقطه، نظراً لما لذلك من علاقة بحياتهم، ولما لهم من حاجة شديدة الى الغيث. والعيون والآبار والحسي، هي من المنابع الأخرى إلتي أمدت العرب بالماء والعين، هي ينبوع الماء الذي ينبع من الأرض. وقد تطلق على موضع تجمع مطر خمسة أو ستة ايام أو أكثر. والبئر، هي القليب. قد تكون بئراً عادية، وهي البئر القديمة التي لا يعلم لها حافر بلا مالك، وقد تكون بئراً يعرف صاحبها وحافرها ومالكها. وقد كان الجاهلون يحفرون الآبار لأنفسهم للاستسقاء منها وللزرع بمائها، كما كانوا يبيعون ماءها لغيرهم. وقد كانت لليهود آبار بالحجاز حصلوا منها على أموال بسبب بيع مائها للمحتاج اليه. وإما "الحسي" " فهي المواضع التي يظهر فيها الماء من جوف الأرض على وجه التربة. ومنها حسي الاحساء وأحساء خرشاف، واحساء "بني وهب" على خمسة اميال من المرتمى، فيه بركة وتسع آبار كبار وصغار بين القرعاء وواقصة على طريق الحاج، واحساء "غنى" وأحساء اليمامة، أحساء جديلة. ويشرب الأعراب الماء بأيديهم،بأن يمدّوا أيديهم في عين الماء أو في مستجمعه ثم يغرفوا منه، فيشربوه وهكذا حتى يرتووا. وقد ينبطح أحدهم على الأرض، ثم يمدّ فمه إلى الماء فيشرب منه. أما بالنسبة إلى الآبار والقرب ومخازن الماء، فإنهم قد يشربون من أفواه الدلاء أو القرب، وقد يستعملون أواني يشربون بها منها: الغمر، وهو قدح صغير " والقدح والتبن، والصحن والقعب، وغير ذلك من أسماء ذكرها علماء اللغة. وقد يتجمع الماء في حفر، فيكون بركاً. وذكر ان البركة مثل الحوض يحفر في الأرض لا يجعل له أعضاد فوق صعيد الأرض. وذكر ان العرب يسموّن الصهارِيج التي سويت بالآجر وصرجت بالنورة في طريق مكة ومناهلها بركاً. وربّ بركة تكون ألف ذراع وأقل وأكثر. وأما الحياض التي تسوى لماء السماء ولا تطوى بالآجر، فهي الأصناع. وذكر علماء اللغة ان "الصنع"، مصنعة الماء، وهي خشبة يحبس بها الماءوتمسكه حيناً، والجمع "أصناع"، وذكر ان "المصنعة" -كالحوض أو شبه الصهريج يجمع فيها ماء المطر، يحتفرها الناس فيملاونها ماء السماء يشربونها. وورد ان "الحبس" مثل المصنعة. ولهم في سقي إبلهم عادات. وكانوا يسمون كل سقية حسب يومها. فإذا سقوا الإبل كل يوم، قالوا سقيناها رفهاً، وإذا اوردوها يوما وتركوها في المرعى يوماً، قالوا: سقيناها غباً. وإذا اقاموها في المرعى بعد يوم الشرب يومين ثم أوردوها في اليوم الثالث يقولون: سقيناها ربعاً، وهكذا. وتمام ظمأ الإبل قي الغالب ثمانية إيام فإذا أوردوها في اليوم التاسع منه،وهو العاشر من الشرب الأول، قالوا: سقيناها فِي ربعاً بالكسر، إلى غير ذلك مما تجده في كتب اللغة عن هذا الموضوعْ. ومن أوعية الماء "المهراس". حجر منقور ضخم لا يقله الرجال ولا يحركونه لثقله، يسع ماءً كثيراً. يؤخذ منه الماء للشرب، وللاستعمال، وقد استعمل في الإسلام للوضوء منه. والحب، معروف عند الجاهلين، يختزن فيه الماء للشرب، يعمله الكواز والفخار. والكوز إناء يشرب به، ذكر أنه يكون بعروة، أما إذا لم تكن به عروة فهو "كوب". وهناك الأباريق واوان أخرى استعملت في الشرب. طرق معالجة الماء وللعرب طرق في معالجة المياه المالحة، مثل ماء البحر، وفي معالجة المياه الكدرة. من ذلك أنهم كانوا إذا اضطروا إلى شرب ماء البحر، وضعوه في قدر، وجعلوا فوق القدر قصبات وعليها صوف جديد منفوش، ويوقد تحت القدر حتى يرتفع بخارها إلى الصوف، فإذ كثر عصروه، ولا يزالون على هذا الفعل حتى يجتمع لهم ما يريدون.فيكون ما استخرج من الماء من عصر الصوف ماء عذب، ويبقى في القدر الزعاق. وربما حفروا على ساحل البحر أو شاطىء مجتمع الماء المالح حفرة، يرشح الماء من الماء المالح اليها، ويحفرون حفرة أخرى على مسافة منها، يرشح اليها الماء من الحفرة الأولى، ثم يحفرون ثالثة، وبذلك يتحايلون على ملوحة الماء، حتى. يعذب، فيكون صالحاً للشرب. ولهم في دفع كدرة الماء حيل. من ذلك أنهم كانوا إذا اضطروا إلى شرب الماء الكدر، ألقوا فيه قطعة من خشب الساج أو جمراً ملهباً يطفأ فيه، أو طيناً أو سويق حنطة، فإن كدورته ترسب إلى أسفلْ. وقد يضعون إناءً تحت حب. الماء، لتتجمع قطرات الماء الصافية فيه، يشربون منه ماءً صافياً لا كدرة فيه. وربما عرفوا استعمال "الشب" في إزالة كدرة الماء. وهو أنواع، منه شب يماني. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#133 |
|
عضو فضي
|
الفصل الحادي والخمسون
فقر وغنى وأفراح ؤأَتراح وبين الجاهليين أناس عرفوا بالغنى وبالثراء وبكثرة المال، كالذي ذكرته عن بعض رجال مكة.. فقد كان بينهم رجال متخمون شبعون، سكنوا بيوتاً حسنة، زينّوها بأثاث جيد وثر، ولبسوا ملابس الحرير والألبسة الجيدة المستوردة من بلاد الشام واليمن، فأكلوا أكلات الأعاجم وتفننوا في الطبخ، وشربوا بآنية من ذهب وفضة وبلور. وساهموا في قوافل تجارة مكة الجماعية. كما كانت لهم قوافل خاصة بهم، تأتي إليهم بأرباح طيبة. ومنهم من استغل ماله بالربا وبامتلاك الأرض لاستغلالها، كما فعلوا بالطائف، إلى غير ذلك من وسائل اتبعوها في جمع المال. وكان منهم أناس ذوو حس وعاطفية، فعطفوا على المحتاج وأطعموا الناس، رقة بحالهم أو طلباً للشهرة والاسم. فهم جماعة محسنة على كل حال وكان بينهم من لم يكن له قلب ولا حس، فلم يعرف محتاجاً أو فقيراً ولم يفهم معنى للإحسان على الفقير. فاشتط وأبى وقسى في رباه، ولم يتساهل فيه. ومنهم من أكل أموال اليتامى ومنع الماعون. وإذا باع أنقص في المكيال، ليزيد في ماله. وفي القرآن الكريم آيات في وصف حال هؤلاء الأغنياء، وتقريع لهم وتوبيخ على ما فعلوه: )فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكن(. أي يدفع اليتيم عن حقه، ويقهره ويظلمه. وانهم كانوا لا بورثون النساء ولا الصغار، ويقولون: "انما يحوز المال من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام". وكان منهم من يبخل بماله فلا ينفق منه على المحتاجين والمساكين،كان منهم من يعتذر عن بخله وحرصه، فيقول: "أنطعم من لو شاء الله أطعمه " فنزلت هذه الآية: )ولا يحض على طعام ألمسكن( فيهم، "وتوجه الذم اليهم. فيكون معنى الكلام: لا يفعلونه إن قدروا،ولا يحثون عليه إن عسروا. وكان بين الجاهليين فقراء معدمون مدقعون لم يملكوا من حطام هذه الدنيا شيئاً. وكانت حالتهم مزرية مؤلمة. منهم من سأل الموسرين نوال إحسانهم، ومنهم من تحامل على نفسه تكرماً وتعففاً، فلم يسأل غباً ولم يطلب من الموسرين حاجة، محافظة على كرامته وعلى ماء وجهه،مفضلاً الجوع على الشبع بالاستجداء. حتى ذكر ان منهم من كان يختار الموت على الدنيةّ. والدنيّة، أن يذهب إلى رجل فيتوسل اليه بأن يجود عليه بمعروف. ومنهم من اعتقد. والاتحفاد أن يغلق الرجل بابه على نفسه، فلا يسأل أحداٌ حتى يموت جوعاً. وكانوا يفعلون ذلك في الجدب. قيل كانوا إذا اشتد بهم الجوع وخافوا أن يموتوا أغلقوا عليهم باباً وجعلوا حظيرة من شجرة يدخلون فيها ليموتوا جوعاً. وكان بعض تجار مكة إذا أفلسوا أو ساءت حالتهم، خرجوا إلى اليبدية سراً، وأقاموا هناك حتى يهلكوا جوعاً. خشية معرة وقوف رجال مكة على حالهم، واشفاقاً على أنفسهم من التوسل بالاغنياء لمساعدتهم. فالموت على هذه السورة أسهل عندهم من الإستجداء. روي "عن ابن عباس" في تفسير "لإيلاف قريش"، قوله: "وذلك أن قريشاً كانوا إذا أصابت واحداً منهم مخمصة، جرى هو وعياله إلى موضع معروف فضربوا على أنفسهم خباء فماتوا". وكان منهم من رضي وقنع بالدون من المعيشة، فعاش في فقر مدقع. والدقع الرضا بالدون من المعيشة وسوء احتمال الفقر واللصوق بالأرض من الفقر والجوع، فهم ينامون على التراب ويلتحفون السماء. والدوقعة الفقر والذل، وجوع أدقع وديقوع شديد. وهم مثل "بنو غَبٌراء" في الفقر والحاجة، أولئك الذين توسدوا الغبراء واتخذوا التربة فراشاً لهم، لعدم وجود ملجأ لهم يأوون اليه، و لا مكان يحتمون به. ولم يكن في وسع كثير من الجاهليين الحصول على اللحم لفقرهم فكانوا يأتدمون "الصليب" وهو الودك. زدك العظام. يجمعون العظام ويكسرونها ويطبخونها، ثم يجمعون الودك الذي يخرج منها ليأتدموا به. وقد عرفوا ب "أصحاب الصلب". ولما قدم الرسول مكة "أتاه أصحاب الصلب الذين يجمعون العظام إذا لحب عنها لحمانها فيطبخونها بالماء ويستخرجون ودكها ويأتدومن به " ولم يكن في استطاعة الفقراء أكل الخبز لغلائه بالنسبة لهم. لذلك عدّ أكله من علائم الغنى والمال. وكان الذي يطعم الخبز والتمر يعد من السادة الكرام. وكان أحدهم يفتخر بقوله "خبزتُ القومَ وتمرتهم "، بمعنى أطعمتهم الخبز والتمر. وقد افتخر "بنو العنبر " بسيدهم "عبد الله بن حبيب العنبري "، لأنه كان لا يأكل التمر و لا يرغب في اللبن، بل كان يأكل الخبز. فكانوا إذا افتخروا قالوا: منّا آكل الخبز. وكانوا يقولون "أقرى من آكل الخبز " لأنه كان جواداً. وذكر أن "كسرى" حين سأل "هوذة بن علي الحنفي " عن غذائه ببلده، قال له هوذة: الخبز. " فقال كسرى: هذا عقل الخبز لا عقل اللبن والتمر ". وكان منهم من لا يستطيع شراء الملابس ليلبسها، فيستر جسمه بالأسمال البالية وبالجلود، ويعيش متضوراً جوعاً. وقد ذكر أن الفقراء من الصحابة كانوا لا يملكون شيئاً، ويتضورون جوعاً، وينامون في صفة المسجد، يرزقهم الرسول من رزقه، تنبعث منهم روائح كريهة، من عدم الغسيل. ويلعب القمل في شعرهم، ويتنقل على أجسامهم حيث يشاء. ويظهر أن بعض زعماء مكة قد شعر نخطر ظاهرة انتشار الفقر بمكة، وبما سيتركه الاعتقاد من أثر في مجتمعها، فعمل على معالجة مشكلة الفقر والجوع والتسول، حفظاً لمصالح الأغنياء على الأقل. فهم إن تركوا الفقر ينتشرويتفشى، ولم يعملوا على معالجته، تطاول الفقراء منهم على أموال الأغنياء، وقاموا عليهم وأرغموهم على أخذ أموالهم أو على أن يساهموهم فيه. أضف إلى ذلك ما سيحدثه اعتداء الفقراء على أموال الأغنياء من خوف، ومن فزع في نفوس أهل هذه المدينة المتاجرة، لذلك سعوا لاقناع تجار المدينة على إنصاف الفقراء والمحتاجين ومساعدتهم للتخفيف من شدة الجوع والفقر. ويظهر ان المخمصة، كانت شديدة، شدة حملت البعض على السطو على أموال الناس وعلى سرقة ما يجدونه أمامهم. ففزع من ذلك أهل مكة، وعمل زعماؤها على التفكير في اتخاذ أقسى العقوبات في حق السارق، فكان أن حكم "الوليد بن المغيرة" بقطع يد السارق، ذكر انه كان أول من حكم بقطع يد السارق فىِ الجاهلية فصار القطع سنّة عندهم. وكان أن نادى "هاشم"، وهو "عمرو بن عبد مناف" إنصاف الفقراء والمحتاجين وتقديم المعونة لهم، حتى يصير فقيرهم كالكافي، فما ربح الغني أخرج منه نصيبا ليكون للفقراء. وبذلك يخفف من حدة وطأة الفقر في هذه المدينة المتاجرة. وذكر في تعليل دعوة "هاشم" إلى إنصاف الفقراء ومساعدتهم، انه "كان سيداً في زمانه، وله ابن يقال له: أسد، وكان له ترب من بني مخزوم، يحبه ويلعب معه. فقال له: نحن غداً نعتفد. فدخل أسد على أمه يبكي، وذكر ما قاله تربه.. فأرسلت أم أسد إلى أولئك بشحم ودقيق، فعاشوا به أياماً. ثم إن تربه أتاه أيضاً، فقال: نحن غداَ نعتفد، فدخل أسد على أبيه يبكي، وخبره خبر تربه، فاشتد ذلك على عمرو بن عبد مناف، فقام خطيباً في قريش وكانوا يطيعون أمره، فقال: انكم أحدثتم حدثاً تقلون فيه وتكثر العرب، وتذلون وتعزّ العرب، وأنتم أهل حرم الله جل وعز، وأشرف ولد آدم، والناس لكم تبع، ويكاد هذا الاعتفاد يأتي عليكم. فقالوا: نحن لك تبع. قال: ابتدئوا بهذا الرجل - يعني أبا ترب أسد - فأغنوه عن الاعتفاد، ففعلوا. ثم انه نحر البدن، وذبح الكباش والمعز، ثم هشم الثريد، وأطعم الناس، فسميّ هاشماً. وفيه قال الشاعر: عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف تم جمع كل بني أب على رحلتين: في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسّمه بينه وبين الفقير، حتى صار فقيرهم كغنيهم، فجاء الإسلام وهم على هذا، فلم يكن في العرب بنو اب أكثر مالاً ولا أعز من قريش، وهو قول شاعرهم: والخالطون فقيرهم بغنيهّـم حتى يصير فقيرهم كالكافي فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، فقال: "فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع" بصنيع هاشم "وآمنهم من خوف" أن تكثر العرب ويقلوا. وورد أنّ "حكيم بن حزام" كان يقاسم ربحه من تجارته الفقراء وأهل الحاجة والمحاويج. وذكر أن قريشأَ كانت تتراحم فيما بينها وتتواصل. وأن تفسير " لإيلاف قريش"، هو " لتراحم قريش وتواصلهم". فالإيلاف التراحم والتواصل. وذكر أن قريشاً كانوا "يتفحصون عن حال الفقراء ويسدّون خلة المحاويج". ويظهر أن هذا إنما حدث بفعل "هاشم" وبتنظيمه وجمعه وبدعوته تلك. فصار أصحاب القلوب الرقيقة يخرجون منذ يومئذ من دخلهم نصيباً يجمعونه ويوحدونه، لينفقوا منه على من به حاجة من أهل مكة ومن الغرباء. والإيلاف هو التطبيق العملي لدعوة "هاشم" إلى إنصاف الفقراء والمساكين والمحاويج. فبعقد "الإيلاف" وإجماع قريش على تلبية دعوة هاشم بإخراج نصيب من أموالهم يخصص لمساعدة المحتاج، تمكن "هاشم" من تطبيق دعوته تطبيقاً عملياً، ومن مساعدة المحتاجين. حتى صار عمله سنة لمن جاء بعده. فحسن حال المحتاجين، ونعش فقراء مكة. يؤيد ذلك ما نجده من قول "ابن حبيب": "أصحاب الإيلاف من قريش الذين رفع الله بهم قريشاً ونعش فقراءها". والرفادة والسقاية، هما من ثمرات دعوة "هاشم"، فالرفادة، هي إقراء ضيوف مكة وإطعام المحتاجين من أهلها. والسقاية إسقاءهم الماء، والنبيذ واللبن. فلم تقتصر السقاية على تقديم الماء بلا ثمن إلى العطشان والمحتاج إلى الماء. بل اشتملت على تقديم اللبن والنبيذ بل والعسل كذلك إلى المحتاج بلا ثمن. وقد ذكر أن "سويد بن هرمي بن عامر الجمحي"، كان " أول من وضع الأرائك وسقى اللبن والعسل بمكة". وأن "أبا أمية بن المغيرة المخزومي": المعروف ب "زاد الركب"، و " أبا وادعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم"، "كانا يسقيان العسل بمكة بعد سويد بن هرمي". وكل هذه الأعمال، هي من الأعمال الخيرية النافعة، التي تدل على نفس طيبة، تسعى للتخفيف عن مصاعب الناس، وعن رغبة في مساعدة الفقراء والمحتاجين. فصار في وسع من يقصد البيت الجلوس على أرائك ليرتاح عليها، كما صار في وسعه الحصول على ماء أوسقاء لبن أو ماء معسل، أي محلى، مجاناً إن لم بتمكن من دفع الثمن. وفي حلف "الفضول" دعوة ل "مواساة أهل الفاقة ممن ورد مكة بفضول أموالهم"، وذلك لمنع الظالمين من أهل مكة من اغتصاب أموال أهل الفاقة والغرياء ممن يرد إلى المدينة وليس لهم من جار ومعين، ومن أهل مكة كذلك.فهو توثيق وتتمة لعمل "هاشم". ونجد هذه الدعوة الانسانية في مساعدة الجار والفقير في الشعر: في مثل قول الشاعر: يبيتون في المشتى ملاء بطونهم وجاراتهم غرثى يبتن خمائصا وهو بيت يمثل المثل الجاهلية العليا التي تجسمت في الجوار وفي المروءة والاحسان والحميّة وأمثال ذلك. ونجد مئل هذه النزعة في قول الشاعر: هنالك إن يُستحبلوا المألُ يُخبِـلـوا وإن يسألوا يعُطوا وإن ييسروا يُغلوا على مكثُريهم رزق من يعتـريهـم وعند الُمقِلّين السمـاحةُ والـبـذل وفي قول "الخرِْنق بنت هَفّان" ترثي زوجها "عمرو بن مرثد" وابنها "علقمة بن عمرو" وأخويه حسان وشرحبيل، حيث قالت في جمله ما قالته: والخالطين نحَيِتهم بنضارهـم وذويَ الغنى منهم بذي الفقرِ والنحيت الدخيل في القوم، والنضار الخالص النسب. فهم قوم كرام، لم يفرقوا بين الدخيل والأصيل، ولا بين الغني والفقير، فنال الدخيل ما عند الأصيل، وشارك ذو الفقر والمدقعة الغني في ماله، وهو أعز شيءعند الإنسان، لأنه أبى أن يستأثر به، وجاره فقير ليس عنده ما يسد حاجته. فمجتمعهم مجتمع "خليط"، و "الخليط: القوم الذين أمرهم واحد"، والمشارك الحقوق. وفي الحديث: الشريك أولى من الخليط. والخليط أولى من الجار. وأراد بالشريك: المشارك في الشيوع. ونجد فكرة مساعدة الفقير، والاستهانة بالمال بانفاقه على المعوزين، والإنعام به على الفقراء، في أبيات أخرى في مثل: والخالطين غنيّهم بفـقـيرهـم والمنعمين على الفقير المرمل وفي مثل قول الأعشى: وأهان صالح ماله لفقـيرهـا وآسى وأصلح بينها وسعى لها وقول الشاعر عمرو بن الاطنابة: والخالطين حليفهم بصريحهم والباذلين عطاءهم للسـائل وأرى أنّ في ورود لفظة "الخالطين" في هذه الأبيات، بمعنى خلط المال، وتخصيص الأغنياء نصيباً من أموالهم للفقراء، دلالة على أنّ من الجاهليين الأغنياء من كان قد وضع في ماله حقوقاً للمحتاجين، بحيث صاروا كالمخالطين لهم في مالهم، وفي منزلة الشركاء لهم في المال. من دون إرغام لهم ولا إكراه، أو طمع في ثواب دنيوي أو في عالم ما بعد الموت. وذلك غاية الجود والكرم. وفي شعر للنعمان بن عجلان الأنصاري، إشادة بعمل قومه الأنصار، إذ قَسَّموا أموالهم وديارهم بينهم وبين المهاجرين. فيقول: وقلنا لقوم هاجروا: مرحباً لـكـم وأهلاً وسهلا ً، قد أمنتم من الفقر نقاسمـكـم أمـوالـنـا وديارنـا كقسمة أيسار الجزور على الشطر ويذكرنا شعره هذا الذي افتخر فيه بقومه الأنصار بالمؤاخاة، إذ آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار. بعد مقدمه بخمسة أشهر، وقيل ثمانية أشهر. فكانوا يتوارثون بهذا الإخاء في ابتداء الإسلام إرثاً مقدماً على القرابة. ثم نسخ التوارث بالمؤاخاة بعد بدرْ. والمؤاخاة هي "المخالطة" الجاهلية في صورة أخرى. وقد كان بين الجاهليين من حبس الحبوس،لتكون وقفاً على الفقراء والمحتاجين وأبناء السببل. ومنهم من ساعد الفقراء والصعاليك بتقديم الخيل لهم للإغارة بها واكتساب الرزق عن طريق الغارات.كالذي روي عن "الريّان بن حويص العبدي" من أنه كان قد جعل فرسه "هراوة" موقوفة على الأعزاب من قومه. فكانوا يغزون عليها ويستفيدون المال ليتزوجوا، فإذا استفاد واحد منهم مالاّ وأهلاً دفعها إلى آخر منهم، فكانوا يتداولونها كذلك، فضربت مثلاً، فقيل: أعزّ من هراوة الأعزاب. وذكر أنها جاءت سابقة طول أربع عشرة سنة، فتصدق بها على العُزّ اب، يتكسبون عليها في السباق الغارات. ومن تقاليد العرب مساعدة الضال والمنقطع والمعزب، وهو الذي عزب عن أهله فيّ إبله وانقطع عنهم. ومن ذلك ما ورد في الحديث: أنهم كانوا في سفرٍ مع النبي، فسمع منادياً، فقال: انظروا ستجدوه معزياٌ أو م مكلئاً. والتعزب: الابتعاد عن الجماعات بسكنى البادية، وقد نهي عن ذلك في الإسلام. كما أشير إلى ذلك في حديث "ابن الأكوع" لما أقام بالزبذة "أبو ذر الغفاري" قال له الحجاح ارتددت على عقبيك تعزبت. ومنهم من جعل في ماله صدقة يؤديها إلى الفقراء على وجه القربة الآلهة أو عن دافع انساني أوعن حب للظهور والفخر. ويقال لمن يتصدق على غيره "المتصدق". وهو عمل تطوعي، يقوم به الإنسان اختياراً وتطوعاَ، لمساعددة المعوز والمحتاج. و "ابن السبيل " هو "ابن الطريق"، الذي قطع عليه الطريق، ولا يجد ما يتبلغ به. والضيف المنقطع به، فيجب أن يعطى ما يتبلغ به إلى وطنه. وقد تتعرض السابلة إلى لصوص الطرق، يسلبونهم ما معهم، وقد يأخذون حتى ملابسهم، فيتعرض مثل هؤلاء للهلاك والأخطار، حتى يتهيأ لهم من له شفقة ورحمة فيغيثهم بما يمكن منه، وقد يحملهم معه. وكان لفقر الكثير منهم، يصعب عليهم دفع ديونهم، ويماطلون في الأداء حتى انهم كانوا إذا رأوا الهلال، قالوا: لا مرحباً بمحل الدين ومقرب الآجال. وذلك لأنهم كانوا يتواعدون في دقع الديون على مطالع القمر. ومما زاد في فقر بعضهم، شرب الخمر والمقامرة. فكان بعضهم يفني ماله في شرب الخمر، "وكان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد حزيناً سليباً، ينظر إلى ماله في يدي غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضاً". فعلوا ذلك أملاً في التخلص من ألم الفقر والحرمان باللجوء إلى الخمور لطمس ألم الفقر والذل، والى القمار، أملاً في الكسب والربح، فزادوا بذلك فقرهم، وعرّضوا أنفسهم الى الخسارة. الوأد والوأد من ذيول الفقر. وقد جاء ذكره في الاية: "وإذا الموؤودة سُئلت: بأي ذنب قُتِلَتٌ". والوأد على ما يذكر علماء التفسير وأهل الأخبار هو دفن الينات وهنّ أحياء، وذلك خوفاً من العار أو لوجود نقص فيها أو مرض، أو قبح كأن تكون زرقاء أو شيماء أو برشاء أو كسحاء وأمثال ذلك، وهي من الصفات التي كان يتشاءم منها العربْ، أو خوفاً من الفقر والجوع، أو مخافة العار والحاجة. ورجع "القرطبي" أسباب الوأد لخصلتين: "إحداهما، كانوا يقولون إن الملائكة بنات اللّهِ، فألحقوا البنات به. الثانية، إمّا مخافة الحاجة والإملاق وإما خوفاً من السَبي والإسترقاق". وذكر غيره أن سنين شديدة كانت تنزل بالناس تكون قاسية على أكثرهم، ولا سيما على الفقراء، فيأكلون "العِلٌهِز" وهو الوبر بالدم، وذلك من شدة الجوع. فهذا الفقر وهذه الفاقة وذلك الإملاق، كل ذلك حملهم على وأد البنات حذر الوقوع في الغواية، فتلحق السُّبَّة بأهل البنت وبعشيرتها وقبيلتها. وذكر أيضاً أن من جملة أسباب الوأد وجود نقص في الموؤودة أو مرض أو قبح، كأن تكون زرقاء أو شيماء أو برشاء أو كسحاء واًمثال ذلك، وهي من الصفات التي كان يتشاءم منها العرب. وذكر بعض أهل الأخبار، ان بعض العرب كانوا يتشاءمون من البنت الزرقاء أو الشيماء، أو الكسحاء، فكانوا يئدون من البنات من كانت على هذه الصفة، ويمسكون من لم يكنّ على هذه الصفة. وذكروا ان والد "سودة بنت زهرة" الكاهنة وهي عمة "وهب"، والد "آمنة" أم الرسول، أرسل بها إلى "الحجون" لوأدها، للصفة المذكورة، ثم تركها في قصة يروونها، وصارت كاهنة شهيرة. فسبب الوأد عند هؤلاء، هو هذه العقيدة القائمة على التشاؤم من البنت الزرقاء والشيماء. ويذكرون انهم كانوا يحفرون حفرة، فإذا ولدت الحامل بنتاً ولم يشأ أهلها الاحتفاظ بها رموا بها في الحفرة، أو انهم كانوا يقولون للأم بأن تهيىء ابنتها للوأد وذلك بتطييبها وتزيينها. فإذا زينت وطيبت، أخذها أبوها إلى حفرة يكون قد احتفرها، فيدفعها فيها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي الحفرة بالأرض. وذكر أيضاً، ان بعضهم كان يغرقها، أو يقوم بذبحها، ليتخلص بهذه الطرق منها. وذكر ان الرجل منهم كان إذا ولدت له بنت، فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن اراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها: طيّبيها وزيّنيها حتى أذهب بها احماتها، وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها اليئر، فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب، حتى تستوي البئر بالأرض. وروي عن ابن عباس انه قال: كانت الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فمخضت على رأس تلك الحفرة، فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة وردّت التراب عليها، وإذا ولدت ولداً حبسته. ومنه قول الراجز: سمّيتها إذ ولدت: تـمـوت والقبر صهرٌ ضامن زمّيتُ الزمّيت الوقور. وفاعل العمل هو "الوائد" والبنت المدفونة وهي حية "الموؤودة"، والعادة "الوأد". ويرجع بعض أهل الأخبار تأريخ الوأد إلى ايام "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة، فيقولون إن "بني تميم" منعوا الملك ضريبة الاتاوة الني كانت عليهم فجرّد الملك حملة عليهم كان اكثر رجالها من بني بكر بن وائل، أوقعت بهم وسبت ذراريهم. فلما ارضوا الملك وكلموه في الذراري، " حكم النعمان بأن يجعل الخيار في ذلك إلى النساء، فأية امرأة اختارت زوجها،ردّ ت عليه، فاختلفن في الخيار. وكانت فيهن بنت لقيس بن عاصم المنقري،فاختارت سابيها على زوجها، فنذر قيس بن عاصم أن يدسَّ كل بنت تولد في التراب، فوأد بضع عشرة بنتاً. وبصنيع قيس بن عاصم وايجاده هذه السنة نزل القرآن في ذم، وأد البنات. ورجع بعض الأخباريين الوأد إلى قبيلة ربيعة. زعموا أن بنتاً لرئيسها وسيدها وقعت أسيرة في أيدي قبيلة أغارت عليها: فلما عقد الصلح، لم تشأ البنت العودة إلى بيتها، فاختارت بيت آسرها، فغضب رئيس ربيعة لذلك، واستنّ هذه السنة، وقلدته بقية العرب حتى فشت بين القبائل، وهي رواية قريبة في مضمونها وفي فكرتها من الرواية الأولى. والفرق بين الروايتين هو في تسمية القبيلة والأشخاص. وورد أن "قيس بن عاصم" التميمي، جاء إلى النبي، فقال: إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية. قال فأعتق عن كل واحدة منهن بدنة. أو: فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة. ويذكر الأخباريون أن "الوأد كان مستعملاً في قبائل العرب قاطبة، فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة فجاء الإسلام، وقد قل ذلك فيها إلا من بني تميم، فإنهم تزايد فيهم ذلك قبيل الإسلام". وقبيلة كندة وقيس وهذيل وأسد وبكر ابن وائل من القبائل التي عرف فيها الوأد، وخزاعة، وكنانة، ومضر، واشدهم في هذا تميم زعموا خوف القهر عليهم، وطمع غير الاكفاء فيهن. وذكربعض أهل الأخبار ان الوأد كان في تميم، منهم انتقل الى غيرهم. وقيل: إنه كان في تميم، وقيس، وأسد، وهُذيَلْ، وبكر بن وائل، وهم من مضرْ. فهي عادة تفشت في قبائل مضر خاصة. وقيل إنها كانت في غير مضر كذلك. وذكر انها كانت في ربيعة ومضر، اي في العرب الذين تغلّبت الأعرابية على حياتهم. وذكر "عكرمة" في تفسير الآية: "قد خسر الذين قتلوا اولادهم سفهاً بغير علم"، انها نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر. كان الرجل يشترط على امرأته، ان تستحي جارية وتئد اخرى. فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل أو راح من عند امرأته، وقال لها: انت عليَّ كظهر امي إن رجعت اليك ولم تئديها، فتخدّ لها في الأرض خدّ اً وترسَل إلى نسائها فيجتمعن عندها، ثم يتَداولنها حتى إذا ابصرته راجعاً دستها في حفرتها ثم سوّت عليها التراب". اما ان اول من سنّ الوأد في العرب، هو "قيس بن عاصم المنقري"، للسبب المذكور، فدعوى من الدعاوى المألوفة عن اهل الأخبار، وقصة من القصص الذي كانوا يضعونه احياناً حين يقفون عند امر غريب عليهم، ليس لهم علم به، فكانوا يوجدون قصصاً في تفسيره وتعليله، وقفنا على كثير منه. والظاهر ان وأد "قيس" لبنات من بناته، ووجوده في تميم خاصة بعد ان خفّ عند بقية العرب، حمل اصحاب الأخبار على ارجاع اصله واساسه إلى "قيس"، مع انهم يذ كَرون حوادث عن الوأد، مثل ما ذكروه عن "سودة بنت زهرة " الكاهنة، تتقدم في الزمن على "قيس". والوأد عند العرب اقدم منه، وربما يعود الى ما قبل الميلاد. وفي القرآن الكريم: "وإذا بُشر احدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّاً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به. أيمسكه على هون ام يدُسُّه في التراب ? ألا ساء ما يحكمون". وفي هذه الآية وصف للحالة النفًسية التي كانت تعتور الأب عند إخباره بميلاد بنت له، وشرح لبعض الأسباب التي كانت تحمل الآباء على وأد البنات. ويروى إن بعض الجاهلية يتوارى في حالة الطلق، فإن أخبر بذكر ابتهج أو بأنثى حزن، وبقي متوارياً ايامأ يدبر ما يصنع أيتركه ويربيه على ذلّ، ام يدسه في التراب، بأن يئده ويدفنه حياً حتى يموت، ام يهلكه بأمر آخر، بأن يلقيه من شاهق. روي ان رجلاً قال: يا رسولَ الله والذي بعثك بالحق ما اجد حلاوة الإسلام منذ اسلمت. وقد كانت لي فيَ الجاهلية بنت وأمرت امرأتي ان تزينها وأخرجتها فلما انتهيت إلى وادٍ بجد القعر ألقيتها، فقالت: يا ابتِ قتلتني ! فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء. فقال الرسول: ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام، وما في الإسلام يهدمه الأستغفار. وكان بعضهم يغرقها وبعضهم يذبحها. وقد ذكر العلماء في تفسيرهم: " وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا. وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصفهم، إنه حكيم عليم. قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم، وحرّموا ما رزقهم اللّه إفتراءً على الله. قد ضلوا وماكانوا مهتدين". أن الله " أخبر بخسرانهم لوأدهم البنات وتحريمهم البحيرة وغيرها بعقولهم، فقتلوا أولادهم سفهاً خوف الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم ولم يخشوا الإملاق، فأبان ذلك عن تناقض رأيهم". قال "القرطبي": "إنه كان من العرب من يقتل ولده خشية الإملاق، كما ذكر اللهُ عزّ وجل في غير هذا الموضع. وكان منهم من يقتله سفهاً بغيرحجة منهم في قتلهم، وهم ربيعة ومضر، كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية. ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات بالبنات. وروي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم، وكان لا يزال مغتماً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالكَ تكون محزوناً ? فقال: يا رسول اللّه، إني أذنبت ذنباً في الجاهلية فأخاف ألاّ يغفره الله لي وإن أسلمت. فقال له: أخبرني عن ذنبك: فقال: يا رسول اللّه، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فتشفعت إليّ امرأتي ان اتركها فتركتها حتى كبرت وادركت، وصارت من اجمل النساء فخطبوها، فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي ان ازوجها أو اتركها في الييت بغير زواج.، فقلت للمرأة: إني اريد ان اذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة اقربائي فابعثيها معي، فسُرّت بذلك وزينتها بالثياب والحلي، واخذت علي المواثيق بألاّ اخونها، فذهبت إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية إني اريد ان أُلقيها في البئر فالتزمتني، وجعلت تبكي، وتقول: يا ابت ايش تريد ان تفعل بي ? فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمّية، ثَم التزمتني وجعلت تقول: يا ابت لا تضيع امانة أًمي ! فجعلت مرة انظر في البئر ومرة انظر اليها فأرحمها حتى غَلبنى الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر: يا ابتِ، قتلتني. فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت. فبكى رسول الله صلى اَلله عليه وسلم واصحابه، وقال: لو امرت ان اعاقب احداً بما فعل في الجاهلية لعاقبتك ". فالفاقة والحمية واعتقاد بعض منهم ان الملائكة بنات ال له، فيجب إلحاق البنات بالبنات، هي عوامل دفعت بالعرب إلى الوأد. فهي بين عامل اقتصادي نص عليه في القران الكريم، وعامل اجتماعي، هو الحمية، وخشية لحوق العار بالانسان من السبي والغارات وعامل ديني، يرجع إلى رأي في دين. لقد تعرض "قتادة" إلى قوله تعالى: "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم" فقال: "هذا صنيع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء. والفاقة ويغذو كلبه. وقوله: وحرموا ما رزقهم الله... الآية وهم أهل الجاهلية جعلوا بحيرة وسائبة ووصيلة وحامياً تحكّماً من الشياطين في أموالهم". ولكن أغلب الوأد هو عن العامل الأول، وهو الخشية من العيلة والفقر والإملاق. وهو ما نُصّ عليه في الآيات المتعلقة بالوأد وبقتل الأولاد. وورد أن الجاهلية كانوا يدفنون البنات وهن أحياء. خصوصاً كندة، خوف العار، أو خوف الفقر والإملاق. ومن النساء من تكون خصبة في ولادة البنات، فيجلب لها هذا الخصب هجر زوجها لها وفراره منها ومن رؤية بناته. يحدثنا الأصمعي أن امرأة ولدت لرجل بنتاً سمتها الذلفاء، فكانت هذه البنت سبباً في هرب الرجل من البيت، فقالت: ما لأبي الذلفاء لا يأتـينـا يظلّ في البيت الذي يلينا? يحرد أن لانلَدَِ البـنـينـا وإنما نأخذ ما يعـطـينـا ومثل تلك المرأة المسكينة كثير من النساء هجرهن أزواجهن لكثرة ماكن يلدن لهم من البنات، ولسان حالهن يكرر كلمات أم الذلفاء. وبمكة جبل يقال له " أبو دلامة " كانت قريش تئد فيه البنات. وذكرأن هذا الجبل يطل على "الحجون". وقيل كان الحجون هو الذي يقال له: أبو دلامة. وورد في القرآن الكريم ما يشير إلى قتل بعض الجاهليين أولادهم خشية الإملاق وخوف الفقر. وهم الفقراء من بعض قبائل العرب وفيهم نزلت الآيات: "ولا تقتلوا اولادكم خشية إملاقٍ نحن نرزقهم وإياكم، إنّ قتلهم كان خطئاً كبيراً". و "كذلكُ زُينّ لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليرُدوهم وليلبسوا عليهم دينهم. ولو شاء الله، ما فعلوه، فذرهم وما يفترون". و "قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم، وحرّموا ما رزقهم الله افتراءً على الله، قد ضلوا، وما كانوا مهتدين". و " قل: تعالوا اتل ما حرّم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا اولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم". وظاهر لفظ الآيات النهي عن جميع أنواع قتل الأولاد ذكورا كانوا أو اناثاً مخافة الفقر والفاقة. وذكر ان المراد من كلمة "اولادكم" البنات، وان المقصود بذلك الوأد. أي وأد البنات، لا قتل الأبناء. وذهب بعض العلماء إلى ان المراد بها الأولاد ذكوراً كانوا أو اناثاً. "فقد كان الرجل في الجاهلية يحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاماً لينحرن احدهم، كما فعله عبد المطلب حين نذر ذبح ولده عبدالله". فنحن أمام هذه الآيات تجاه موضوعين: وأد البنات وقتل الأولاد الذكور عند الجاهليين. وأد البنات للاسباب المذكورة الواردة في كتب التفسير والحديث، وقتل الأولاد للاسباب المذكورة في تلك الكتب أيضاً، وفي كلتا الحالتين نتيجة واحدة، هي القضاء على حياة انسان. وقتل الأولاد الذكور عند الجاهليين هو أقل استعمالاً من وأد البنات بكثير. ويظهر انهَ كان عن عامل ديني في الأغلب، كما يتبين ذلك من قصة إقدام عبد المطلب على قتل ابنه عبدالله بسبب النذر الذي أخذه على نفسه على ما جاء في روايات اهل الأخبار. وهذا العامل هو الذي يفسر ما جاء في التوراة عن اقدام ابراهيم على ذبح ابنه، ويشير الى وجود هذه العادة عند الإسرائيليين. وسبب قلة قتل الأولاد بالقياس إلى وأد البنات أن الولد عنصر مهم في الحياة الاقتصادية وفي الحياة الاجتماعية حيث يكون عدة لوالده ولأهله وعشيرته في الحروب، ثم أن أسره في الحروب لا يعد شائناً مثل أسر البنات. والمرأة بالأسر تكون فريسة للآسرين. والمرأة ليست قادرة كالرجل على اعاشة نفسها وغيرها ولا على الغزو، ولذلك صارت البنت هدفأَ للوأد أكثر من الذكر. وقد تأثر بعض ذوي القلوب الرقيقة من عادة "وأد البنات"، وسعوا لإبطالها. وكان بعض الموسرين منهم يفتدي البنات من القتل بدفع تعويض إلى أهلهن، وأخذهن لتربيتهن. فكان "صعصعة بن ناجية" جدّ الفرزدق الشاعر المعروف، ومن أشراف تميم، يشتري البنات ويفديهن من القتل كل بنت بناقتين عشراوين وجمل. فجاء الإسلام وعنده ثلاثون موؤودة. وذكر أنه فدى اربعمائة جارية، وقيل ثلاثمائة جارية من الجاهلية حتى مجيء الإسلام. وذكر على لسان الفرزدق أنه قال: "أحيا جدّي اثنتين وتسعين موؤودة". وأنه منع الوئيد في الجاهلية فلم يدع تميماً تئد وهو يقدر على ذلك. وذكر أنه قال للرسول إنه اشترى "280" موؤودة، دفع عن كل واحدة منهن ناقتين عشراوين وجملاً. وأنه كان لا يسمع بموؤودة يراد وأدها، وهو يتمكن من احيائها، الا جاء والدها ففداها، وأنه سأل قومه في ترك الواًد، فخفف بذلك منه. وعدّ ذلك مكرمة ما سبقه اليها أحد من العرب. والى "صعصعة بن ناجية"، أشار الشاعر "الفرزدق"، مفتخراً به في شعره، إذ قال: وجدّي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فـلـم يوأد وله أشعار اخرى في هذا المعنى. وكان "عمرو بن نفيل" يحيي الموؤودة لأجل الإملاق. يقول للرجل إذا أراد ان يفعل ذلك: لا تفعل ! أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها اليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها. وذكر "القرطبي" في تفسير الاية: "ويجعلون للهِ البنات، سبحانه ولهم ما يشتهون. وإذا بشّر احدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم" انها "نزلت في خزاعة وكنانة، فإنهم زعموا أنّ الملائكة بنات الله، فكانوا يقولون ألحقوا البنات بالبنات". فنسب فعلهم الوأد الى هذه العقيدة. ولست استبعد ما ذكره اهل الأخبار من وجود دافع ديني حمل الجاهيين على قتل الأولاد وعلى الوأد، بأن يكون ذلك من بقايا الشعائر الدينية التي كانت في القديم، وتقديم الضحايا البشرية إلى الآلهة لخير المجتمع وسلامته، وإرضاء الآلهة هي شعيرة من الشعائر الدينية المعروفة. فليس بمستبعد ان الوأد والقتل من بقايا تلك الشعائر، والغريب في الوأد انه يكون بالدفن، بينما العادة في الضحايا التي تقدم إلى الآلهة ان تكون بالذبح أو بالطعن وبأمثال ذلك، كي يسيل الدم من الضحية، والدم هو الغاية من كل ضحية،لأنه الجزء المهم من الضحايا المخصص بالآلهة. وعلى الجملة إن الوأد هو نوع ايضاً من القتل، وذبح الأولاد وتقديمهم قرابين إلى الآلهة Infantcide، عبادة معروفة عند امم اخرى كانت تمارسها لترضي بذلك الآلهة وتجيب مطالبها. وعدّ من ا الوأد "العز ل"، وهو ان يعتزل الرجل امرأته لئلا تنجب له أولاداً. وقد عرف في الإسلام ب "الوأد الخفي" وب "الوأد الأصغر ". سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: ذلك "الوأد الخفي"، وفي حديث آخر "تلك الموؤودة الصغرى". وقد بحث عنه في كتب الفقه والتفسير. وروي ان رسول الله قال في ناس: " لقد هممت ان أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم في يغيلون اولادهم، ولا يضر اولادهم ذلك في شيئاً، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك إلوأد الخفي وهو الموؤودة سئلت. والغيلة إذا اتيت إمرأة وهي ترضع ولدها، وكذلك إذا حملت امه وهي ترضعه. وقد جعل الحديث "العزل" عن المرأة بمنزلة الوأد إلا انه خفي، لأن من يعزِل عن امرأته انما يعزل هرباً من الولد. ولذلك سمّاها الموؤودة الصغرى، لأن وأد البنات الأحياء الموؤودة الكبرىْ. ولم ينفرد العرب بقتل الأولاد وبوأد البنات، بل تجد ذلك عند غيرهم من الشعوب كذلك، مثل المصريين واليونان والرومان وشعوب استرالية، أما العوامل التي حملت اؤلمك الشعوب عليها فهي عديدة،.منها عوامل دينية مثل الإعتقاد بحلول الأرواح، ومنها اقتصادية كالخشية من الفقر، ومنها ما يتعلق بالصحة كأن يكون المولود ضعيفاً فيقضي عليه الوالدان. ومن ذيول الفقر وسوء الأوضاع الاقتصادية، انتشار اللصويية والاعتداء على أموال الناس، وابتزازها وقطع الطرق وسلب الناس. وما الذي يفعله الفقير والمحتاج ومن له منعة في الجسم وضعف فى شديد في الجيب لاعاشة نفسه وأهله غير اللجوء الى هذه الطرق في الحصول على لقمة العيش، إن لم يجد له وسيلة كسب أخرى ? واللص، هو السارق. وذكر إن اللفظة من لغة طيء وبعض الأنصار. وتقابل Listis في اليونانية، بمعنى السارق. لذالك ذهب البعض الى أنها من هذا الأصل. ونظراً لتستر اللص في حرفته، وممارسته لها بتكتم وحذر خوفاً من الفضيحة والقبض عليه مارس عمله بالليل في الغالب، حيث يرقد الناس. مارسه بخفة ومهارة، فكنى عنه بكنى منها: "ابن الليل"، و "ابن إلطريق"، لأنه يمارس اللصوصية بالليل وعلى الطرق. ويقال لمن يسرق الدراهم بين أصابعه "القفاف". يقال: "قف الصيرفي قفوفاً"، بمعنى سرق الدراهم بين أصابعه. وأظن أن هذا الاستعمال استعمال مولد، ولد في الإسلام. ويعبر عن السطو والاستيلاء عنوة وعن سرقة أموال الناس، بتعابير أخرى في اللغات العربيه الجنوبية، منها "خرط"، بمعنى سرق، و "حلص"، بمعنى سرق ونهب وسلب، وكل ما يؤخذ حيلة وسرقة. وتعدّ السرقة عيباً عند العرب،لأنها تكون دون علم صاحب المسروق وبمغافلته. والمغافلة والاستيلاء على شيء من دون علم صاحبه عيب عندهم، وفيه جبن ونذالة. أما الاستيلاء على شيء عنوة وباستخدام القوة، فلا يعدّ نقصاً عندهم ولا شيناً ولا يعدّ سرقة، لأن السالب قد استعمل حق القوة، فأخذه بيده من صاحب المال المسلوب. فليس في عمله جبن ولا غدر ولا خيانة.لذلك فرقوا بين لفظة "سرق" وبين الألفاط الأخرى التي تعني أخذ مال الغير، ولكن من غير تستر ولا تحايل. فقالوا: " السارق عند العرب من جاء مستتراً إلى حرز، فأخذ مالاً لغيره. فإن أخذه من ظاهر، فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس فإن منع ما في يده، فهو غاصب. ولم تعد "الغارة" سرقة ولا عملاً مشيناً يلحق الشين والسبة بمن يقوم به. بل افتخر بالغارات وعدّ المكثر منها "مغواراً". لما فيها من جرأة وشجاعة وإقدام وتكون الغارة بالخيل في الغالب، ولذلك قال علم اللغة: " أغار على القوم غارة وإغارة دفع عليهم الخيل " . وقد عاش قوم على الغارات، كانوا يغيرون على أحياء العرب، ويأخذون ما تقع أيديهم عليه، ومن هؤلاء "عروة بن الورد "، إذ كان يغير بمن معه على أحياء العرب، فيأخذ ما يجده أمامه، ليرزق به نفسه وأصحابه. بعد أن انقطعت بهم سبل المعيشة، وضاقت بهم الدنيا. فاختاروا الغارات والتعرض للقوافل سبباً من أسباب المعيشة والرزق. وذكر أهل الأخبار أسماء رجال عاشوا على الغارات وعلى التربص للمسافرين لسلب ما يحملونه معهم من مال ومتاع. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#134 |
|
عضو فضي
|
الأفراح
الأفراح، عامة أو خاصة. فمن الأفراح العامة، الأعياد والمناسبات المماثلة، مثل انتصار في حرب وغزو أو تولي ملك عرشاً أو سيد رئاسةَ قبيلة. ومن الخاصة، الزواج والبرء من مرض، والعود من سفر، وأمثال ذلك. ولما كان العرب في جاهليتهم قبائل وشيعاً وكان الاتصال بينهم صعباً، صارت أعيادهم كثيرة غير متفقة فيَ زمان أو مكان، ذات صفة محلية، لا يشترك فيها كل عرب جزيرة العرب. وهي مرتبطة بالأصنام في الغالب وبالمواسم التجارية التي تتجلى في انعقاد الأسواق. ولذلك، فأنا حين أتحدث عن اعياد اهل الجاهلية فلن أستطيع أن آتي باسم عيد واحد، أقول إن جميع العرب كانوا يعيدّون ويفرحون جميعهم به، لما ذكرته من انقسام الجاهليين الى قبائل وشيع وعدم وجود دين واحد لهم، يجمع شملهم. والدين من اهم العوامل المساعدة لظهور الأعياد وجكمع شمل المؤمنين به للاحتفال بها. ولذلك فأعياد الجاهليين هي اعياد موضعية تعيّد قبيلة أو مدينة أو مملكة بعيد، ولا يعرف عنه بقية العرب اي شيء. أما اعياد اليهود والنصارى والعرب فأمرها أمر آخر، لأن اليهودية والنصرانية قد حددتا تأريخّاً ثابتاً للاعياد فيهِا، فصارت معروفة عند أتباع الديانتين يحتفلون بها في الأجل الموقوت. وكان الحج إلى مكة من أهم مواسم العرب في الحجاز، وهو عيد، يجتمع فيه الناس من مختلف القبائل ومختلف الأماكن للتقرب إلى الأصنام وللتلاقي في ظروف أمن وسلام لا يحلّ فيها قتال ولا اعتداء ولا لغو ولا فحش. ويقوم اهل مكة بخدمة الوافدين الضيوف، ضيوف "البيت"، وتمر ايام خالية من غدر واعتدأء وقتل وأخذ بثأر يلبس فيها الناس خير ما عندهم من لباس ويتجلون بأحسن صورة. فإذا انتهت إلأيام عادوا إلى ديارهم. وذكر انه كَان لأهل "يثرب" يومان يعيّدون فيهما، يلعبون فيهما ويستأنسون، هما: النيروز، والمهرجان. فلما قدم الرسول المدينة أبدلهما بيوم الفطر والأضحى. والظاهر ان اليثربيين أخذوا عيديهما المذكورين من الفرس، "النيروز" عيد شهير من اعياد الفرس من اصل "نو" بعنى جديد و "روز" بمعنى يوم، أي أول يوم من السنة الإيرانية الشمسية. وأما "المهرجان"، فإنه عيد من أعياد الفرس كَذلك، يعيدّ به في الشهر السابع من شهورهم الشمسية. وهو شهر "مهر" "مهرمأه"، ويدعى العيد "مهركان". وقد بقي الفرس يحتفلون به في الإسلام، حتى زماننا هذا، وورد ذكره في الأشعأر. ولم يذكر أهل الأخبار كيف عيَد أهل "يثرب" بهذين العيدين اللذين هما من أعياد الفرس. ولا ما هي صلتهم بهما. وذكر أهل الأخبار عيداً سموه "يوم السبع"، قالوا إنه عيد كًان لهم في الجاهلية، يشتغلون فيه بلهوهم وعيدهم من حكل شيء ولم يتحدثوا بشيء مفصل عنه، ولم يذكروا أنه عيد من. وورد في بيت شعر للنابغة اسم عيد دعاه "السباسب"، وقد ذكر أهل الأخبار أنه كان عيداً لقوم من العرب في الجاهلية وكانوا يحيّون فيه بالريحان. رقاق النعال، طيبٌّ حُجُزاتهم يحيوّن بالريحان يوم السباسِبِ وهو في الواقع عيد من أعياد النصارى، كما أشار إلى ذلك أهل، الأخبار. إذ ذكروا أنه "عيد للنصارى ويسمونه يوم " الشعانين" وقد كان هذا ألعيد معروفاً فيَ الحجار أيضاً، ورد في الحديث " إنّ الله تعالى أبدلكم بيوم السباسب يوم العيد ". وإذا صح ورود هذا الحديث عن الرسول، كان ذاك دليلاً على أن أهل مكة كانوا قد عرفوا هذا العيد وعيدوه وربما كانوا أخذوه عن النصرانية. ولم ترد في نصوص المسند إشارات الى أعياد العرب الجنوبيين ولم ترد اشارات إلى الأعياد في النصوص الثمودية أو اللحيانية أو الصفوية. لذلك لا أستطيع أن أتحدث عن العيد عند العرب الجنوبيين أو اللحيانيين أو الصفويين أو قوم ثمود. وقد اشار بعض الكتبة "الكلاسيكيين" إلى تعييد النبط وعرب اعالي الحجاز واحتفائهم فيها بأصنامهم وحجّهم إلى معابدهم، إلا انهم لم يسموّا تلك الأعياد بأسمائها. وقد عيّد يهود جزيرة العرب بأعيادهم ايضاً. وكانوا يحافظون عليها، لأنها في عقيدتهم عمل من الأعمال الدينية. ولم يكونوا يشتغلون فيهاْ، إذ يرون في الخروج عليها خروجاً على الدين الذي منعهم من الاشتغال في ايام السبت والأعياد وحتم عليهم وجوب مراعاة حرمة تلك الأيام مراعاة تامة. ومن اعياد اليهود الني عرفها الجاهليون عيد رأس السنة، وعيد الصوم الكبير"الكبور"، و "عيد المظال" واعياد اخرى. أما العرب النصارى، فقد عيدوا بأعيادهم الدينية، واحتفلوا بها، وفي المواضع التي كَانت فيها جماعة كبيرة منهم كانت احتفالاتهم بها اوضح وأفرح. وفي الحيرة، جيث تفشت النصرانية وانتشرت، كان الناس يتزينون ويتجملون ويلبسون أحسن ما عندهم من حلل في ايام أعيادهم، مثل "عيد السعانين" "عيد الشعانين"، ويحتفلون في البيع والكنائس، والأديرة فرحأ بذكرى العيد، ويخرجون بصلبانهم. وذكر ان "يوم السعانين" "يوم الشعانين"، هو "يوم السباسب"، العيد الذي مرّ ذكره، وقد كان من أعياد النصارى. وقد اشتقت كلمة "السعانن" "الشعانين" من العبرانية، أخذت من لفظة "هوشعنا"، التي كان يتهلل بها اليهود أمام المسيح. و "السباسب": الأغصان، يريدون منها سعف النخيل الذي قطعه اليهود يوم استقبلوا المسيح في دخوله أورشليم. وذكر أن "الهنزمر"، و "الهنزمن" " و "الهيزمن"، -كلها: عيد من أعياد النصارى أو سائر العجم، وهي أعجمية. قال الأعشى: إذا كان هنزمن وروحْتُ مخشما واشتهر "عيد الفصح"، وهو عيد فطر النصارى، إذا أفطروا وأكلوا اللحم. وقد أشار اليه الأعشى بقوله: بهم تقرب يوم الفصح ضاحـية يرجو الإله بما سدّى وما صنعا وذكر العلماء اسم عيد آخر من أعياد النصارى دعوه "السلاّق"، ذكروا أنه مشتق من تسلق المسيح الى السماء. والكلمة من أصل إرمي، هو Souloqoبمعنى صعود. وقصد به عيد صعود المسيح اك ألى السماء. وللنصارى عيد آخر اسمه "خميس الفصح"، وعرف أيضاً ب "خميس العهد". وقد احتفل به نصارى الحيرة. وذكر علماء اللغة أن للنصارى عيداً من أعيادهم اسمه "دنح"، وتكلمت به العربْ. وهو من أصل إرمي هو "دنحو"، بمعنى اشراق وظهور. ويراد به "عيد الغطاس". وتضاف اليها الأعياد المحلية، التيَ كَان يحتفل فيها بأيام القديسن. فقد كان الغساسنة يحتفلون مثلاً في الرصافة بعيد "القديس سرجيوس". وكان لنصارى العراق أعيادهم الخاصة بهم جسب مذاهبهم. يكرسونها تخليداً لذكرى قديسيهم. وقد اشتهر النصارى بين الجإهليين وفي الإسلام بمحافظتهم على أعيادهم حتى ضربوا المثل بأعياد النصارى. فقال العجاج: واعتاد أرباضاً لها آري كَما يعود العيد نصراني والعادة - كما هو شأن كل الأمم - أن يتزين في أيام الأعياد بأحسن اثياب والملابس المفتخرة والحلل المثمنة والبرود المعجبة، وأن يظهر الشبان مقدراتهم وبراعتهم في التسابق على الخيل وفي الألعاب وفي الظهور أمام النساء، ويلعب الصبيان أنواعاً من الملاعب، وان يتغنى ويزمر بالدفوف والمزاهر وأمثال ذلك، لتكسب الأيام بهجتها وروعتها. وكان من عادة أشراف الحيرة اللعب على الخيل بالصوالجة، وذللك على طريقة العجم. وقد يخضب الرجال والنساء أيديههم بالخضاب، ولا سيما "الحناء". ولكن هذا النوع من إظهار القرح والسرور، غالب في الأعراس وفي الختان، حيث تولم الولائم وتقام الأفراح، ويخضب بالحناء. اللعب في العيد ومما كان يتلهى به المعيّدون ويتسلّون به، الغناء، واللعب بمختلف أنواعه. وفي جملته استخدام السودان للعب بلعبتهم الشهيرة لعبة الدرق والحراب. وقد برع في الغناء نساء ورجال. وذكر ان أهل "يثرب" كانوا اهل طرب وكانوا يحبون الغناء، وانهم استخدموا "الحبش" للضرب على الدف والغناء في ايام آلأعياد. وقد كانوا يلعبون في المسجد بالدرق والحراب ولم بنههم الرسول عن ذلك، لأن اللعب كان في ايام العيد. وقد غنت جاريتان ل "عائشة" بإنشاد العرب بغناء بعاث،كما أذن الرسول للسودان باللعب في مسجده في الحراب والدرق، ونشطهم بقوله: "يا بني أرفدة". الغناء وطرب الأعراب، طرب ساذج يتناسب مع طبيعة بيئانهم، وكذلك كان غناؤهم غير معقد ولا متنوع. أما طرب أهل الحضر، فكان أكثر تعقيداًوتفنناً ولا سيما طرب أهل، الحضر الساكنين في ريف العراق وفي بلاد الشام، وعند أهل اليمن، فاستعملوا آلات طرب متعددة، أخذوا بعضها من ألاعاجم الذين اتصلوا بهم، كما أخذوا من أولئك الأقوام ألواناً من ألوان الغناء وفنونه. هذا الاختلاف لا بد أن يقع،لاختلاف أهل الوبر وأهل المدر في البيئات، وفي الطباع والعادات. - وللشعر علاقة كبيرة بالغناء. فالغناء هو التغني بالشعر. ولذلك قالوا: تغنى بالشعر، وفلان يتغنى بفلانة إذا صنع فيها شعراً، وله علاقة بالحداء أيضاً. قالوا: حدا به، إذا عمل فيه شعراً. فالغناء نغم ووزن ويكون لذلك بكلام موزون. وهو الشعر الذي يناسب نغم الغناء. أما النثر، فلا يناسب طبعه طبع الغناء. ويكون بينهما جفاء. إذ لا يستقيم النثر العربي مع الوزن دائماً. لذلك فلا يمكن للمغني أن يغني به. قال "الجاحظ": العرب تقطع الألحان الموزونة وألعجم تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في الوزن اللحن، نتضع موزوناً على غير موزون. وذكر أن الغناء من الصوت ما طرب به. وذكر أهل الأخبار أن الجاهليين كانوا يستمعون إلى القيان. وأن فارس كانت تعدّ الغناء أدباً والروم فلسفة. وأن الملوك العرب كانوا يملكون القيان أيضاً. ومنهم أشراف مكَة وعلى رأسهم "عبدالله بن جدعان". وقد عرف غناء أهل البادية ب "غناء الأعراب"، وذلك لاختلافه عن غناء الحضرْ. فكان لأهل الحيرة مزاج في الغناء نختلف عن مزاج أهل البادية، بل حتى عن مزاج غيرهم من الحضر، وذلك للظروف الخاصة الني تحيط بهم، مثل اختلاطهم يالفرس، ووجود النصرانية والمؤئرات اليونانية فيما بينهم. وقد كان في كنائس العباديين نصارى الحيرة، تراتيل وترانيم، وهي بالطبع نوع من الغذاء الروحي وقد كان عندهم خمرتبعث على الانشراح واللأنبساط، وأديرة مزدانة بالخضرة والرياحين والأزهار، وفيها ماء طيب وغناء ران وراهبات، فلا عجب إن طرب سكافها وتفننوا في غنائهم وتميزوا به عن بقية الغناء ائعربي، حتى قيل له: غناء أهل الحيرة، وقد ذكر: انه بين الهزج والنصب، وهو إلى النصب أقرب، كما كانت لهم لغة امتازت عن لغات العرب الاخرين غنوا بها، فأكتسب غناؤهم طابعاً حيرياً خاصا. ومن مرادفات الغناء "السمود " بلغة حمير. وقيل السمود اللهو وبصورة خاصة الغناء. وللفقهاء في الإسلام آراء في قراءة القرآن. منهم مَنْ جوّ ز قراءته بالألحان ومنهم من جوّز قراءته بالرجيع، وغير ذلك. والترجيع ترديد الصوت في الحلق في قراءة أو غناء أو زمر أو غير ذلك مما يترنم به. وقيل الترجيم هو تقارب ضروب الحركات في الصوت. وأما "العزف" فالملاهي، واللعب بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يضرب. والعازف اللاعب بها والمغني، وعزف الدف صوته. والمعزف، ضرب من الطنابير يتخذه أهل اليمن وغيرهم، ويجعل العود معزوفا. ويعبر عن الاستماع إلى الغناء والإنصات لصوت المغني ب "السماع". ويحدث السماع طرباً في النفس. وقد صار للكلمة معنى خاص في الإسلام، إذ حولت الى سماع الترانيم الدينية في الغالب، لذللك لم ينظر اليه نظرة الناس إلى الغناء. وتغنى أهل الجاهلية في كل المناسبات المبهجة، وضربوا على آلات الطرب.ومن هذه المناسبات الزواج والعودة من الأسفار، كما كانوا ينذرون أنه إن تحقق مطلب لهم فإفهم يقيمون مجلس طرب يتغنى فيه: كمناسبة شفاء من مرض أوعودة من حرب.وكان شبان مكة يذهبون الى السمر ويلهون بسماع الغناء وبالضرب على الدفوف والاستماع إلى تزمير المزمار. كما اسعمل الغناء في الغزو، وذلك لتنشيط الغازين وتحريضهم على القتال. ومن هذا القبيل ما يرتجز به الشجعان عند اللقاء في الحرب. واستعمل في الختان وفي العقيقة والولائم. آلات الطرب والات الطرب عند العرب ثلاثة: الات ذات أوتار كالعود وآلات نفخَ، وآلات ضرب كالصنوج والطبل الدف. والطرب: الفرح والحزن وهو ضد، أو هو خفة تلحقك سواء تسرك أو تحزنك. فهي تعتري عند شدة الفرح أو الحزن أو الغم. والتطريب التغني. ويقال طرب فلان في غنائه تطريباً إذا رجع صوته وزينه. والدفّ من آلات الطرب القديمة المشهورة ويستعمل. للتعبر عن العواطف في الفرح والسرور. وهو معروف عند الساميين ويسمى "توف" "تف" toph عند العبرانيين. وقد ورد ذكره في التوراة. وتنقر به النساء أيضاً. وقد كان شائعاً عند العرب، ينقرون به في أفراحهم. ولما وصل الرسول إلى يثرب، استقبل بفرح عظيم وبالغناء وبنقر الدفوف. وأكثر ما استعمله العرب في المناسبات المفرحة، كالنكاح. ورافقوا الضرب به أصوات الغناء. وقدا وردت في الشعر الجاهلي أسماء آلات طرب عرفت في ذلك العهد، فورد في شعر للاعشى: الناي، والبربط، والصنح، وهي آلات عرفت عند الفرس. وقد دعي "الناي" ب "ناي نرم". والناي نرم وبربـط ذيُ بـحة والصنج يبكي شجْوَهُ أن يوضعا وقد ذكر الجواليقي ان الربط معرب، وهو من ملاهي العجم، شبّه بصدر البط. والصدر بالفارسية "بر"، فقيل بربط. وقد ورد في العقد الفريد: "العود الكران. والمزْ هر أيضاً هو العود، وهو البربط". والبربط من آلات الملاهي المشهورة عند الروم. وعرف الجواليقي "الصنج" فقال: "والصنج الذي تعرفه العرب هو الذي يتخذ من صفر، يضرب أحدهما بالاخر... فأما الصنج ذو الأوتار، فتختص به العجم، وهما معربان. وسموّا الأعشى "صناجة العرب" لجودة شعره. وذكر أن اللاعب بالصنج هو "الصناّج أ و "الصنّاجة". وجاء الأعشى باسم ألة طرب أخرى من ألات الملاهي عند العجم، دعاها "الوَنَّ": بالجلـسّـان وطـيب أردانـه بالونَ يضرب لي يكرالإصبعا ويظهر من هذا البيت أن الونّ آلة طرب ذات أوتار،يضرب عليها بالأصابع. وقد ذكر بعض العلماء أن الونّ: "الصنج الذي يضرب بالأصابع وهو الونج، كلاهما دخيل مشتق من كلام العجم". وعرف بعضهم "الونج" بأنه "المعزف أو العود، فارسي معرب. وأصله بالفارسية وَ نهَْ. وقد تكلمت به العرب. ومنهم من جعل "الون "" و "الونج" شيئاً واحداً. ويذكر علماء اللغة أن "العرْطَبة" هي اسم للعود، وقيل: الطبل، وقيل: الطنبور: وقد ورد ذكوها في الحديث مع اسم آلة أخرى من آلات الملاهي، هي "كوبة". ويرى العلماء أن "الكوبة"، الطبل الصغير،وهي "النرد" بلغة اليمن. وذكر أن "المرطبة" طبل الحبشة خاصة.، وان "الكوبة" لبربط وللشطرنج والطبل الصغير. وذكر أهل الأخبار أن "النضر بن الحارث بن كلدة" كان يغني بالعود. والعود من جملة آلات الطرب القديمة. وهو "عوديت" عند العبرانيين. وقد أشير اليه في جملة آلات الموسيقى المستعملة في أيام داوود، وذلك في المزامير. وذكر أن من أسماء العود "الكران"، وأن "الكرينة" المغنية الضاربة يالعود أو الصنج. ويعرف الوتر ب "البم"، ويقال هو الوتر الغليظ من أوتار المزهر. و "الناي" من ا لات الطرب، ينفخ فيه،يصنع من الخشب ومن القصب. وذكر ان الناي من أسماء "المزمار"، وهو من الات النفخ كذلك. و "القصاب"، وهو الذي ينفخ في القصب الزمّار. وأما "الهيرعة"، فالقصبة، التي يزمر فيها الراعي. وذكر أن "القنين" طنبور الحبشة. "وفي الحديث: إنّ الله حرّم الخمر والكوبة والقنين". والقنين الضرب بالقنين. وذكر أن الكوبة: الطبل. وأما "الكر"، فهو الطبل، وقيلَ طبلُ له وجه واحد. وقيل هو الطبل ذو الرأسين ويقال للطنبور "طبن" كذلك. المزمار" و "الزمّارة": ما يزمر فيه. ويقال للقصبة التي يزمر بها،زمارة.واما "الرباب" فمن الات اللهو كذلك. وقد اشتهر الغناء بالمزمار عند العرب، وأجادوا فيه. وقد كان الجاهليون مثل غيرهم من الساميين يستخدمون الغناء في عباداتهم، ربما استخدموا معه بعض آلات الطرب. وذلك تعبيراً عن بهجتهم وسرورهم بتعبدهم للالهة وتقرباً اليها بهذا الغناء الذي يدخل السرور إلى نفوسها. وقد ذكر المفسرون أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت يصفرون ويصفقون. وإذا صح قولهم هذا، فإنه يعني استعمال نوع من الطرب في حجّهم وطوافهم بالبيت. وقد تعرض "الجاحظ" لموضوع الغناء العربي وما يختلف به ويمتاز عن غناء الأعاجم، فقال: "العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، والعجم تمطط الألفاظ قتبضى وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزوناً على غير موزون ". واللحن: الغناء. "وفي الحديث: اقرأوا القرآن. بلحون العرب وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل العشق ". ويراد به التطريب وترجيع الصوت وتحسين القراءة والشعر والغناء. وقد كان اليهود والنصارى يقرأون كتبهم نحوا من ذللك. أصول الغناء الجاهلي ويرجع الأخبار غناء الجاهلين إلى ثلاثة أوجه: النصب،والسناد،والهزج. فأما النصب، فغناء الركبان وغناء االفتيان والقينات، ويغني به في المراثي كذلك. وقد دعى اسحاق بن ابراهيم الموصلى، الغناء الجنابي نسبة إلى رجل من كلبٍ يقال له: جناب بن عبد الله بن هبل. وهو الذي يقال له "المراثي"، ومنه كان أصل الحداء، وكله يخرج من الطويل في العروض. وأما السناد، فالثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات. وأما الهزج، فالخفيف الذي يرقص عليه ويمشي بالدف والمزمار فيطرب ويستخف إلحليم. ويذكر أهل الأخبار ان الأنواع المذكورة كانت غناء العرب، حتى جاء الإسلام وفتحت العراق، وجلب الغناء والرقيق من فارس والروم، فغنوا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية والرومية، وغنوّا جميعاً بالعيدان وألطنابر والمعازف والمزامير. وذكر أيضاً ان الغناء قديم في الفرس والروم، ولم يكن "للعرب قبل ذللك إلا الحداء والنشيد، وكانوا يسموّنه "الركباني" "الركبانية". والنشيد رفع الصوت، ومن المجاز الشعر المتناشد بين القوم ينشده بعضهم بعضاً. وذكر "المسعودي" أن غناء العرب النصب، ثلاثة أنجاس: الركباني، والسناد الثقيل، والهزج الخفيفْ. ويرى بعض أهل الأخبار أن أصل الغناء ومعدنه إنما كان في أمهات القرى من بلاد العرب، حيث فشا بها، وانتشر. ومن هذه مكة والمدينة والطائف وخير ووادي القرى ودومة الجندل واليمامة، وهذه القرى مجامع أسواق العرب. ورووا أن أول من غنى في العرب قينتان لعاد، يقال لهما الجرادتان. وههما قينتا "معاوية بن بكر الجرهمي" "معاوية بن بكر العملقي" غنتّا لوفد "عاد"بمكة، فشغلوا عن الطواف بالبيت وسؤال الله فما قصدوا، فهلكت عاد وهم سامدون. فلما رأى الجرهمي، وهو معاوية بن بكر، أحد العماليق، ذلك قال: هلك أخوالي "عاد"، ولو قلت لضيوفي شيئاً، ظنوا بي البخل، فألقى إلى الجرادتين شعراً يذكر بمحنة "عاد"، فاًنشدتاه الضيوف. وكان الجرهمي سيد مكة حين وفدت عاد تستقي في قحطها. وكان "قيل ابن عتر" أحد الرؤوس الثلاثة لوفد عاد، حين ذهبوا في القحط إلى مكة يستسقون لقومهم. وورد أيضاً أن الجرادتين كانتا مغنيتين للنعمان. كما ورد ذكر الجرادتين وغناءهما لأبي رغال. وورد أنهّ كان بمكة في الجاهلية قينتان يقال لهما الجرادتان مشهورتان بحسن الصوت. وقبل إن الجرأدتين كانتا أمتين تتغنيان في الجاهلية وكانتا لعبدالله ابن جُدْعان. وقد ذكر "أبو العلاء المعري"، أن العرب تسمي كل قينة جرادة، حملاً على أن قينة في الدهر إلأول كانت تدعى الجرادة. واستشهد بهذا البيت: تغنينا احبراد ونحن نشرب=نعلّ الراح خالطها المشور وذكر بعض العلماء أن "جذيمة الخزاعي بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة ابن عمرو بن عامر"، المعروف ب "المصطلق"، كان من أحسن إلناس صوتاً، وقد غنى بعد "الجرادتين" " غنى غناء النصب. وذكر انه أول من غنى في خزاعة. ثم غنى بعده "ربيعة"، وهو "ضبيس بن حزام بن حيشة بن سلول ابن كعب بن عمرو بن عامر" الخزاعي، ثم غنى بعده "زمام بن خطام الكلبي"، وقد ذكره ". الصمة القشيري"، بقوله: دعوت زماماً للهوى فأجابني وأي فتى للّهو بعـد زمـام وذكر "المسعودي"، أن غناء أهل اليمن بالمعازف وإيقاعها جنس واحد، وغناؤهم جنسان: حنفي، وحميري. والحنفي أحسنهما، فهذا هو غناء أهل اليمن. ورجع بعض أهل الأخبار غناء أهل اليمن إلى "علس بن زيد ذي جدن"، زعموا انه أول من تغنى باليمن. وزعموا أنه كان من ملوك اليمن، لقب بذي جدن، لجمال صوته. فالجدن الصوت عند أهل اليمن. وذكر ان قريشاً لم تكن تعرف من الغناء، إلا النصب، حتى قدم "النضر ابن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي"العراق، فتعلم ضرب العود وغناء العباديين، فقدم مكة، فعلّم أهلها، فاتخذوا القيان. ويظهر من غربلة ما ورد في الأخبار عن الغناء، أن المراد به، تلحين ما يراد التغني به وتطريبه، حتى يثير الطرب في نفوس السامعين، لا سيما إذا اقترن بآلة من آلات الطرب. ونادراً ما يكون غناء دون "موسيقى". فالموسيقى تصاحب الغناء. والغناء: تلحين ما يراد التغني به بتقطيعه قطعاً موزونة تكون نغمة،يوقع على كل صوت منها بإيقاع يناسبه، فيزيده لذة في السماع. وذهب "المسعودي" إلى أن أول من اتحذ القيان من العرب، أهل يثرب. أخذوا ذلك من بقايا عاد. بينما يذكر الأخباريون، أن أول من غنى من العرب العاربة الجرادتان، وكانتا قينتين على عهد عاد، لمعاوية بن بكر العمليقي. وفي جملة من قال ذلك "ابن خرداذبه"، الذي اعتمد "المسعودي" عليه في موضوع الغناء، ونقل من كتابه "اللهو والملاهي" بالنصْ. والقينة عند علماء اللغة: الأمة المغنية، وذكروا أنها كلمة هذلية. وقال بعض آخر: مغنية كانت أو غير مغنية. وإنما قيل للمغنية قينة، إذا كان الغناء صناعة لها، وذلك من عمل الإماء دون الحرائر. والظاهر أنها من الألفاط المعربة، فالغناء في لغة "بني إرم" هو "قنتو" Qintoوالمغنية "قينة" من الغناء "قنتو". وذكر أن من أسماء "القينة" "الزمّارة" و "الزامرة"، وقيل للمغنى "الزمار"، وذلك من التزمير بالمزمار. ويقال للمغنية "الكرينة" أيضاً. وقد وردت اللفظة في شعر لبيد: بصبوح صافية وجَذْب كرينة بموتر تأتالـه ايهـامـهـا وذكر أن "الكرينة" المغنّية الضارية بالعود أو الصنج، والضاربة ب "الكران". و "الكران" هو العود. وذهب أهل الأخبار إلى أن الغناء محدث في العرب، أخذ من "الحداء". وكان الحداء في العرب قبل الغناء. وكان أول السماع والترجيع في العرب، ثم اشتق الغناء من الحداء. اشتقه "حباب بن عبدالله الكلبي"، فغنى النصب. وقد أُشير الى الغناء النصب في كلام ينسب إلى عبدالله بن عمر بن الخطّاب، فذكر أنه قال: مر بنا ابن الخطاب، وأنا وعاصم بن عمر نغني غناء النصب، فقال: أعيدا عليّْ. وورد أن أنس بن مالك سمع أخاه البرّاء بن مالك يغني، فقال: ما هذا قال: أبيات عربية أنصبها نصباً. مما يدلّ على أن غناء النصب إنما ورد من هذا المعنى.كذلك أشير الى الحداء في خبر ينسب إلى ابن جريج، قال: سألت عطاء عن قراءة القرآن على ألحان إلغناء والحداء. وقد أخرج هذا الخبر الحداء من الغناء. وعرف بعض العلماء النصب: أنه غناء الركبان. وعرف أنه "العقيرة"، يقال: رفع عقيرته إذا غنى النصب. وعرف أنه ضرب من أغاني آلعرب. "وفي حديث نائل،مولى عثمان: فقلنا لرباح بن المغترف: لو نصبت لنا نصب العرب أي لو تغنيت، وفي الصحاح: لو غنيت لنا غناء العرب. "وكان رباح بن المغترف يحسن غناء النصب، وهو ضرب من أغاني العرب، شبيه الحداء،وقيل: هو الذي أحكم من النشيد، وأقيم لحنه ووزنه". وعرف النصب: انه ضرب من مغاني العرب أرق من الحداء. وقد أشار أهل الأخبار إلى أن العرب كانت "تتغنى بالركياني، إذا ركبت الابل، وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي، صلى الله عليه وسلم " أن يكون هجيراهم بالقران مكان التغني يالركباني، وأول من فرأ بالألحان عبيد الله بن أبي بكرة، فورثه عند عبيد الله بن عمر، ولذلك يقال قرأت العمري، وأخذ ذلك عنه سعيد العلاّ ف الإباضي". وذكر أن "عمر" سمع "عبد الرحمن بن عوف" وهو يتغنى وينشد بالركبانية، وهو غناء يحدى به الركاب. والحداء، هو من أقدم أنواع الغناء عند العرب،يغنى به في الأسفار خاصة، ولا زال على مكانته ومقامه في البادية حتى اليوم. ويتغنى به فىِ المناسيات المحزنة أيضاً لملاءمة نغمته مع الحزن. وقد كان للرسول حادي هو " إلبرّاء بن مالك بن النضر الأنصاري" وكان حداءً للرجالْ. وكان له حدّاء آخر، يقال له "أنجشة الحادي" وكان جميل الصوت أسود، وكان يحدو للنساء، نساء النبي، وكان غلاماً للرسول. وذكر أن النبي "قال لقوم من بني غفار" سع حاديهم بطريق مكة ليلاّ، فقال لهم: إن أباكم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجدها قد تفرقت، فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: وايداه، وايداه، فسمعت الإبل ذلك فعطفت فقال مضر: لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت، فاشتق الحداء". وذكر بعض أهل الأخبار " أن أول من أخذ في ترجيعه الحداء "مضر بن نزار". فإنه سقط عن جمل فانكسرت يده، فحملوه وهو يقول: وايداه وايداه،و كَان أحسن الله جرماً وصوتاٌ، فأصغت الإبل اليه وجدت في السر، فجعلت العرب مثالاً لقوله هايدا هايدا سون به الإبل ". وللاخبارين كلام آخر من هذا النوع عن الحداء. يتفق كله في أن هذا النوع من الغناء كان من خصائص غناء مضر. وكان "عامر بن سنان الأكَوع بن عبد الله بن قشير الأسليمي" المعروف ب "ابن الأكوع، رجلاً شاعراً وراجزإً، وكان يحسن الحدإء، فطلب منه أصحاب الرسول أثناء سيرهم الى خيبر أن يحدو بهم. فسمع الرسول حداءه. وهناك أخبار أخرى يفهم منها أن العرب لم تدخل الحداء في الغناء، وإنما ذكرته معه، على أنه باب خاصْ. والعادة أن يجعل المسافرون معهم حادياً أو جملة حداة يحدون بهم في السفر. وكان أبو هريرة أحد الصحابة المحدثين عن رسول الله، يحدو لركب بسرة بنت غزوان. والحداء إذن ضرب مخصوص من الغناء، ويكون بالرجز غالباً لأن طبيعة الرجز تلائم هذا النوع من الغناء. ويذكر "المسمعودي" أن الحداء كان في العرب قبل الغناء. وكان أولَ السماع والترجيع في العرب، ثم اشتق الغناء من الحداء. فالحداء متقدم على الغناء إذن، هو الباب الذي ولج ألعرب منه الى الغناء. والحداء، هو في الواقع غناء أهل البادية، وفي إرجاع أهل إلأخبار أصله إلى "مضر" أو غيره من الرجال صحة، إذا اضبرنا ان "مضر" أو غيره كناية عن الأعراب. لأن هذا النوع من الغناء مما يتناسب مع لحن البوادي ونغمها الحزينة البسيطة التي تطرب بها طبيعة البداوة نفس الأعراب. ولا زال غناء اًهل البادية متأثراً بهذه الضربات من العزف، التي تعزنها البادية للتخفيف عن كآبته. الطبيعة وللتعبير عن الروح الحزينة التي تحملها هذه الطبيعة من نشوئها ونموها في هذه الفيافي الساحقة الشاسعة التي لا ترى،حدودها العين، والتي ترشق الأوجه برشقات من الرمال، تسدّ العين، حتى لا تتجاسر فتمدّ بصرها لتسترق سرّ هذه المحيطات ذات الأمواج المتفاوتة في الإرتفاع من تموجات الرمال. وقد تخصص أناس من رجال ونساء بالغناء، واتخذوه حرفة لهم يتكسبون بها. والمغنون المحترفون هم من سواد الناس، ومن الرقيق. لأن من طبع الشريف والحرّ الابتعاد عنه. وقد احترف هؤلاء الغناء وتعيشوا عليه. فكانوا يدعون إلى إحياء الحفلات في مقابل أجر يدفع لهم. وقد كان من بينهم من يغني بلغته كالرومية والحبشية، ولهذا فلم يكن من المستبعد سماع غناء أجنبي في موضع مثل مكة أو يثرب لوجود رقيق فيه. وقد تغنى بشعر بعض الشعراء الجاهليين، ومن هؤلاء شعر الشاعر "مرُّة ابن الرواغ". ويذكر أهل الأخبار ان "امرىء القيس بن حجر"، كان يأمر قيانه أن يغنين بشعره. وان قيان الملوك كن يغنين به أيضاً، وقد كان النخاسون في الجاهلية يعلمون المغنيات الشعر، للتغني به. وقد كان أغنياء مكة والقرىَ الأخرى يملكون القيان، ومنهم من كان يملك عدداً منهن. مثل "عبدالله بن جصُدْى ان". وكان "لمقيس بن عبد قيس بن قيس بن عدي"، قينتان تغنيان، وكان بيته مألفاً لشباب قريش ينفقون عنده ويشربون ويتهاتكون يبقون على ذلك ليالي وأياما. ومن القيان: " هريرة" اني شبب بها "الأعشى". وهي أمة سوداء،لحسان ابن عمرو بن مرثد. ولها أخت اسمها "خليدة": كانت قينة كذلك. وقد ورد في رواية أخرى، أنهما كانتا قينتين د "بشر بن عمرو بن مرثد"، وكانتا تغنيانه النصب. وقدم بهما اليمامة، لما هرب من "النعان". وذكر انه كان ل "عائشة" جاريتان تغنيان بغناء بعاث، أي تنشدان ومن أهل الحداء حاد يقال له "أنجشة" أشرت اليه قبل قليل، وكان حسن الصوت. وهو من الصحابة. "وفي الحديث: أن النبي، صلى الله عليه وسلم قال لأنجشة وهو يحدو بالنساء، رفقاً بالقوارير.،، وكان أنجشة يحدو بهن ركابهن ويرتجز بنسيب الشعر والرجز وراءهن". وهو من أصل حبشي،يكنى"أبا مارية". وكان يحدو بالنساء، وكان الرّ اء بن مالك يحدو يالرجال. وربما كان على النصرانية قبل دخوله في الإسلام. وكان "البراء بن مالك بن النضر الأنصاري"، حسن الصوت كذلك. وكان يرجز لرسول الله في بعض أسفاره، كما أشرت إلى ذلك قبل قليل. وذكر انه كان حادي الرجال. وكان يتغنى بالشعر.قد شهد المشاهد مع رسول الله إلى بدراً، وله يوم اليمامة أخبار. واستشهد في أيام عصر. وكان من الشجعانْ. ومما يلفت النظر ان الأخباريين حين يتحدثون عن مجلس طرب وشرب وغناء، يذكرون أن صاحب المجلس أمر قينتين له بأن تغنيا له. أولهم، وذلك في الغالب، ولم يذكروا قينة أو أكثر إلا في الأقل، حتى ليشعر القارىء أن العرف في ذلك الوقت أن تكون للسادة وللاشراف قينتين تغنيان تكونان في البيت بصورة دائمة. فلما اغتاط "أبو براء عامر بن مالك بن جعفر" مما قيل عنه، وأراد الترفيه عن نفسه قبل أن يقتل نفسه "دعا قينيتن له فشرب وغنتاه". وكان "عبدالله ابنُ جدْ عان" إذا أراد سماع الغناء "أمر قينتين له تسميان "الجرادتين" بالغناءَ. ولا يستبعد استخدام الجاهليين آلات الطرب والغناء في معابدهم وفي أعيادهم. فقد كان الساميون كالعبرانيين يستعملون أنواع آلات الموسيقى في معابدهم وفي أعيادهم تقرباً إلى آلهتهم. وقد وصلت الينا أسماء بعض آلات الطرب التي استعملها الجاهليون ولكن معارفنا لا تزال مع ذلك قليلة ضعيفة. وستزيد ولاشك. متى قام الآثاريون بالتنقيب تنقيباً علمياً عميقاً في مواضع الآثار في مختلف الأنحاء. أما العرب في العراق وفيَ بلاد الشام، فقد تأثروا بالغناء الأعجمي، واستعملوا آلات الطرب المعروفة عند الفرس واليونان، وسمعوا الغناء بالفارسية والرومية واستحسنوه، بل استحسنه أناس من عرب الحجاز أيضاً. سمع حسان بن ثابت غناء "رائقة". فلما عاد إلى بيته، تذكر ليلة قصاها في الجاهلية مع "جبلة ابن إلأيهم"، لم ينسها قط، قال: "لقد رأيت عشر قيان: خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة وأهداهن إليه اياس بن قبيصة. وكان يقد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها. وكان إذا جلس للشرب، فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين، وضرب له العنبر والمسلك في صحاف الفضة والذهب، وأتى بالمسك الصحيح في صحاف الفضة، وأوقد له العود المندّى إن كان شاتياً، وإن كان صائفاً بطّن بالثلج، واتى هو وأصحابه بكساء صيفية ينفصل هو وأصحابه بها في الصيف، وفي الشتاء بفراء الفَنَك وما أشبهه، ولا والله ما جلست معه يوماً قط إلاّ وخلع عليّ ثيابه التي عليه في ذلك اليوم وعلى غيري من جلسائه، هذا مع حلم عمن جهل، وضحك وبذل من غير مسألة". وإذا كان الغناء للطرب بوجه عام، فإن هنالك نوعاً آخر من الغناء هو "الترنيم"، وهو تطريب الصوت، ويستخدم في الغالب في التلاوة، أي تلاوة الأدعية والتراتيل الدينية. فقد كان الجاهليون يرتلون أغانيهم الدينية أمام أصنامهم، كما فعل ذلك اليهود والنصارى ويترنمون بها. وتصحب هذه الترانيم آلات موسيقية لتعزف الألحان المناسبة الموافقة لها. وذكر علماء العربية أن "الرنم" المغنّيات المجيدات، والرنم الصوت. والرنيم والترنيم ترجيع الصوت وتطريبه. وعرف "الترجيع" ب "ترديد الصوت في الحلق في قراءة أو غناء أو زمر أو غير ذلك ما يترنم به". وقيل: "الترجيع. هو تقارب ضروب الحركات في الصوت". وقد كان الجاهليون يرجعون الشعر، بأن يقرأونه على الألحان والتطريب والإيقاع ليؤثر في السامعين. أما المناسبات المخزنة كالموت والكأبة، فقد كانوا يستعملون فيها نغمات حزينة وهادئة للتخفيف من شدة الحزن والكآبة والألم. وقد كانت لهم في ذلك ألحان وأوزان ونغم. وأما "الهزج"، فالخفيف الذي يرقص عليه، ويمشي بالدف " والمزمار، فيطرب ويستخف الحليم. وذكر أن الهزج من الأغاني ما فيه ترنم وصوت مطرب، وقيل: هو صوت فيه بحح، صوت دقيق مع ارتفاع. وكل كلام متدارك متقارب في خفة هزج. فهو الخفيف المطرب من الغناء. وكانت المناسبات المفرحة مثل الزواج تقترن بالعزف والغناء. روي أن رسول اللّه لما كان غلاماً يرعى غنماً ومعه غلام من قريش يرعى معه كذاك قال له: "لو أنك أبصرت غنمي حتى أدخل مكة: فأسمر بها كما يسمر الشباب، قال: أفعل. فخرجت أريد ذلك حتى جئت أول دار من ديار مكة، سمعت عزْفاً بالدفوف والمزامير. فقلت ما هذا ? فقالوا: فًلان تزوّج فلانة بنت فلان. فجلست أنظر اليهم "، وذكر أن من عادة أهل مكة أن يفعلوا ذلك عند الزواج. وفعل أهل يثرب ذلك أيضاً فى مثل هذه المناسبات وفي مناسبات الفرح الأخرى. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#135 |
|
عضو فضي
|
الر قص
والرقص وجه آخر من وجوه التسلية والتفريج عن النفس. يرقصون في المناسبات، مثل الأعراس والأفراح الأخرى. وهو في الغالب ارتفاع وانخفاض، وقد يكون ذلك هو الذي حمل علماء اللغة على تفسير الرقص أنه ارتفاع وانخفاض. والراقصون هم من الشباب في الغالب، أما الشيوخ، فكانوا لا يرقصون، لعدم ملاءمة الرقص مع جلال السن. وذكر علماء اللغة أن من الرقص نوع يقال له "الدرقلة". وذ كَر بعض آخر أن "الدرقلة" الرقص. "قال محمد بن إسحاق: قدم فتية من الحبْشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدرقلون، أي يرقصون". وقيل: الدرقلة: لعبة للعجم معربة. وهي من الحبشة على بعض اراء علماء اللغة. ونطقت ب" الدركلة" كذلك. وذكروا أن الرسول "مرّ على أصحاب الدركلة فقال: جدّوا يا بني أرفدة حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة". قيل إنّ الدَركلة ضرب من الرقص ولعبة للعجم معربة. وقد عرف الحبش بحبهّم للرقص. وكان أهل مكة وغيرهم من أهل الحجاز إذا أرادوا الاحتفال بعرس أو ختان أو أية مناسبة مفرحة أخرى أحضروا الحبش للرقص والغناء على طريقتهم الخاصة. وورد في الحديث أنه قال للحبشة دونكم يا بني أرفدة. وقيل هم جنس من الحبشة يرقصون. وقيل "أرفده" لقب لهم. هو اسم أبيهم الأقدم يعرفون به. وقد كان الرقص عند الشعوب السامية نوعاً من أنواع التعبير عن الفرح والشكر تجاه آلهتهم. ويدخل في جملة الشعائر الدينية. ولا يستبعد أن يكون الجاهليون مثل غيرهم قد رقصوا لآلهتهم في المناسبات الدينية، تعبيراً عن شكرهم للالهة. ولكن معارفنا عن ذلك قليلة جداً، فلا نجد في الكتابات الجاهلية أية إشارة اليه، أما أخبار أهل الأخبار عن الرقص عند الجاهليين، فهي قليلة. ولا اًستبعد أن يكون السعي بين الصفا والمروة كان رقصاً في الأصل فكان الساعون يرقصون ويغنون أغاني دينية، في تمجيد رب البيت والتقرب اليه. كما كانوا يرقصون في المعابد الأخرى. ويعدّ يوم وصول الملوك والأمراء والسادات إلى مكان ما، يوماً مشهودا ًيجلب الفرح والسرور إلى قلوب الناس، ويعطي ذلك اليوم بهجة وسروراً، وكانوا يستقبلون كبار الوافدين عند قدومهم بأصناف اللهو. ويخرج "المقلسون" بالسيوف والريحان وبالدفوف والغناء. ولذلك قيل "القلس" و "التقليس": الضرب بالدفّ والغناء. و "المقلس": الذي يلعب بين يدي الأمير. ولما قدم "عمر" الشام لقيه المقلسون بالسيوف والريحان. والقلس: الرقص في غناء، وقيل هو الغناء الجيد. العاب مسلية وقطع الجاهليون وفتهم ببعض الألعاب المسليّة، مثل "النرد" وقد أشير اليه في الحديث ب "النردشير" وب "النرد". وذكر بعض العلماء أن "النرد" هو "الكوبة"، بلغة أهل اليمن. وأشير اليه في حديث اهل الأخبار عن "امرىء القيس الكندي" وعن الناعي الذي أوصل الخبر اليه، فقالوا: "فوجده مع نديم له يشرب الخمر، ويلاعبه بالنرد، فقال له: قتل حجر، فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه، فقال له امرؤ القيس: اضرب، فضرب،. حتى إذا فرغ، قال: ما كنت لأفسد عليك دستلك " والدست مصطلح فارسي، أي ما كنت لأفسد عليك لعبك. وكان في الجاهلية إذا خاب قدح أحدهم ولم ينل مرامه قبل تمّ عليه الدست. وقيل الدست: هو دست القمار، كان في اصطلاح الجاهلية. وفلان حسن الدست: شطرنجي حاذق. واللعب اللهو والتسلية، وهو أنواع. كما ان لكل عمر نوع من اللعب يليق به. و "التلعابة" و "التلعاب" الكثير اللعب، والكثير المزح والمداعبة. و "الشطرنج" لعبة، والنرد لعبة كذلك، وكل ملعوب به فهو لعبة. و "اللعبة" الأحمق الذي يسخر به ويلعا ويطرد عليهْ. ويعبر عن اللهو واللعب بلفظة "الديدن"، و "الددن"، و "الدد"، و "الددا"، و "ديد"، و "ديدان"، و "الديدبون". وفي الحديث: "ما أنا من دد ولا الددُ مني". أي ما أنا في شيء من اللهو واللعب.وورد لعديّ بن زبد آلعباديّ: أيها القلب تعلـل بـددن إن هميّ في سماع وأذن وذكر أن الدد: هو الضرب بالأصابع في اللعب، وأن الديدبون: اللهو.وللاْطفال ألعاب تتناسب مع سنهم، منها: "الجماح"، وهي سهيم يلعب به، يجعلون مكان زجّه طيناً، و "البقيري"، ولعبة "الغراب"، وقد ذكر أن صبياناً كانوَا يلعبونها ليلاً. و "الكعاب" و "الفيال".، وهي لعبة كانوا يلعبون بها، يجمعون تراباَ ويخبئون فيها خبئاً، ويقولون لصاحبه في أي الجانبين هوْ ?. ومن ألعاب الصبيان لعبة يقال لها "الدخرجاء" و "الدحيريجاء"، وفيها قال الشاعر: عليك الدحيريجاء فاتبع صحابهـا سيكفيك زين الحرب أروع ماجد ومن ألعاب الصبيان، لعبة "عظم وضاح." "عظيم وضاح"، أن يأخذ بالليل عظماً أبيض، فيرمونه في ظلمة الليل، تم يتفرقون في طلبه، فمن وجده فله القمر. وذكر أن من وجده يركب الفريق الآخر من الموضع الذي وجدوه فيه إلى الموضع الذي رموا به منه. وورد في الحديث أن النبي لعب وهو صغير بعظم وضاح. و "البقُيري": أن يجمع يديه عامحما التراب في الأرض إلى أسفله، ثم يقول لصاحبه: اشته في نفسك، فيصيب ويخطىء. وذكر أنهم يأتون الى موضع قد خبيء لهم فيه شيء، فيضربون بأيديهم بلا حفر يطلبونه. والخطرة، أن يعملوا مخرافا، ثم يرمى به واحد منهم من خلفه إلى الفريق الاخر، فإن عجزروا عن أخذه رموا به اليهم، فإن أخذوه ركبوهم. وأما " الدارة"، ويقال لها "الخراج"، أن يمسك أحدهم شيئاً بيده ويقول لسائرهم. أخرجوا ما في يدي. و "الشحمة"، أنه يمضى واحد من أحد الفريقين بغلام فيتنحّون ناحية ثم يقبلون، ويستقبلهم الآخرون، فإن منعوا الغلام حتى يصيرواً إلى الموضع الآخر فقد غلبوهم عليه،ويدفع الغلام اليهم، وإن لم يمنعوه ركبوهم، وهذا كلّه يكون في ليالي الصيف، عن غب ربيع مخصب. وسابق الأطفال والشبان بعضهم بعضاً. سابقوا على الخيل وسابقوا على الأقدام فكان السابق يفخر على المسبوقين، وربما خاطروا في السباق، فيأخذ السابق، "الخطر"، وهو ما جعلوه رهناً للسابق. وصارعوا. واعتبروا المصارعة رياضة وفخراَ. فالقوي يصرع الضعيف. ولهذا كان المصارع الذي لا يصرع يتباهى ويفخر بنفسه على غيره.وقد سابق رسول الله بنفسه على الأقدام. ويقال للمصارعة "المراوغة"، لما فيها من مراوغة الواحد منهما للآخر، للتغلب عليه. وقد صارع النبي "ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب"، فصرعه مرتين. "وكان شديداً. يحكى أنه كَان يقف على جلد بعير لين جديد حين سلخه. فيجذبه من تحته عشرة فيتمزق الجلد ولا يتزحزح هو عن مكانه". ومن ألعاب الصبيان "الطبن"، وهو خط مستدير يلعب به الصبيان. و "الشعارير" وهي من لعب الصبيان. واما البنات فالتماثيل الصغار التي يلعب وإلمتقامرين على الجزور: الأيسار. وذكر أن اشتقاق "الميسر" إما من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره. وقد ألف بعض العلماء كتباً في الميسرة منها كتاب ألفه "ابن قتيبة الدينوري" وكتاب ألّفه "الزبيدي" دعاه "نشوة الارتياح في بيان حقيقة الميسر والقداح". وآراء العلماء متباينة في الميسر وفي المراد منه، وفي طريقته. ويظهر أن قسماً ممن كان يلعب الميسر لم يكن يلعبه ابتغاء الكسب، وانما كان يلعبه للتسلية وللترفيه عن الآخرين، وذلك باعطائه ما يكسبه للمحتاجين وللفقراء، ولذلك افتخروا بعملهم هذا وعدّوه مفخرة من مفاخر العرب، لأنم كانوا يفعلونه في أيام الشدة وعدم اللبن واًيام للشتاء. فيعطون اللحم للمحتاج اليه، إذ عيب من كان يأخذه لنفسه وعدّ وه عاراً، وقد افتخروا به في شعرهم، ومدحوا من يأخذ القداح وعابت من لا ييسر ودعته "البرم"، وذللك لبخله وظنه بماله من أن يذهب إلى غيره، مع أن الناس في حاجة شديدة اليه. وإلى لعب الموسرين الأيسار في الشتاء لمساعدة ذوي الحاجة، أشار طرفة في شعره إذ قال: وهم أيسار لـقـمـان إذا أغلت الشتوة أبداء الجزور وأما القسم الآخر ممن كان ييسر، فكان يبغي الكسب والمال، لذلك كان يقامر بكل ما يملك في سبيل الحصول على المال للمياسرة. روي عن "ابن عباس" أنه "كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله" في سبيل المياسرة. وكان يلجأ إلى الغش والخداع والى السرقة واضاعة العيال، ولأضراره هذه حرمه الإسلام. وقد ييسرون على الأسرى، فقد وقع "سحيم بن وثيل اليربوعي" في سباء، فضرب عليه بالسهام، فقال في ذلك: أقول لهم بالشعب إذ ييسرونـي ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم وصفة الميسر: أن القوم كانوا يجتمعون فيشترون الجزور بينهم، فيفصلونها على عشرة أجزاء يؤُتى بالحُرضة وهو رجل يتأله عندهم لم يأكل لحما" عندهم قط بثمن، ويؤتى بالقداح وهو أحد عشر قدْحاً، سبعة منها لها حظ إن فازت، وعلى أهلها غرم إن خابت، يقدر ما لها من الحظ إن فازت، وأربعة ينفل بها القداح، لا حظ لها إن فازت ولا غرم عليها ان خابت. فأما التي لها الحظ: فأولها الفذ في صدره حز واحد، فإن خرج أخذ نصيباً، وإن خاب غرم صاحبه ثمن نصيب، ثم التوأم، له نصيبان ان فاز، وعليه ثمن نصيبين إن خاب، ثم الضريب، وله ثلاثة أنصباء، ثم الحلس وله أربعة، ثم النافس وله خمسة، ثم المسبل، وله ستة، ثم المُعَلى وله سبعة. والمسبل يسمى: المصفح، والضريب يقال له: الرقيب. وأما الأربعة التي يفصل بها القداح، فهي: السفيح، والمنيح، والمضعف، وا لوغد. وقيل: إن للمنيح موضعين: أحدهما لا حظ له، والثاني له حظ فكأنه الذي يمنح الحظ، واستدلوا عابر ذللك بقول عمرو بن قبيصة: بأيديهم مقرومة ومغـالـق يعود بأرزاق العيال منيحها فيؤتى بالقداح كلها وقد عرف كل ما اختار من السبعة ولا يكون الأيسار إلا ان الناس كانوا ينظرون إلى "الحرضة" نظرة استصغار وازدراء ويعرف أيضاً ب "الضريب". ويسمى "الرقيب" ".رابىء الضرباء" يقعد خلف ضارب قداح الميسر يرتبى لهم فيما يخرج من القداح فيخبرهم به ويعتمدون على قوله فيه، ثم يجلس الأيسار حوله دائرين به. ثم يفيض الضريب بالقدّاح، فإذا نشز منها قدح استسله الحرضة من غير أن ينظر اليه، تم ناوله الرقيب فينظر الرقيب لمن هو فيدفعه إلى صاحبه، فيأخذ من أجزاء الجزور على قدر نصيب القدح منها وذلك هو الفوز. فإن شاء بعد ذلك أمسك، وإن شاء أعاد السهم على "خطار" آخر، وهو السبق يراهن عليه، وهو ما يوضع بين أهل السباق. واعادة السهم تسمى التثنية. وقد وصفت "القداح" بأنها عيدان من نبع، قد نحتت وملست وجعلت سواء في الطول. وهي عشرة من رواية أخرى غير الرواية التقدمة. هي: الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى والمنيح والسفيح والوغد. وللاول سهم إن فاز، وفوزه خروجه وعليه عزم سهم إن خاب، وكذلك باقيها على الترتيب فيما له وعليه إلى المعلى، وهو السابع، وله سبعة وعليه سبعة يفرض في كل سم منها بحسب ماله، وعليه حز وتكثر هذه السهام بثلاثة أخر أغفال ليس فيها حزوز ولا لها علامات ليكون ذلك أنفى للتهمة وأبعد من المحاباة. وهي: المنيح وألسفيح والوغد، وتسمى القداح مغالق، لأنها تغلق الرهن إذا ضربوا بها. وإذا حضرت القداح وحضر الأيسار أخذ كل منهم من القداح على قدره وطافته ورياسته، فمهم من لا يبلغ حاله -أكثر من الفذ فأخذه له، فإن خاب غرم سهماً، وإن فاز أخذ سهماً " ومنهم من يأخذ المعلى ولا يبالي بالغرم إن خاب وينال النصيب الأوفر ان فاز. ومنهم من يأخذ المعلى وسهماً إن لم يحضر من يتمم السهام، فيأخذ ما فضل من القداح، ويقول للايسار قد تممتكم. ويقع الغرم أي ثمن الجزور على من لم في يخرج سهمه وهم أربعة: أصحاب الرقيب والحلس والنافس، والمسبل. ولجملة هذه القداح ثمانية عشر سهماً، فيجزأ الثمن على ثمانية عشر جزءاً. ويلزم كل صاحب قدح من هذه القداح مثل ماكان نصيبه من اللحم لو فاز قدحه، فإن لم يخرج الفذ ولا التوأم وخرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أجزاء، ثم ضربوا ثانيه فخرج المعلى، أخذ صاحبه السبعة الأجزاء الباقية، وهي تتمة الجزور، وكانت الغرامة على من لم يخرج قدحه، وهم أصحاب القداح الخمسة التي خابت. وقد ينحرون جزوراً اخر لأن في القداح التي خابت نصيباً يزيد علىما بقي من اللحم.وإن فضل من أجزاء اللحم شيء وقد خرجت القداح كلها كانت تلك الفاصلة لأهل الوبد من العشرة، وهم أهل الضعف وسوء الحال. الأسفار ومن أيام الفرح والسرور عندهم يوم العودة من السفر ومن حقهم أن يفرحوا به. فقد كان السفر شاقا خطراً في تلك الأيام، ولا سيما إذا طال. فقد يتعرض المسافر فيه للهلاَك والموت جوعاً أو عطشاَ، عدا ما يتعرض له من السلب والنهب. لذلك كانوا يحاولون جهدهم أن يسافروا جماعة وقوافل يتعاونون ويشد بعضهم أزر بعض. وكانوا إذا عادوا فرح أهلهم بعودتهم سالمين، وتلقوهم بالبشر والتهنئة، وذبحوا الذبائح ووزعوا لحومها بين الأصدقاء والفقراء، وأولموا الولائم للمهنئين والجيران. وكان أول ما يفعله المسافر إلى مكة عند عودته إلى مدينته الذهاب إلى "البيت" للطواف به ولشكر رب البيت على حمايته له واغداقه نعمته عليه بالعودة سالماً. وقد عثر السياح والمنقبون عن الآثار في جزيرة المعرب على كتابات جاهلية توسل فها أصحابها إلى آلهتهم لترعاهم في سفرهم، وتحفظهم من لصوص الطريق ومن كل شرّ وسوء. وقد تعهدوا فيها بتقديم نذور لمعابدها بعد عودتهم سالمين غانمين. كما عثر على كتابات فيها حمد وشكر لتلك الالهة لأنها أجابت دعوة أصحاب الكتابات، فحمتهم ورحمتهم في سفرهم ويسرت لهم العودة سالمين. وكانوا إذا أرادوا السفر عمدوا إلى فعل الجاهلية في زجر الطير والاستقسام بالأزلام لأختيار الطالع، فإذا خرج سهم "الأمر" فسروه بالأمر بالسفر، وإذا خرج "النهي" "الناهي"، انتهوا عنه. وكانوا إذا خرجوا إلى الأسفار أوقدوا ناراً بينهم وبين المنزل الذي يريدونه، ولم يوقدوا بينهم وبين المنزل الذي خرجوا منه تفاولاً بالرجوع اليه. وللمهنئن بسلامة العودة، تعابير خاصة،يتولونا للمسافرين حين السفر وحين العودة. وفي جملة ما كانوا يقولونه للاياب من السفر: "سفر رجيع". وسفر رجيع: مرجوع فيهُ راراً. ومن مناسبات الفرح والسرور، الإبلال من مرض والشفاء منه. فالشفاء من المرض عودة إلى الحياة وولادة من جديد، وعمر يضاف إلى عر المريض،. لذلك كان المرضى يتوسلون إلى آلهتهم أن تمنّ عليهم بالصحة والشفاء والعافية مما ابتلوا به، ويعدونها بتقدم نذر إن أعادت اليهم صحتهم وعافيتهم. وقد حصل المنقبون على ألواح كثيرة كتب فيها شكر وحمد وثناءعلى الآلهة لأنها أجابت دعوة صاحب الكتابة، فعافته من مرضه،ومنت عليه بالصحة والعافية، وأبرأته مما أصيب به من أمراض أو جروح في معارك، فهو يوفي بوعده لها ويقدم لها نذره ويحمدها على نعمتها عليه. وقد يولمون وليمة يقولون لها "البة"، و "البلة" العافية من المرض. ويعود أهل الجاهلية مرضاهم، للإعراب لهم عن تمنياتهم لهم بالشفاء العاجل والابلال من المرض، كما يعودونهم بعد الشمفاء لتهنئتهم على عودة الصحة اليهم، وشفائهم مما ابتلوا به من مرض. ويقع "العود" من الرجال والنساءْ. ويقال لمن حسنت حاله بعد الهزال، ولمن شفي من مرض "بلّ الرجل"، من مرضه، و "بل " من مرضه"، و "أبلَ". ?مواسم الربيع وللربيع مكانة خاصة في نفوس العرب، حتى صار في منزلة العيد عندهم. ففيه يطيب الجو، ويرق الهواء، وتكسى الأرض بأكسية خضراء وببسط منمقة مزركشة، تسحر مناظرها الألباب، تسير عليها الإبل بفخر و،عجاب، تقضم ما تجده فوقها من طعام. فتشبع وتسمن بعد فقر وجوع وضنك. وفيه يكثر مال العرب، ومال العرب إبلهم، وتكثر مواشي الحضر، من غنم ويقر.. وتكون سنة الربيع للعربي سنة يمن وبركة. وسنة انحباس الغيث وانقطاع المطرهَ سنة بؤس وشقاء. ولا يفرح العربي بشيء فرحه بالغيث وبظهور الربيع، أي موسم اخضرار الأرض واكتسائها ببساط سندسي يبهر العن ويؤثر في النفس فيجعلها فرحة مستبشرة، فيخرج السادات إلى المرابع، يتلذذون هناك بمنظر الربيع وبرؤية أموالهم وهي فرحة مستبشرة ترعى فيه، فيزيد بذلك مالهم ويكثر لبن نوقهم وتنشظ إبلهم في انجاب الولد. ويتوجه سادات القباثل إلى المرابع الجيدة، التي يجود فيها الربيع، وليس في بلاد العرب مربع كالدهناء. ويترك الملوك قصورهم على ما فيها من وسائل الراحة، للذهاب إلى البادية، للاستمتاع بما خلقته الطبيعة هناك، وبما أوجدته من صنعة متقنة وفن عجيب لا بضاهى. يبقون هناك أياماً وأسابيع، يجددون فيها عهدهم بألبوادي وبما فيها من هواء صحيح سليم، يعطي الجسم نشاطا، ويبعث فيه "اكسير" الحياة. البغاء البغاء الفجور. و "البغي" الأمَةَ فاجرة كانت أو غير فاجرة، والجمع البغايا. والزنا هو الفجور، وهو عيب كبير عند العرب، فلا تقربه الحرة. أما الرجال َفلا يرونه عيباً، بل قد يتبجح بعضهم به، لأنه من أمارات الرجولة. وقد كانوا يذهبون اليهن ويتصلون بهن في مقابل أجر، وكن من الإماء، لأن المرء في الحياة لبطنه وفرجه. ومنه المثل: "المرء يسعىِ لغاريْه" أي يكسب لبطنه وفرجه. وعرفت "البغي" ب "القحبة". قيل لها قحبة لأنها كانت في الجاهلية تؤذن طلابها بقحابها، وهو سعالها. فقد كانت من عادة "قحبة" الجاهلية أن تسعل أو تتنحنح، تراود بذلك عن نفسها، وتشعر الرجل، انها حاضرة للفجور إن أراد ذلك، فيتفق معها. و "المسافحة"، المزاناة لأن الماء يصب ضائعاً. و "السفاح" أن تقيم امرأة مع رجل على الفجور من غير تزويج صحيح: وفي الحديث: "أوله سفاح واخره نكاح". وهي المرأة تسافح رجلاً مدة فيكون بينهما اجتماع على الفجور، ثم يتزوجها بعد ذلك. وكان أهل الجاهلية إذا خطب الرجل المرأة قال: أنكحيني، فإذا أراد الزنا قال: سافحيني. ويقال للزنا: الفاحشة. والفاحشة الزانية وكل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي وكل ما نهي عنه،وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال. فاللفظة عامة تتناول الفحش الذي هو إلزنا كما تتناول غيره من الأعمال والخصال القبيحة. ويقال للبغي وللامة " تزنى"، ويقال لابنها "ابن تزنى" و "ابن درزة". ولما نزلت الآية: )يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لايشركن باللهِ شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفتريه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف، فبايعهن واستغفر لهن الله، إن الله غفور رحيم(، وفرغ رسول الله من بيعة الرجال بمكة واجتمع اليه نساء من قريش فيهن: "هند بنت عتبة" وأخذن يبايعن الرسول، فلما وصل إلى قوله تعالى: "ولا يزنين"، فقالت: يا رسول الله وهل تزني الحرة? وفي القرآن الكريم آيات ذكرت الزنا في الجاهلية، من ذلك آية سورة النور: )الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة،والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين(. قال المفسرون: قدم المهاجرون إلى المدينة وفيهم فقراء ليست لهم أموال، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن، وهنّ يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المهاجرين،فقالوا: لو إنا تزوجا منهن فعشنا معهن إلى أن يغنينا الله تعالى عنهن. فاستأذنوا النبي صلي الله عليه وسلم، في ذلك، فنزلت هذه الآية وحرم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك، وقال عكرمة: نزلت الآية في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة، وكن كثيرات، ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفوفها: أم مهدون "أم مهزول" جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، و "أم غليظ" "أم غليظ" جاريهّ صفوان بن أمية، و "حبة القبطية" "حنة القبطية" جارية العاص بن وائل، و "مرية" جارية مالك بن عميلة. "عمثلة" بن السباق بن عبد الدار، و "حلالة" "جلالة" جارية سهيل بن عمرو، و "أم سويد" جارية عمرو بن عثمان المخزومي، و "شريفة" "سريفة" جارية زمعة بن الأسود، و "قرينة" "فرسة" جارية هشام بن ربيعة بن حبيب بن حذيفة بن جبل بن مالك بن عاصم بن لؤي، و "فرنتا" "قريبا" جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر بن غالب بن فهر. وكانت بريوتهن تسمى في الجاهلية "المواخير" لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن ليتخذًوهن مأكلة، فأنزل الله تعالى، هذه الاية، ونهى المؤمنين عن ذلك، وحرمه عليهم". وورد أن امرأة يقال لها أم مهدون "أم مهزول" كانت تسافح وكانت تشترط للذي يتزوجها أن تكفيه النفقة. وأن رجلاً من المسلمين أراد أن يتزوجها، ع فذكر ذلك للنبي، صلى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية: )الزانية لا ينكحها الا زان(. وكان لمرثد صديقة في الجاهلية، يقال لها عناق، وكان مرثد رجلاّ شديداً، وكان يقال له: دلدل، وكان يأتي مكة فيحمل ضعفة المسلمين إلى رسول الله، صلى اللّه عليه رسلم َفلقي صديقته، فدعته إلى نفسها، فقال: إن اللَه قد حرم الزنا، فقالت اني تبرز، فخشي أن تشيع عليه، فرجع إلى المدينة فأتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله كانت لي صديقة في الجاهلية، فهل ترى لي نكاحها قال: فأنزل الله: )الزانية لا ينكحها إلا زان...). وذكر أنهن كنّ بغايا متعالمات كنّ في الجاهلية، بغي آل فلان وبغي آل فلان، فأنزل الله: لا الزاني لا ينكح إلاّ زانية أو مشركة َوالزانية لا ينكحها إلاّ زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين " فحكم الله بذلك من أمر الجاهلية على الإسلام. وورد: كان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية التي قد علم ذلك منها، يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، فنهوا عن ذلك". وفي القرآن الكريم: )ولا تكرهوا فتًياتكم على البغاء، إن أردْنَ تحصناً، لتبتغوا عَرضََ الحياة الدنيا. ومن يكرههن فإن الله من بعد اكراههن غفور رحيم(. قال المفسرون: نزلت في معاذة ومسيكة جاريتي عبد الله بن أبيّ المنافق، كان يكرهها على الزنا لضريبة يأخذها منها. وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم. فلما جاء الإسلام، قالت معاذة لمسيكة إن هذا الامر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين، فإن يك خيراً فقد اسكثرنا منه، وإن يلك شراً فقد ان لنا أن ندعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: ننرلت في ست جوار لعبد اللهّ بن أبيّ كان يكرههن على الزنا ويأخذ أجورهن، وهن: معاذة، ومًسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة، فجاءت احداهن ذات يوم بدينار، وجاءت أخرى بدونه، فقال لهما: إرجعا فازنيا. فقالتا: والله لا نفعل، قد جاءنا الله بالإسلام وحرم الزنا. فأتيا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وشكتا اليه. فأنزل الله تعالى هذه الآية". وذكر أن رجلاّ من قريش أسر يوم بدر، وكان عبد الله بن أبيّ أسره، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذة، فكان القرشي الأسير يراودها عن نفسها، وكانت تمتنع منه لاسلامها. وكان ابن أبيّ يكرهها على ذلك ويضربها، لأجل أن تحمل من القرشي، فيطلب فداء ولده، فقال الله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم... ويرى بعض علماء اللغة أن "المساعاة" تكون في الحرة وفي الأمة. وذهب بعض آخر إلى أنها تكون في الإماء خاصة بخلاف الزنا والعهر، فإنهما يكونان في الحرة وفي الأمة، وفي الحديث إماء ساعيَن في الجاهلية. وأتي عمر برجل ساعى أمة، وقيل مساعاة المرأة أن يضرب عليها مالكها ضربية تأديها بالزنا. وفي الحديث،: لا مساعاة في الإسلام، ومن ساعى في الجاهلية فقد لحق بعصبته" والمساءاة الزنا. وذكر ابن فارس أن المساعاة الزنا بالإماء خاصة. ولم تكن للمسافحة أجور ثابتة، بل كانت تتوقف على المعاملة والتراضي، وقد تكون نقداً، دنانير أو دراهم، وقدّ كون عيناً مثل برد أو أنسجة أو طعام أو ما شاكل ذلك، لقلة العملة في ذلك العهد. ويلحق أءل الجاهلية نسب ولد المساعية بها إذا ولدت، ويكون الولد رقيقاً لمن يملك رقبة الأم إن شاء جعلهم في ملكه وإن شاء باعهم لأن الأمة وما تملك ملك للمالك. وقد تاجر ملاك الرقيق بأولاد الإماء، وربحوا من هذه التجارة ربحاً. فلما جاء الإسلام أبطل المساعاة، ولم يلحق النسب بالأمة، وعفا عما كأن منها في الجاهلية ممن ألحق بها. وفي حديث عمر: انه أتى في نساء أو إماء ساعين في الجاهلية، فأمر بأولادهن أن يقوَّ موا على آبائهم ولايسرقّوا. فصاروا أحراراً لاحقي الأنساب بآبائهم الزناةْ. وقد ورد في الحديث: "الولد للفراش وللعاهر الحجر " وبموجبه سكم الشرع على من ولد من الزنا في الجاهلية وأدرك الإسلام. ولم يرد في نصوص المسند ذكر للزنا وعقوبة الزاني والزانية عند الجاهلين. وأقصد بالزنا هنا الزنا الذي يكون بين المحصن والمحصنة أو بين المحصن والبكر، أو بين البنت الحرة والرجل العزب أو الذي لم يتزوج، أي الزنا مع غير الإماء. أما اتزنا مع الإماء، فلم يكن الجاهليون يعيبون الإنسان عليه كما بينت ذلك. ويظهر من بعض الأخبار الواردة عن الزنا أنّ من الجاهليين من كان يأخذ الفدية عنه. فقد روي أن رجلاً من الأعراب قام فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا ما قضيت بينا بكتاب الله وائذن لي. فقال رسول الله: قل: قال: إن ابني كان عسَيِفاً على هذا "وأشار إلى أعرابي..كان جاساً إلى جانبه" فزنى بامرأته فافتديت منه بمئة شاة وخادم ثم سألت رجالا" من أهل العلم، فأخروني،أنّ على ابني جلد مئة وتغريب عام. وعلى امرأته الرجم لإحصانها. فقال النبي: والذي نفسي في بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جلّ ذكره: المئة شاة والخادم ردّ عليك، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام. وأغدُ يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها. وقد كان هذا الحادث بعد نزول الأمر بالرجم. فيظهر منه أن من جملة عقوبات الزنا عند الجاهليين كان أخذ فدية،وتغريب. واختلاف وجهة نظر الجاهليين الى الزنا، هو بسبب اختلاف عاداتهم وعرفهم وتعدد قبائلهم، وعدم وجود دين واحد لهم يخضعون جميعأ لحكمه. فلما جاء الإسلام وجعل الزنا من المحرمات، تغير حكمهم عليه، وصار شرعهم في ذلك هو شرع الإسلام. و "المواخير"، بيوت أهل الفسق ومجالس الخمارين، ومواضع الريبة. والماخور: بيت الريبة ومن يلي ذلك البيت ويقود اليه. واللفظة من الألفاظ المعربة. يرى بعض علماء اللغة أنها معربة عن أصل فارسى "ميخور" "مي خور"، أي شارب الخمر،وذهب بعض آخر إلى أنها من أصل عربي. ولكن الصحيح أنها فارسية معربة. وقد كانت المواخير في الجاهلية موجودة في القرى والمدن وعلى طرق التجارة. حيث يأوي التجار وأصحاب الأسفار للراحة، فيجدون أمامهم تلك المواخير. ذكر عن "ابن عباس" في تفسير قوله تعالى: الزاني لاينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين" انه قال: كانت بيوت تسمى المواخًر في الجاهلية، وكانوا يؤاجرون فيها فتياتهنّ، وكانت ييوتا معلومة للزنا لا يدخل عليهن. ولا ياًتيهن إلا زان ". وكان من الرجال من يتهم أزواجه بالزنا ويرميهن بالفاحشة، لأسباب عديدة، منها الرغبة في التخلص منهن أو انتقاماً من أهلهن أو عضلاً لهن، فلا يتزوجن ويحبسن في البيوت حتى يتوفاهن الموت، وقد حدثت مثل هذه الحوادث في الإسلام، فنزل الحكم فيها في القرآن الكريم. صواحب الرايات وهن البغايا كنّ ينصبن على اْبوابهن رايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن، وتفاوض معهن على أجورهن في مقابل دخوله بهن. وذكر أن تلك الرايات كانت رايات حمراً. وروي انه. "كان لبعضهن راية منصوبة في أسواق العرب فيأتيها الناس فيفجرون بها. فأذهب الإسلام في ذلك، وأسقطه فيما أسقط". وقد وجد بعض الناس صعوبة في تقبل حكم الإسلام في تحريم الزنا والخمر. "وفي حديث علي كرم الله وجهه، لما طلب اليه أهل الطائف أن يكتب لهم الأمان على تحليل الزنا والخمر، فامتنع، قاموا ولهم تغذمُرٌ وبَربرَة" من شدة غضبهم ونفورهم من هذا التحريم. وأما اليهود، فقد ساروا على وفق ما جاء في التوراة في أمر الزنا. وهو من الخطايا المنهي عنها في الوصية السابعة من ألوصايا العشر. ويقاص الرجل الذي يضاجع امراة غيره بالموت، وتعاقب المرأة بالعقوبة نفسها. وإذا ضاجع رجل ابنة مخطوبة ولم تصرخ الابنة رجم الاثنان، وإذا صرخت رجم هو فقط. وإذا ضاجع رجل ابنة حرة غير مخطوبة، فوجدا، لزم عليه اعطاء والدها خمسين شاقلاً من الفضة، ويلتزم أن يأخذها له امرأة. وإذا كانت الابنة غير حرة، كان يقدم الرجل تقدمة حظيته. وقد نصُ في سفر "العدد" على طريقة إظهار زنا المرأة المتهمة ومعاقبتها. ويظهر من كتب السير والحديث أن يهود المدينة في أيام الرسول، كانوا قد تساهلوا في تطبيق أحكام التوراة بشأن الزنا، وابتدعوا طرقاً أخرى غير طرق العرف والعادة. فقد روي انه أتى رسول الله بيهودي ويهودية، وقد أحدثا جميعاً، أي زنيا. فقال رسول الله لليهود: ما تجدون في كتابكم ? قالوا: إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبية. أي الإركاب معكوساً، وقيل أن يحمل الزانيان على حمار مخالفاَ بين وجهيهما. قال عبد الله بن سلام: ادعهم يا رسول الله يالتوراة، فأتى بها، وقرأ موضع الرجم، فرجما. وعرفت "القيِادة" عند الجاهليين. قالت "عائشة رضي الله عنها: ليست الواصلة بالتي تعنون، وما بأسٌ إذا كانت المرأة زعراء أن تصل شعرها، ولكن الواصلة أن تكون بغياً في شبيبتها، فإذا أسنت وصلته بالقيادة ". والقوادة هي الني تجلب البغايا للرجال، وأما القواد، فالذي يقوم بالقيادة. و "التدييث" القيادة. و "الديوث" القوّ اد على أهله والذي لا يغار على أهله. وقيل الديوث والديبوب الذي يدخل الرجال على حرمته بحيث يراهم، كأنه لين نفسه على ذلك. وقبل هو الذى تؤتى أهله وهو يعلم. وضرب المثل بي "ظلمة" في القيادة. وكانت " صبيةّ في الكتاب، فكانت تضرب دويّ الصبيان وأقلامهم، فلما شبت زنت، فلما أسنتَّ قادت، فلما قعست اشترت تيساً تنزيه على العنز". وذكر أنها كانت فاجرة هذلية. فضرب بها المثل فقيل "أقود من ظلمة" و "أفجر من ظلمة". المخادنة وهناك نوع آخر من العلاقات يكون بين الرجل والمرأة بغير عقد ولا نكاح يكون الرجل خدناً للمرأة أي صديقاً لها، وتكون هي خدنة له، أي صديقة له، ولذلك عبر عن هؤلاء النسوة المتخادنات ب "ذوات اللأخدان" و "متخذات أخدان". جاء ذكر هذه المخادنة في الاية الكريمة فانكحوهن بإذن أهلهن، وأتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان.( أي أصدقاء على السفاح. وشد ذكر أن ذلك قيل كذلك، لأن الزواني كُانتّ في الجاهلية المعلنات بالزنا والمتخذات الأخدان اللواتي قد حبسن أنفسهن على الخليل والصديق للفجور بها سراً دون إعلان بذلك. وقد ذكر أن متخذات الأخدان ذوات الخليل الواحد. قالوا: كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهرمنه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك فأنزل الله تبارك وتعالى: "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن". فذات الخدن، المرأة ذات الخليل الواحد المستسرة به. وقد يقيم معها وتقيم معه وقد عد صداقة ومودة، لذلك اختلفت وجهة نطر أهل الجاهلية اليه عن وجهة نظرهم إلى الزنا، فلم يعدّوه من الزنا الشائن.المضامدة والمضامدة قريبة من المخادنة. والضمْد أن تخالّ المرأة ذات الزوج رجلاً غير زوجها أو رجلين. والضماد أن تصادق المرأة اثنين أو ثلاثة في القحط لتأكل عند هذا وهذا لتشبع. و "الضمد" الخل. الشذوذ الجنسي والشذوذ الجنسي معروف عند الجاهليين أيضاً كما هو عند جميع الأمم منذ القدم، وليس من المعقول استثناء الجاهلينن من ذلك، بدليل ورود النهي عنه والتحذير منه في القرآن الكريم وفي الحديث. ومن الشذوذ الجنسي، الشذوذ المعروف، وهو ذهاب الرجل مع الرجل ومزاولته عمل الجنس معه، أو اتصال المرأة بالمرأة اتصالاً جنسياٌ، أو اتيان الرجل المرأة من دبر، كما كان الحال عند أهل مكة. فقد ذكر أن منهم من كان يأتي النساء من أدبارهن، وقد منع ذلك في الإسلام. وقد عرف إتيان المرأة في دبرها ب "التحميض". ويقال للتفخيذ في الجماع "التحميض" أيضاً. وذكروا في تفسير الآية: )نساؤكم حرث لكم(: "انما كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن، مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب ألا يأتوا النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات. فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: انما كا نؤتى على حرف ! فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، حتى شرى -أمرهما فبلغ ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، فأنزل اللّه عز وجل: فأتوا حرثكم أنىّ شئتم، أي مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني بذلك موضع الولد وذكر أن أهل مكة كانوا يجبون النساء، وكانت الأنصار لا تجبي وتنكر فعل ذلك، وإنما يؤتين على جنوبهن. فوقع خلاف بن أهل مكة ممن تزوج من أهل المدينة وبين من تزوجوا في كيفية إتيانهن، فنزلت الاية في شرح ذلك، وانه يكون على أي شكل كان، ما دام في موضع الحرث. والإجباء: أن تكون المرأة منكبة على وجهها. كهيئة السجود، فيأتيها الرجل على هذه الهيئة. وذكر ان يهود يثرب، كانت تقول: إذا نكح الرجل امرأته مجببة جاء الولد أحول،. وتستعمل لفظة "اللواطة" للتعبير عن إتيان الذكران في أدبارهم وأرى أن هذا المعنى إنما وقع في الإسلام.. أخذ مما جاء في القرآن الكريم عن عمل قوم لوط: )إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين.أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر(، )ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون. أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، بل أنتم قوم تجهلون(. و )لوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، انكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، بل أنتم قوم مسرفون(، فنسب فعل إتيان الرجال بعضهم بعضأً إلى قوم "لوط"، واشتق الفعل من اسمه. ونرى ان الآيات قد استعملت: "لتأتون الرجال"، للتعبر عن هذا الفعل. واستعمل المفسرون هذا التعبير وتعبير "المجامعة" للتعبير عنه. وقد استعمل الجاهليون "لاط" في معان أخرى لا صلة لها بالمعنى المذكور. وفي ذلك دلالة واضحة على أن استعمال "اللواط" إنما وقع في الإسلام. والمأبون الذي تفعل به الفاحشة، وهي الأبنة. ومن المجاز برقع لحيته، أي صار مأبوناً، تزيا بزي من لبس البرقع، ومنه قول الشاعر: ألم تر قيساً قيس عيلان برقعت لحاها وباعت نبلها بالمغـارْل وذكر "ابن قيم الجوزية" أن هذا الفعل لم يكن معروفاً بين العرب ولم يرفع إلى الرسول في أيامه حادث به. وتعبير "السحاق" و "المساحقة" و "امرأة سحاقة" من التعابير التي انتشرت في الإسلام وقال الأزهري: ومساحقة النساء لفظة مولدة. ومن علماء اللغة من يرجع عهدها إلى الجاهلية، ويجعلها من الألفاظ العربية الأصيلة. واللفظة عربية ولا شك، ولكن استعمالها في المعنى المذكور مجازي، وقول الأزهري إنها مولدة غير صحيح. وكان منهم من يضرب جاريته على ظهرها ثم يجامعها. كأنهم كانوا لايشعرون بشهوة الجنس على ما يظهر إلاّ بعد ضرب الجارية، ويعبرون عن ذلك بقولهم "صلق جاريته"، ويعرف هذا بين الغربيين في العصر الحاضر بالسادية Sadism نسبة إلى "الكونت دي ساد". كناية عن الابتهاج بالقسوة. وعن انحراف جنسي يتلذذ فيه المرء بإنزال أصناف، العذاب بمحبوبه. ومن الشذوذ أيضاً إِتيان الحيوان. فقد ذكر أن "بني كليب" كانوا يرمون بإتيان الضأن، وكذلك بنو الأعرج وسلَيم. وأشجعُ ترمى بإتيان المعز. ونجد ذلك واضحأَ مذكوراً في شعر الشعراء كالنجاشي والفرزدق. ورميت "بنو دارم" بإتيان الأتنْ. وتعرض "الجاحظ" في أثناء حديثه عن زواج الانسى بالجن لهذا الموضوع فقال: ونحن نجد الأعرابي والشاب الشبق، ينيكان الناقة والبقرة والعنز والنعجة، وأجناساً كثيرة، فيفرغون نطفهم في أفواه أرحامها، ولم نرَ ولا سمعنا على طول الدهر، وكثرة هذا العمل الذي يكون من السفهاء، القح منها شيء من هذه الأجناس،والأجناس على حالهم من لحم ودم، ومن النطف خلقوا. ورميت "بنو فزارة" بإتيان الإبل. رماها بذلك "بنو هلال بن عامر بن صعصمعة بن معاوية بنت بكر بن هوازن" في ملاحاة كانت بين الحيين. والعادة أن القبائل إذا تخاصمت رمت بعضها بعضاً بالتهم، وذالك في الجاهلية وفي الإسلام. فلما رمى "بنو هلال" "بني فزارة" بأكل أير الحمار، وبإتيان الإبل، قالت بنو فزارة: أليس منكم يا بني هلال من قرا في حوضه فسقى إبله، فلما رويت سلح فيه ومدره بخلاً أن يشرب من فضله. الأتراح والأحزان وإذ كنت قد تحدثت عن ألأفراح في جياة الإنسان، وما كان يفعله أهل الجاهلية فيها، فلا بد لي من الحديث هنا عن الأتراح والأحزان عندهم، وما كانوا يفعلونه عند نزول مصيبة بهم أو وقوع حادث محزن مفجع لهم، فأقول: يلعب الحزن دوراً كبيراً في حياة الشرقيين، بل نستطيع أن نقول إن الحزن أظهر في حياتهم من الفرح وأن المبالغة في إظهاره عندهم هي من المظاهر البارزة في مجتمعاتهم. وطالما يلجأ الحزين إلى المبالغة في حزنه، ليظهر نفسه وكأنه كان أكثر الناس تحملاً للمصائب والأهوأل والنكبات: وما قصة "أيوب" الواردة في التوراة إلا نوعاً من هذا القصص: قصص الحزن وتحمل الصبر من شدة البلاء. وفقدان المال بعد ثراء وغنى وجاه والعلل والأسقام التي تنزل بالانسان، والكوارث والموت وأمثال ذلك، هي مما يثير الحزن والأشجان في النفس، فتجعل الإنسان يحزن على ما أصابه ويظهر جزعه أو تحمله للالام أمام الناس، وذلك بمختلف أساليب التعبير عن الحزن الذي نزل بالحزين. والحزن: الهمّ. وقيل: خلاف السرور. وقد فرّ ق بعضهم بين الهمّ الحزن. وقال بعض علماء اللغة: الحزن: الغمّ الحاصل لوقوع مكروه أو فوات محبوب في الماضي ويضاده الفرح. وقد سمى رسول اللّه العام الذي ماتت فيه "خديجة" وعمه "أبو طالب" "عام الحزن"، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، لمآ أصابه فيه من همّ وغمّ. وللعرب كَما لغيرهم من الشعوب مصطلحات وتعابير خاصة، يعبرون بها عن آلامهم وأحزانهم وما يجيش في صدورهم من أحزان. منها تعابير يستخدمها المحزون نفسه تعبيراً عن حزنه وآلامه الشديدة، ومنها تعابير بستعمل ألمحزون في الرد على من يتفضل عليه بمواساته للتخفيف عن آلامه،بأن يدعو لهم ويشكرهم على تكليف أنفسمهم مشقة المجيء اليه لمؤاساته أو مشاركتهم له في حزنه. ومنها تعابير يقولها المؤاسون للشخص المحزون للتخفيف عن مصابه وللترويح عنه ولاظهار حزنهم له ومشاركتهم له في أحزانه. كما أن لهم كما لغيرهم علامات وشعارات يظهرونها للناس لإشعارهم بأنهم مصابون بالام وأحزان، وبحلول نكبات وكوارث بهم. وذلك مثل لبس ألبسة خاصة تكون شعاراً خاصاً بالحزن، وذرّ الرماد أو التراب على الرأس و الوجه بالطين، وترك الشعر ينمو دون حلق ولا إِجراء تعديل فيه أوترك دهنه مدة معينة إظهاراً للحزن على ميت، وما إلى ذلك من علامات، هي ضرورية ولازمة جداً، بالنسبة لمحزون أو للمحزونين والمفجوعين ولأصدقائهم، إذ أن اهمالها وتركها هو في نظرهم عيب ومنقصة على المفجوع وعلى أصدقائه وعلى آله على حد سواء. ثم هي تقاليد لا بد من مراعاتها والمحافظه عليها. ومن ذلك أيضاً: النداء. وذلك بإعلان شخص عن المصيبة بصوت عال يسمع حتى يشاركه الناس مصيبته أو ليحصل منهم على ما يرجوه من مساعدة. مثل واسوء صباحاه: في المصيبة التي تقع في آخر الليل وأول النهار. أو أن يعلن عن وفاة كبير وذلك بأن ينادي بصوت عال في الأحياء وفي الاماكن العامة عن موت ذلك الكبير بعبارات مؤثرة وبصوت رخيم. ليكون ذلك معلوماً لأهل المكان، فيتجمعون حول المفجوع ويشاطرونه حزنه ويشتركون في تشييع ألجنازة. ويعبر عن الكوارث والآفات والمصائب بلفظة "لمت"، في بعض اللهجات العربية الجنوبية، كما في هذه الجملة: "كل لمت لمت "، ومعناها من كل ملمة ألمت، أو من كال نازلة نزلت. وفي هذا المعنى أيضاً جملة: "بعد حدثت حدثت"2 أيما بعد حادثة حدثت، أو بعد الحادثة إلتي حدثت، أو بعد الفاجعة التي حدثت. ويقال لما يصيب الناس من عظيم نوب الدهر: "دواهي الدهر". وإذا نزلت بشخص مصيبة قالوا: "دهته داهية"، وقد يقولون "داهلية دهياء" على سبيل التوكيد والمبالغة. ويقول الشخص: دهيت. وزتمول ما دهاك ? أي ما أصابك.وكل ما أصابك من منكر من وجه المأمن فقد دهاك دهياً.. والدهياء: الداهية من شدائد الأمر. أخو محافظه، إذا نزلت به دهياء داهية مـن الأزم والاصطلاح الشائع عن هلاك الإنسان وفقده الحياة هو "الموت". وقد وردت هذه اللفظة في لهجات عربية أخرى، مثل اللهجه الصفوية واللحيانيةْ وهنأك ألفاظ أخرى تؤدي معنى الموت والهلاك. مثل الهلاك والمنايا والاحداث والحمام والأجل و الحتف والقدر والمنون وألزمان والسأم والنحب وغير ذلك. وهي مصطلحات جاهلية، بعضها من المصطلحات القديمة، لها معان أوسع من مصطلحات الموت. ولكن ربط بينها وبين هذا المصطلح لما لها من صلة بهلاك الإنسان وبمصيره،فجعلت تؤدي معنى الموت. وهلك بمعنى مات. معروف عند أهل اللغة. وقد وردت اللفظة بهذا المعنى في نص النمارة الذي يعود تأريخه الى سنة 328 م. وأما المنية، فالموت كذلك في نظر علماء اللغة، لأن المنى القدر والموت قدر علينا. وأما الحتف، فهو الموت أيضاً، وجمعه حتوف. وهو معنى مجازي جاهلي متأخر. ورد في المثل: "مات حتف أنفه" 0 اي على فراشه من غير ضرب ولا قتل ولا غرق ولا حرق، وخص الأنف لأنهم كانوا يتخيلون أن روح الرجل تخرج من أنفه، فإن جرح خرجت من جراحته. وهناك مثل آخر يشبهه وهو "مات حتم فيه" لأن الفم مجرى النفس كذلك. وترادف لفظة "الميت" و "ميت" لنظة "جنز" في ألعربيات الجنوبية. وذكر علماء العربية ان الجنازة الميت، فهي في معنى لفظة "جنز" ا اَوارسة في المسند. وقريب من معنى "مات حتف نفسه"، ماورد في بعض النصوص الصفوية من تعبير "رغم مني"، فإنه يريد ان الشخص لم يمت قتلاً، وانما مات رغماً منه، مات بمنيته وبأجله. و يعبر مصطلح "مات بحد السيف" أو "مات صبراً"، عن معنى ان الوفاة لم تكن طبيعية، وانما كانت قتلاً، إما بضرب عنقه، وإمها بوسائل أخرى من وسائل، التعذيب، صبر عيها ذلك الشخص حتى مات. وورد: " الموت الأبيض" و "الموت إلأحمر" 0 الأبيض الفجأة، أي ما يأتي فجأة، ولم يكن قبله مرض يغير لونه. والأحمر الموت بالقتل لأجل الدم. والانتحار، أي قتل الإنسان نفسه، معروف عند الشعوب القديمة، ويكون إما بإزهاق الإنسان روحه باستعمال آلة حادة، مثل، سكين أو خنجر وما شابه ذلك، وإما برمي الشخص نفسه من محل مرتفع، أو بإغراق نفسه، أو بإحراق نفسه بنار، وما إلى ذلك. ويعد من الأعمال الشريرة في الأديان. ويعبّر في العربية ب "قتل نفسه" عن "الانتحار". ومن الألفاظ التي تعني الموت: القشم. يقال: قشم الرجل قشعاٌ، أي مات. وأم قشعم، فإنها تعني المنية، كما تعتي الحرب والداهية. والحمام،لأنه قضاء الموت وقدره. و "أم اللهيم": يراد بها "الحمى"، ويكنى بها عن الموت، لانها تلتهم كل أحد. وقيل: هي "المنية"، وكنية الموت، لأنها تلتهم كل أحد. ويعبّر عن الحالات التي يكون فيما المرض قد اشتد بالمريض حتى صار يشرف على الموت بتعابير خاصة مثل: "سكرات الموت" و "الحشرجة" ويراد بها تردد النفسْ. ويعبّر عن القتل المعجل بالتصص، فيقال مات فلان قصصاً، إذ أصابته ضربة أو رمية فمات مكانه. ويقال ضربه فأقصصه، أي قتله في مكانه. وللدهر والحدثان والزمان والقدرصلات قوية بالموت، إذ تنسب اليها إماتة الإنسان. والدهر على الأخص مسؤول في نظر أهل الجاهلية عن قوارع الزمان وحوادثه التى تنزل بالانسان. انه هو المبيد، وهو المهلك، وهو المفقر، فهو اذن بالنسبة إلى الجاهليين رأس كل بلاء. ولكنهم بدلاً من التقرب اليه والتودد له ليبتعد عنهم، وليرأف بحالهم كانوا لا يستطيعون ضبط أعصابهم عند نزول الشدائد بهم، فيسبونه، لذلك ورد ان الرسول نهى عن سب الدهر فقال: "لا تسبوا الدهرَ، فإن الله هو الدهر". وجعل الدهر في الإسلام من أسماء الله الحسنى، وذكر انه ورد في الحديث القدسي: " تؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وانما أنا الدهر ". والموت في نظر الجاهليين مفارفة الروح للجسد لسبب من الأسباب التي تؤول إلى هلاكه. تخرج الروح من الأنف أو من الفم وذلك في الموت الطبيي وفي موت الفجأة. أما إذا كَان الموت بسبب جرح، فإن الروح تخرج على ما ذكره الأخباريون من الجرح. والروح قد تتحول وتصير طائراً يرفرف فوق قبر الميت يسمى "الهامه" في حالة كون الميت قتيلاً. واعتقد بعض الجاهليين ان الموت أجل مثبت وأمر معين محتم، وهو لا يأتي إلا في حينه. فإذ! جاء الأجل كان حذر الإنسان وجبنه غير دافع عنه المنية إذا حلت به. وذكر ان أول من قال ذلك "عمرو بن مامة" في شعره. وفي حديث عامر بن فهيرة: والمرء يأتي حتفه من فوقه ولحنش بن مالك بيت في الحتوف، إذ يقول: فنفسك احرز فإن الحـتـو ف ينبان يالمرء في كل واد وكامة "الروح" من الكمات المعروفة عند الجاهليين. وقد صورتها بعض الأخبار الإسلامية حفظة على الملئثكة " وجعلت لها وجهاً كوجه الإنسان وجسداً كجسد الملائكة،ولا يمكن رؤيتها كما لا يمكن رؤية الملائكة. بها يعيش الإنسان وبها حياة الانفس. وقد سأل الجاهليون الرسول على ماهية الروح،فنزلت الآية: " يسألونك عن الروح قل: الروج من أمر ربي، وما أوتيتم من العلم الاّ قليلاً". ويذكر المفسرون أن سائليه هم اليهودْ أو ان اليهود علموا المشركين أن يسألوه عن الروح محاولين بذلك إثارة مشكلة للرسول كانت مهمة في أعين الناس يومئذ، مما يدل على أهمية هذه القضية في ذلك العهد. ويظهر من تمحيص الأخبار الواردة عن الموت والقبر وأشباه ذلك أن عقيدة الجاهليين ان الروح متصلة بالجسد ملازمة له في أثناء الحياة، فإذا وقع الموت انفصلت عن الجسد وفارقته. ثم اختلفو فيما بينهم في مصير الروح، فمنهم من تصورها وهي ملازمة "قبر صاحبها لا تفارقه، وكأنها لا تريد أن تفارق الجسد الذي كانت مستقرة فيه". فصارت المقابر موضع تجمع الأرواح، ومنهم من ذهب الى هلاكها بهلاك الجسد أو تحولها أرواحاً تسبح في عالم الأرواح. ونجد في حديث "مجاهد" أن "الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارق ذلك". تفسيراً لرأي بعض الجاهلين في مدة بقاء الروح حول القبر. وهناك أحاديث أخرى يظهر منها ان الروح تلازم القبور فلا تفارقهم. وهندك كلمة أخرى لها صلة وعلاقة متينة بهذه الكلمة. هي لفظة "النفس". وهي من الكلمات الجاهلية القديمة التي وردت في النصوص، معناها الروح والشخص والذات والجسد. وقد ذكر لها علماء اللغة جملة معان استعملت في الأكثر على سبيل المجاز. ولم يفرق بعض هؤلاء بين الروح وًالنفس. ويظهر من بعض التعابير والجمل التي كان يستعملها الجاهليون مثل "خرجت نفس فلان"و"فاظت نفسه" "فاضت نفسه" أن المراد بالنفس الروح. وقد تصور بعضهم أن النفس الدم، وإنما سمي الدم نفسا لأن النفس تخرج بخروجه. وفي الحديث: " ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه " لا ولبعضهم آراء في التفريق بين الاثنين نشأت في العهد الإسلامي. ولا سيما من ورود استعمال الكلمتين في معان متعددة في القرآن الكريم وفي الحديث. ويُعدّ "المرض" من جملة الآثام التي تنزلها الآلهةبالإنسان، لخروجه على أوامرها ولعدم أداء ما عليه من واجبات وفروض تجاهها، ومنها الحقوق التي فرضتها عليه، وفي رأسها النذور والصدقات والزكاة التي امرت الآلهة بتقديمها إلى معابدها. ولهذا نجد المريض يتوسل بآلهته لكي تصفح عنه وتعفو عن تقصيره تجاهها، وأن تعيد اليه ما اخذته منه من صحة وعافية في مقابل تقدم نذر لها ووفائه يقيامه بكل ما أمرت به من واجبات تجاهها. وفي المتاحف الخاصة والعامة مئات من الكتابات الجاهلية في هذا المعنى، ومئات أخرىَ،كتبت شكرا وحمداً للالهة، إذ سمعت توسلات عبيدها بأن تمن عليهم بالصحة والعافية، فمنت عليهم ولهذا فإنهم كتبوا كتاباتهم تلك للتعبير عن شكرهم لها، ولمناسبة تقديمهم النذر الذي نذروه لمعابد الالهة |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#136 |
|
عضو فضي
|
نعي الميت
وتكون الاعلان عن موت شخص بالبكاء وبالنعي، ويتوقف نعي الميت والبكاء عليه على قدر منزلة الميت ودرجة أهله ومكانتهم الاجتماعية. ويعد نعي الميت و شق الجيوب عليه من وسائل التقدير والإكرام وتبجيل الميت، ولذلك كانوا يوصون قبل موتهم بنعيهم للناس نعياً يليق بهم، ويقوم بذلك ناع أو جملة نعاة. يركب الناعي فرساً ويسير ينعى الميت بذكر اسمه وتمجيد ليسمع بذلك القوم، قائلا: "نعاء فلان..." وترد كلمة "الناعي" و "النعاة" كثيرا في الشعر وفي النثر. وقد كان الجاهليون يستغلون نعى القتلى للتحريض عاى القتال والأخذ بالثأر، ويقال لذلك: "التناعي". وقد نهى الإسلام عن "نعي الجاهلية"، وذلك لما كانوا يبالغون من النداء بموت الشخص وذكر مآثره ومفاخره ورثاءه رثاء يتجاوز الحد. والولولة والنياحهَ على الميت من النقاليد التي تشدد فيها أهل الجاهلية وكانت عندهم سمة من سمات التقديس. ولهذا كان أهل الجاه والشراف يستأجرون النائحات للنياحة على الميت فيَ بيته وخلف نعشه إلى القبر وفي مأتمهه، ويبالغون في ذلك تبعاً لمننرلة المتوفى. وتلك عادة متبعة عند غيرهم أيضاً، فقد كان العبرانيون يستاجرون النادبات ليندبن الموتى. كما كان الرومان يتبعون هذه السنة. وكلمة "الرثاء" من الكلمات الجاهلية وهي تعني بكاء الميت وتعديد محاسنه ونظم الشعر فيه، ويقال للمراة النواحة، والتي ترثي بعلها أو غيره من الأقارب والأعزاء ممن يكرم عندها "الرثاءة" و "الرثاية". وأما "المناحة" فهي إجتماع النساء في مناحة لاظهار حزنه على الميت. ويقال للاجتماع نياحة أيضاً. والكلمة من الكلمات الجاهلية كذلك. ويفهم كَثير من الناس من كلمة "مأتم" المصيبة واظهار الحزن والنوح والبكاء،وليس هو كذلك، وإنما "المأتم" في عرف أهل اللغة المجتمع يجتمع فيه النساء في حزن أو فرح في خير أو شرّ، ويطلق على اجتماعات الرجال والنساء. وفي الشعر الجاهلي أبيات يحث فيها الشعراء أهلهم ويوصونهم بالبكاء وبالنوح عليهم إذا -ماتوا. قصد ذكروا أن طرفة بن ا لعبد خاطب ابنة أخيه بهذا البيت: ???فإن متُ فانعيني بما أنا أهله=وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبدْ وذكروا أن الشاعر حازم بن أبي طرفة الحارث بن قيس الشدّاخ الكناني، وهو شاعر جاهلي أوصى ابنته لما شعر بدنو أجله بأن تبكي والدها وأن تندبه وتذكر محامده وفعاله، وذلك في هذين البيتين: بنية إنّ المـوت لا بـد لاحـق بشيخك ماضي الانام المـودّع فإن قمت تبكيني فقولي أبوالندى ومأوى رجال بائسين وجـوّعّ أما الشاعر لبيد فقد أوصى ابنته بهذه الوصية لما حضرته الوفاة: تمنى ابنتايَ أن يعيش أبوهـمـا وهل أنا إلا من ربيعة أومضر? فقوما وقولا بالذي تعلـمـانـه ولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر وقولا: هو المرء الذي لا صديقه أضاعَ ولا خانَ الأمن ولاغـدر وهي وصية فيها تعقل واقتصاد بالنسبة إلى طلبات غيره ممن كان يرى البكاء والنياحة وخمش الوجوه وحلق الشعور وإظهار أكثر ما يمكن من مظاهر الحزن والتوجع والتألم وأمثال ذلك، هي سيماء من سيماء التقدير والتعظيم والاحترام للميت بل للاحياء من اَله وأقربائه أيضأ، لأنها دلالة على شدة تألمهم لذهاب فقيدهم، وعلى انهم لا يبالون في الإنفاق في شيء حتى في إيلام أنفسهم وتوجيع أجسامهم وهلاكهم في سبيله، وانهم كرماء لا يبالون في البذل في سبيل من يفتقدونه. وما كان لبيد، ليقنع بهذا المأتم لو كان على رأي أهل ألجاهلية. فمأتمه هذا مأتم بارد لا يليق بمقام رجل جاهلي، ولكنه كان مسلماً، دفعه إسلامه على القناعة في مأتمه وعلى الاكتفاء بهذا القليل. فقد ورد في الحديث " إن الميت ليعذب ببكاء أهله " وأن الرسول قال: " ليس منّا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية "، وانه " بريء من الصالقة والحالقة والشاقة "، وانه قال: "اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" إلى غير ذلك من أحاديث تنهى عن هذه المظاهر، التي هي في نظر الإسلام من سيماء أهل الجاهلية. ويصحب البكاء شق الجيب وتعفر الرأس بالتراب واجتماع النسوة اياماَ لندب الميت وذكر مناقبه. تقوم بذلك نادبات ممتهنات أو غيرهن ممن رزقن موهبة القول في مثل هذه الأحوال من أفراد الأسرة أو القبيلة أو الحي أو القرية. وفي بيت ل "طرفة بن العبد" نجده يوصي بنعيه بما يستحقه وبشق الجيب عليه. وقد يمتد نعي الميت ورثاؤه حولاً كاملاً، وهي مدة عزاء أهل الجاهلية. فإذا انتهى الحول وقد بكوه البكاء الذي استحقه الميت عذر أقرباؤه عن الإستمرار في بكائه إلاّ في المناسبات. قال لبيد لابنتيه، لما حضرته الوفاة: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبكِ حولا كَاملاً فقد اعتذر وتعرف التي ترفع صوتها بالنياحة ب "الصالقة". وأما التي تحلق شعرها عند نزول المصيبة فيقال لها "الحالقة". وأما التي تشق جيبها، فيقال لها "الشاقة". ويقال لتعديد النادبة بأعلى صوتها محاسن الميت النادبة ولعملها الندب. والظاهر أن الندب كان خاصاً بالنساء، وإن وردت كلمة "نادب" عند اللغوبين. وقد نهى الإسلام عن "الصلق"، ورد في الحديث: "ليس منا من صلق أو حلق أوخرق ". أي ليس منا من رفع صوته عند الصيبة وعندالموت. ويدخل فيه النوح أيضاً. و "السالقة"، هي بمعنى "الصالقة"، وهي لهجة ولا شك من لهجات القبائل، وقد وردت قي رواية أخرى للحديث المذكور أيضاً.. ولطم الخدود ونهشها وشق الجيوب وذر التراب أو الرماد أو وضع الطين على الرأس والخدود عادة لا ينفرد بها العرب وحدهم، بل هي موجودة عند غيرهم من الأمم أيضاً. وفي التوراة آيات تشير اليها كلها وتعدّها من دلائل الحزن والأسى الشديد والتوجع على الميت. وهي كلها مذكورة فيها من البكاء والنحيب على الميت إلى ذرّ الرماد والتراب أو وضع الطين على الرأس الى شق الجيوب ولطم الصدر والخدود. وليست عادة استئجار النادبات بعادة خاصة بالعرب الجاهليين،فقد كان العبرانيون يستأجرون النادبات كذلك ليندبن الميت، وقد أشير إلى ذلك في التوراة،ولعلها من العادات السامية القديمة المعروفة عند بقية إلساميين. ويقال لمدّ الصوت بالنحيب "النقع" " واْما مدّ اللسان بالولولة ونحوها، فيقال له "اللقلقة". ويحترم الجاهليون الموت والميت فكانوا يقومون إذا مرت بهم جنازة، ويقولون إذا رأوها: "كنت في أهلك مائتاً مرتين". أما أهل الميت وأقرباؤه وأصدقاؤه فكانوا يسيرون أمام الجنازة وخلفها الى المقبرة. وتعفر النساء رؤوسهن بالتراب وبالرماد وبالطين ويلطمن خدودهن بأيديهن، كما كنّ يلطخن رؤوسهن بالطين ويسرن مع الجنازة إظهارللحزن والجزع على الفقيد. وترافقهن النادبات والمولولات، يندبن الميت ويولولن عليه يسرن حافيات مبالغة في إظهار الحزن. وكانت العرب لا تندب قتلاها ولا تبكي عليها حتى يثأر بها، فإذا قتل قاتل القتيل، بكت عليه وناحت. ويتبين من حديث "عمرو بن العاص" ان من عادات الجاهليين حمل النار مع إلجنازة تصطحبها اصطحاب النائحة لها، وقد أباح "عمرو" لأهله نحر جزور عند قبره لتوزيع لحمها على المحتاجين، وأن يقيموا حول قبره حتى يستأنس بهم، وينظر ماذا يراجع به رسل ربه. ونجد مثل ذلك في خبر يذكر ان "أبا موسى الأشعري" لما حضره الموت دعا ابنه، فقال: " أنظروا إذا أنا مت فلا تؤذنن بي أحداً ولا يتبعني صوتٌ ولا نار "ْ. ويدل ذلك على ان عادة حمل النار مع الجنازة بقيت زمناً في الإسلام. ويؤخذ من شعر للأفوه الأودي ان الجاهليين كانوا يغسلون موتاهم قبل دفنهم. وذكر "اليعقوبي"، انه لما مات عبد المطلب "أعظمت قريش موته وغسل بالماء والسدر. وكانت قريش أول من غسل الموتى بالسدر، ولف في حلتين من حلل اليمن قيمتها ألف مثقال ذهب وطرح عليه المسك حتى ستره، وحمل على الأعواد". وسبب ذلك على ما يقوله علماء اللغة أن البوادي لا جنائز لهم، فهم يضمون عوداً إلى عود ويحملون الميت عليها الى القبر وذكر انه أراد بقوله: ولقد علمت سوى الذي نبأتني أن السبيل سبيل ذي الأعواد لو أغفل الموت احداً لأغفل ذا الأعواد، وأنا ميت مثله. وذو الأعواد الذي قرعت له العصا، "غويّ بن سلامة الأسيدي"، أو هو "ربيعة بن مخاشن الأسيديَ"، أو هو "سلامة بن غوي" على اختلاف في ذلك. قيل كان له خرج على مضر يؤدونه اليه كل عام فشاخ حتى كان يحمل على سرير يطاف به في مياه العرب فيجبيها. وفي اللسان: قبل هو رجل أسن، فكان يحمل على محفّة من عود، أو هو جدّ لأكثم بن صيفي المختلف في صحيته. وهومن بني أسيد بن عمرو بن تميم. وكان أعز أهل زمانه، فاتخذت له قبة على سرير، ولم يكن يأتي سريره خائف إلاّ أمن، ولا ذليل إلا عزّ ولا جائع إلا شبع وهو قول أبي عبيدة. وبه فسر قول الأسود بن يعفر النهشلي. ويحمل الموتى على "الحرج" أيضا. والحرج خشب يشدّ بعضه إلى بعض ثم يحمل فيه الموتى. وللعلماء آراء في الجنازة. ذكر بعض منهم ان الجنازة من الجنز بمعنى الستر، وذكر بعض آخر ان اللفظة من ألفاظ النبط، وتعني جنز في لغتهم الإخفاء، ويقصدون بالنبطية لغة بني إرم. معنى جملة "جنز الميت" عندهم، وضع الميت على السرير وصلاة الكاهن عليه. وذكر بعض العلماء ان الجنازة بالكسر، الميت وبالفتح السرير، وذكر بعض آخر العكس. وذهب فريق آخر إلى ان الجنازة الميت نفسه، لذلك لا تكون جنازة حتى يكون ميت، وإلا، فهو سرير أو نعش. فالجنازة على هذا الرأي، الميت محمولا على سرير أو نعش، أو تابوت في الاصطلاح الحديث. وبهذا المعنى يعبّر عن الجنازة في الوقت الحاضر. وصلاة الجنائز، هي الصلاة التي تقام على جنازة الميت، أي الميت وهو في تابوته، ليرسل إلى القبر، وهي صلاة أقرها الإسلام، وقد أفرد لها باب في كتب الحديث والفقه يعرف ب "كتاب الجنائز". والعادة عند أكثر الساميين السير بسرعة في الجنازة. فيسرع المشيعّون الذين يسيرون مع الجنازة إلى موضع القبر في مشيهم للوصول بالجنازة بسرعة اليه. وقد أشير إلى هذه العادة في كتب الحديث. والظاهر ان لطبيعة الجو دخل في ظهور هذه العادة. ويقال لتهيئة الميت ودفنه في القبر "تجهيز الميت". ويقوم الأبناء والأقرباء بوضعه في لحده. وإذا كان الميت عزيزاً كريماً في قومه سيداً رئيساً اشترك الرؤساء في إدخاله القبر، وقد يتنافسون في نيل هذا الشرف، وقد يؤدي هذا التنافس إلى وقوع الشر بين المتنافسين، لأن تجهيز الميت ووضعه في لحده من علامات تقدير الميت وتعظيمه، ومن دلائل قرب من دخل القبر من الميت واتصالهم الوثيق به. ويقال للميت عند وضعه في قبره: "لا تبعد"، أي انه وان ذهب عنهم سيكون دائماً معهم وفي قلوبهم. ولعل هذا التفكير هو الذي حملهم على إخراج حصته مما كانوا يأكلونه ويشربونه يسموّنها بأسم الميت، وعلى زيارة قبور الموتى والجلوس عندهم وضرب الخيام حولها، وعلى مناجاة صاحب القبر بذكر اسمه وتحيته، لأن روح الميت في رأيهم حية لا تموت. ولهذا السبب أيضاً كانوا يسقونها بصب شيء من الماء على القبر، كما كانوا ينضحونه بالدم. وبهذا المعنى يفسر ما ورد في الشعر وفي النثر من سقي الغمام للقبر، ونزوله عليه، وما ورد من شرب الخمر على القبر وسكب بعضه عليه. وقد كان العبرانيون يخرجون حصة مما يأكلونه لتكون من نصيب الموتى. ويذكر أهل الأخبار ان الناس كانوا يسكبون الخمر على قبر "الأعشى" ب "منفوحة" اليمامة، وذلك لولعه بها وتقديراً لذكراه. ويدفن بعض العرب الميت بملابسه، ويغلى رأسه. ويكفن بعضهم موتاهم ويدفنونهم مكفنين. ويذكر علماء اللغة ان من أسماء الكفن الجنن، واستشهدوا على ذلك ببيت للأعشى. وفي الحديث: "ان ثمود لما استيقنوا بالعذاب تكفنوا بالأنطاع وتحنطوا بالصبر، لئلا يجيفوا وينتنوا. يضعون الحنوط في أكفان الميت".كما وردت كلمة "أكفَاني" في بيت لامرىء القيس، مما يدل على معرفة الجاهليين للكفن. وقد كان قدماء العبرانيين يدفنون موتاهم بملابسهم التي كانوا يستعملونها، أي كما كان يفعل قدماء الجاهليين، ثم كفن المتأخرون منهم موتاهم بكفن مكوّن من قماش أبيض مصنوع على الأكثر من الكتان على هيأة البرد اليماني يلف على جسم الميت، وربطوا الرأس بمناديل، كما ربطوا يدي الميت وقدميه برباط خاص، على النسق الذي أقر في الإسلام. ويظهر من الأخبار الواردة عن تكفين رسول اللّه، أن أهل مكة أو الحجاز عامة كانوا يفضلون الأكفان السحولية، وهي أثواب بيض سحولية من كرسف، اي من قطن. وقد نسجت في "سحول"، وهي قرية باليمن منها هذه الثياب. وقد كره الإسلام تكفين الموتى بالمصيغّات وغيرها من ثياب الزينة، كما كره التكفين بالحرير، بل حرم بعض العلماء التكفين فيه. وقد كان أغنياء الجاهلية يكفنون موتاهم بالألبسة الغالية، مبالغة منهم في تقديرهم لمنزلة ميتهم عندهم. وقد ذكر "اليعقوبي"، أن "عبد المطلب" لفّ في حلتين يمانيتين ثمينتين وكانت البرود اليمانية مفضلة على غيرها في التكفين. وذكر أنه كان من المستحسن عندهم الإحسان في الكفن. ورويت أحاديثَ في تحسين الكفن. منها:" إذا كفنّ أحدكم أخاه، فليحسن كفنه". وذكر أن "التحسيب"، بمعنى التكفين وان لفظة "محسب" بمعنى مكفن. وذكر ايضاً التحسيب دفن الميت بالحجارة. عند وضع الميت في قبره يقوم من يذكر محاسنه وأعماله، ثم يظهر حزنه وحزن الناس لفراقه، ويقال لذلك "الصلاة". وقد أطلق الإسلام على هذه وعلى الندب والأعمال الأخرى "دعوى الجاهلية"، ونهى عنها. ويوارى الميت في حفرته ثم يهال التراب عليه. وإذا كان الميت من أصحاب الاسم والجاه فقد يجصص قبره ويبنى عليه، ويكتب على قبره اسم صاحبه وما يناسب المقام. وكثيراً ما نسمع بنحر الإبل أو عقرها على الفور لتبتل بدماء الإبل. ولا سيما إذا كان الهالك من سادات القبائل والأجواد. وإذا حلقت النساء شعورهن حزناً على الميت، وضعن شعورهن على القبر. وقد اختلف العلماء في سبب عقرهم للابل على القبور، فقال قوم إنما كانوا يفعلون ذلك مكافأة للميت على ما كان يعقره من الإبل في حياته وينحره للأضياف. وقال قوم إنما كانوا يفعلون ذلك اعظاماً للميت كما كانوا يذبحون للاصنام. وزعم بعض آخر أنهم انما كانوا يفعلون ذلك، لأن الإبل كانت تأكل عظام الموتى إذا بليت فكأنهم يثأرون لهم فيها. وقيل ان الإبل أنفس اموالهم، فكانوا يريدون بذلك أنها قد هانت عليه لعظم المصيبة، وقد نهى الإسلام ذلك بحديث: " لا عقر في الإسلام ". وإذا وضع الميت في لحده، أهالوا التراب عليه، وقد ينظم الشعراء شعراً لهذه المناسبة ينشدونه على القبر اظهاراً لحزنهم ولحزن الناس على فراقه. وطريقة دفن الميت هي العادة الشائعة المعروفة بين الجاهليين، غير أن هناك من كان يوصي بحرق جثته وذرّ رماده في الهواء، أو بدفن الرماد في الأرض، وطريقة حرق الموتى ليست من العادات السامية أي من العادات المنتشرة بين الساميين إذ يرون أنها تنافي حرمة الميت وأحكام الآلهة. وكانوا إذا سَبوا شخصاً أو أرادوا به سوءاً دعوا له بالحرق، أو قالوا له يا ابن المحروق. وقد وجد من فحص القبور التي عثر عليها خارج أسوار "مأرب" أن من الموتى من دفن على هيأة انسان نائم أي وضع متمدداً في لحده، كما نفعل في موتانا وأن بعضهم لم يدفن على وفق هذه الطريقة، ولكن دفن قائماً. وقد عثر في بعض هذه القبور على كتابات قصيرة، كما عثر فيها على رؤوس منحوته دفنت مع الميت، لعلها ترمز إلى رمز ديني، أو عقيدة من عقائدهم في الموت، أو تمثل الميت نفسه لتكون شاهداً عليه. ولم نعثر على جثث في جزيرة العرب محنّطة على طريقة المصريين،والذي نعرفه الآن ان الجاهليين كانوا يضعون الحنوط في أكفان الميت وملابسه ليطيب به جسمه وليحفظه مدة طويلة. ويظهر من التفسير الذي يرويه علء اللغة لجملة "عطر منشم" الواردة في شعر "زهير بن أبي سلمى"، ان "خزاعة" وربما غيرها كانت تشترى "الكافور" لموتاها. وقد كانت قريش تضع الكافور مع الميت، وهي عادة استمرت في الإسلام أيضاً. ويقال: إن منشماً امرأة كانت تبيع الحنوط في الجاهلية، فقيل للقوم إذا تحاربوا: دقوا بينهم عطر منشم، يراد طيب الموتى، مما يدل على ان تطييب الميت عادة جاهلة قديمة، ويقال لطيب الموتى الحنوط. وقد طرح المسك على عبد المطلب لتطييبه، "وكل ما يطيب به الميت من ذريرة أو مسك أو عنبر أو كافور هو قصب هندي أو صندل مدقوق، فهو كله حنوط". وقيل ان منشماً، هي ابنة "الوجيه" العطارة بمكة من حمير، وقيل من همدان، وقيل من خزاعة وقيل من جرهم. وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال وتطيبوا بطيبها كثرت القتلى فيما بينهم. وذكر انهم كانوا إذا قصدوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا عليه بأن يستميتوا في الحرب ولا يولوا أو يقتلوا. وقال "الكلبي": " جرهمية. وكانت جرهم إذا خرجت لقتال خزاعة خرجت معهم فطيبتهم فلا يتطيب بطيبها أحد إلا قاتل حتى يقتل أو يجرح. وقيل امرأة كانت صنعت طيباً تطيب به زوجها، ثم انها صادقت رجلاً وطيبته بطيبها، فلقيه زوجها فشم ريح طيبها عليه فقتله. فأقتتل الحيان من أجله. قال الكلبي: ومن قال منشم بفتح الشين فهي امرأة كانت تنتجع العرب تبيعهم عطرها فأغار عليها قوم من العرب فأخذوا عطرها، فبلغ ذلك قومها فاستأصلوا كل من شمّوا عليه ريح عطرها. وقد ضرب بها المثل في الشر، فقالوا: أشأم من عطر منشم". وورد أن "المنشم" عطر شاق الدق أوشيء يكون في قرون السنبل، يسميه العطّارون "روقا". وهو سم سوعة. وقيل: ثمرة سوداء منتنة الريح، أو حبّ البلسان. ويجعل الحنوط في مرافق الميت وفي بطنه وفي مربع رجليه ومآبضه ورُفْغَيهْ وعينيه وأنفه وأذنيه. يجعل يابساً. ونظراً لوجود لفظة "حنط" في العربية في المعنى الذي نفهمه من التحنيط، أي حفظ الجسد، ولاستعمال الجاهلين "الحنوط" في تجهيز موتاهم، وهي موإد عطرةْ ذات رائحة طيبة ولورود اللفظة في العبرانية وفي السريانية "حونطو"، نرى أن نوعاَ من التحنيط كان معروفا عند الساميين. وان لم يكن بالشكل الذي كان عند المضربين. ولا يستبعد أن يكون اهل الجاهلية قد مارسوا التحنيط ايضاً، وذلك بالنسبة إلى أغنيائهم واصحاب الثراء منهم. ويؤيد هذا الاحتمال ما رواه اهل الأخبار من عثور الجاهليين وبعض الإسلامين على جثث عادية كانت محافظة على هيأتها حتى انها تبدو وكأنها دفنت بالأمس، وما رووه من عثورهم على نفائس وأواني وكتابات، إلى جانب تلك الجثث. مما يبعث على الظن بان تلك الجثث كانت محنطة بطريقة ما. ولم تستعمل التوابيت المصنوعة من الحجارة في نجد والحجاز. أما في يطرا وتدمر فقد اتخذت التوابيت المصنوعة من الحجر والنواويس. والتابوت، هو الصندوق الذي يوضع فيه الميت. ويصنع من الخشب والحجر. أو من مواد أخرى. وهو "تبا" فىِ العبرانية. وقد ذكر بعض علماء اللغة، ان "التابوه" لغة في التابوت، والتابوت في الأصل "صندوق من الخشب وقد أشير اليه في القرآن الكريم ". وقد عرف العرب لفظة أخرى استعملوها في معنى"التابوت" هي لفظه "إران"، ويراد بها صندوق من خشب يوضع الميت فيه. وقد ذكر بعض علماء اللغة ان ان الإران تابوت يضع النصارى فيه أمواتهم ويدفنونه مع الميت. واللفظة عبرانية، وقد وردت جملة "حمل على الإران"، أي حمل في التابوت. وذكر علماء اللغة ان "الإران" الجنازة، وخشب يشدّ بعضه إلى بعض تحمل فيه الموتى، وسرير الموتى، وتابوت الموتى. والعادة ان تذكر مناقب الميت عند قبره في أثناء الاحتفال بدفنه إذا كان عظيماً سيداً، وأن يعجل بدفنه في مقبرة القبيلة أو القرية أو في بيته. وقد كان من عادتهم دفن الميت في البيوت أو على مقربة منها. أما الأعراب،فقد كانوا يدفنون موتاهم في المنازل التي يكونون فيها، وإذا كانوا في أثناء رحيلهم دفنوهم على قارعة الطرق ولا سيما على المرتفعات المشرفة عليها. ويعجل العرب بدفن موتاهم. والتعجيل بدفن الميت من الضرورات التي اقتضتها طبيعة الجو. فجو جزيرة العرب لا يساعد على بقاء جسد الميت مدة طويلة، وإلا تعرّض للفساد، ولحق الأذى به ولهذا صار من الاستحباب التعجبل بدفن الميت ليس في العرف حسب، بل من الناحية الدينية كذلك. ويحلق بعض الجاهليين شعر الرأس كله أو بعضه ويرمونه على القبر. وحلق شعر الرأس أو جزّ الناصية أو حلقها أو حلق الضفيرتين من التقاليد القديمة. وكانوا يقومون بذلك إكراهاً وتعظيماً لشأن الأرباب، وعند الحج إلى بيوت الآلهة، فيرمون يالشعر أمام الأصنام تعظيماً لها وبياناً عن مقدار احترامهم لها حتى ضحّوا بأعز رمز لديهم في سبيلها، ولهذا كان لرمي ضفائر شعر الرأس عند القبر أهمية خاصة في نظر الجاهليين. وكان في روع الأمم القديمة ان الشعر للفرد قوة وحياة، فحلقه أو جزّ جزء منه، معناه تضحية كبيرة وصلة تربط الميت بالحي. القبر ويدفن الموتى عادة في حفر تحفر يقال لها: قبر، وجدث، ومقبر،ووجر، ورمس، وجنن. أما في "بطرا"، وفي بعض المناطق الجبلية والصخرية، فقد نقرت المقابر في الصخور، فصنعت على هيأة حجر وضعت جثث الأموات فيها، كما استعملت المقابر المرتفعة في مدينة "تدمر"، وذلك بتشييد مبانٍ وضعت فيها جثث الموتى في حجر صغيرة تعمل في تلك الأبنية. واستعملت الكهوف مقابر كذلك. ففي المناطق الصخرية توجد كهوف طبيعية سكنها الإنسان، واتخذها مقبرة له. وذلك بدفن الأموات فيها وسدّ بابها. وقد عثر الباحثون والسياح على عدد منها. والقبر هو التسمية المعروفة الشائعة في أغلب أنحاء جزيرة العرب، وقد وردت في نص النمارة، وجمعها القبور. ذكر علماء اللغة ان "القبر" مدفن الإنسان وان "المقبر" موضع القبر. وأما "المقبرة"، فهي موضع القبور. وقد وردت لفظة "مقبر" و "مقبرت" أي مقبرة، و "مقبرتم " أي "مقبرة" في حالة التنكير في نصوص المسند. وأما "الجدث" فالقبر، والمجمع أجداث وأجدث، وهو قلة. وورد "الجدف" في بعض الروايات. .وأما الوجر، فهو كالكهف عند علماء اللغة. فهو يؤدي معنى قبر على سبيل المجاز. وقد ورد في نص مدوّن بالمسند يعود إلى القرن السادس للميلاد، عثر عليه في العربية الشرقية. وهو شاهد قبر رجل اسمه "ايليا". ويذكر علماء اللغة، ان الجنن: القبر، سمي بذلك لستره الميت، وأيضا الميت لكونه مستوراً فيه، وأيضاً "الكفن" لأنه يجن الميت، أي يستره، فالأصل في الكلمة الستر، ويجمع على أجنان. وقد وردت لفظة "ضرح"، أي "ضريح" بمعنى قبر في اللغة الصفوية. ولكن من الجائز أن تكون قد وردت فيها بالمعنى المفهوم من الكلمة في عربيتنا. كما وردت فيها ألفاظ أخرى بمعنى قبر، مثل: "نفست" أي، "نفس" و "مقل"، بمعنى "مقيل"، أي موطن الراحة ومحلها، و "نيت". ويظهر ان لفظة "نفست" قد أخذت من أصل إرمي هو "نفسا" "نفشا". وقد وردت لفظة "نفش" و "نفس" في النصوص النبطية واللحيانية والسبئية وفي نصوصُ دوّنت بلهجات عربية أخرى. ولعل للفظة "نيت"، علاقة ب "منوت" و "منايا" و "منون"، وهي تعني في الصفوية: المسافر والسفر أي في معنى أدبي لطيف، له صلة بالموت، باعتبار ان الميت مسافر من هذا العالم إلى عالم آخر، وان القبر هو مستقر ذلك السفر. ويلحد أهل الحجاز لحداً في القبر لوضع الميت فيه. ويقال للذي يلحد القبر ويضع الميت فيه "اللاحد". ويقال للذي يعمل الضريح "الضارح". وكان من عادة الجاهليين رجم القبور أي وضع أحجار فوقها، وذلك على سبيل التقدير والتعظيم للميت. فإذا زار قريب أو صديق قبر قريب أو صديق له رجمه، أي وضع أحجاراً فوقه. والرجام الحجارة. والرجمة أحجار القبر ثم يعبر بها عن القبر وجمعها رجام ورجم. وقد ورد في كتب الحديث ان الرسول قال: لا ترجموا قبري، وان "عبدالله بن مغفل المرني" قال: "لا ترجموا قبري، أي لا تجعلوا عليه الرجم. وأراد بذلك تسوية القبر بالأرض"، وعدم نصب أحجار فوقه ليظهر واضحاً شاخصاً. وتؤدي لفظة "رجم" و "رجمت" و "هرجم" أي "الرجم"، معنى قبر أيضاً. وترد بكثرة في الكتابات الصفوية. ويراد بها الآحجار التي تكوم فوق قبر. والعادة عندهم أن الشخص الذي يمر على قبر ما، أو يزور قبر قريب له، يضع حجراً او أحجاراً فوق القبر، تكريماً لصاحبه وتخليداً لذكره، حتى وان لم يعرفه، لأن ذلك من باب احترام الموت والميت. فالرجام اذن، هي قبور غطيت بأحجار. وقد عثر على عدد من الرجام المكتوب الذي اتخذ شواخص للقبور فيه اسم الميت ودعاء على من يحاول نقل الرجمة من محلها أو على من يحاول تغيير معالم القبر وازللته أو على من يريد انّحاذه براً له أو لأحد أفراد أسرته أو يسفن أي أحد فيه. وقد أفادتنا هذ الشه س اهد في معرفة لهجة الفوم وفي بعض الأمور التي لها صلة بالأصنام وبالدين. وقد استعملت اللحيانية لفظة "قبر" ومنها "هنقبر"، أي "القر"، للتعبير عن القبر، كما استعملت لفظة أخرى هي "مثبر" "م ث ب ر" ومنها "همثبر"، أي "المثبر" في معنى قبر. وللثبور بالطبع صلة بالموت. وتعبر لفظة "كهف" في هذه الهجة عن هذا المعنى أيضا. ويقال للقبر المسوّى مع الأرض "رمس" فإذا كان مرفوعاً عن الأرض فهو قبر مسنم. ويظهر أن الجاهليين كانوا يسنمون قبورهم. وقد ورد في حديث "ابن مغفل": "ارمسوا قبري رمساً". أي سووه بالأرض ولا تجعلوه مسنماً. والرمس تراب التر والمَرْ مَس موضع القبرْ. ووردت لفظة "مقبر" في الكتابات الصفوية، بمعنى "القبر"، أي الموضع الذي يقبر به. وهم يرصفون القبر، ويعبرّون عن ذلك بكلمة "ارصف". كما يرجمونها بالرجم ويعتبرون ذلك من امارات التقدير والاحترام. وعرفت مقابر النصارى ب "الناووس". وقد شلك بعض علماء اللغة في أصلها، فذهب الى احتمال، كونها من أصل أعجمي، وهي من أصل يوناني، ومعناها فيها: حجر منقور لدفن ميت، كما أطلقت على مقبرة النصارى وعلى المعبد والكنيسة،لأن كثيراً ما كان النصارى القدامى يقبرون موتاهم في الكنائس. وقد حارب الإسلام عادة أهل الجاهلية في تسنيم القبور ورفعها عن سطح الأرض، وشدّد على ذلك في الحديث، وجعلت القبور المسنمة في حكم الأوثان. ولا بد أن يكون لهذا التشديد سبب، إذ لا يعقل ورود تلك الأحاديث في موضوع طمسها بغير داع ولا أساس. وسبب ذلك هو تقديس أهل الجاهلية لتلك القبور تقديسهم الأوثان وتقربهم اليها، وهو ما لا يتفق ومبادىء التوحيد في الإسلام. ونهى الإسلام عن تكليل القبور. "أي رفعها تبنى مثل الكَلل، وهي الصوامع والقباب التي تبنى على القبور. وقيل: هو ضرب الكلة عليها. وهي ستر مربع يضرب على القبور". وقد كانوا يبنون البيوت والأبنية فوق القبور. وقد نادى الشاعر "لبيد" باني قبر عزيز له بأن يضعف من سمك القبر وأن يرفع الحائط أو السقف، حتى يكون هناك متسع من فضاء فوق القبر. وذكرأنه كانت على قبر " أبي أحيحة" قبة مشرفة. وقد ورد في شعر "بشر بن أبي خازم الأسدي" ما يفيد بناء أضرحة فوق القبور، ورفع القبر عن الأرض حتى يكون كسنام الجمل بارزا ظاهراً. وقد عبر عن بناء القبر ورفعه عن الأرض وبناء ضريح عليه ب "ارتفد الضريح" والضريح في تعريف علماء اللغة، الشق في وسط القبر، وقيل القبر كله أو قبر بلا لحد. وذلك لأنهم يجعلون اللحد في جانب القبر. ويظهر أن يهود الحجاز ونصاراه كانوا قد بالغوا في ضرب القباب والأضرحة على قبور موتاهم وفي تعظيم قبور أحبارهم وقسسهم، حتى تحولت قبورهم إلى اضرحة ومزارات. تزار في المناسبات وقد دفنوهم في المعابد. لذلك نهي عن التشبه بفعلهم في الإسلام. وأشير إلى عملهم هذا في القران الكريم وفي كتب الحديث. وقد وضع اليهود والنصارى شعار اليهود والنصارى على قبورهم لتمتيزها عن مقابر الوثنيين. ويقال للحائرِ الذي يحيط بالقر "الودع". وقيل: الودع القبر، أو الحظيرة حوله، أو المدفن يحير به حائر. وتعرف علامات القبر ومعالم حدوده به "الآيات"، والاية هي العلامة. وقيل للرجمات التي وضعت على القبر إلأحجار والأطباق والصفيح والصفائح والصفاح. ويراد بالصفائح الحجارة العريضة التي توضع على القبر لتغطيته. وكان منهم من يضع الجريد على إلقبر، ومنهم من يضعه داخل القبر. وقد تغرز الجريدة في القبر فيكون رأسها بارزاً فتكون علامة تشير إلى القبر. وذكر إذ رسول الله أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة. ولا زال الناس يتبعون هذه العادة. وقد استعملوا الأذخر والحشيش في قبورهم كذلك. كانوا يضعون الأذخر في الفرج التي تكون بين اللبنات،ويضعون الحشيش تحت الميت وفوقه. وعثر في مواضع من جزيرة العرب على مقابر دعاها الباحثون: "تمولي" tamuli لأنها على شكل تلال أو هضاب. وقد اتخذت مدافن. منها "تمولي" البحرين. وسأتحدث عنها في أثناء حديثي عن الفن والعمارة عند الجاهليين. وقد عثر المنقبون على مقابر جاهلية عامة، على نحو ما نجده من المقابر العامة في هذا الوقت. وقد نبش عدد منها في الإسلام، لاتخاذها أملاكاً أو مساجد، كما حول بعضاً منها الى مقابر اسلامية، دفن فيها المسلمون بعد أن أزيلت ونبشت قبور الجاهليين. وأشير اليها في كتب الحديث. ويظهر ان بعضاً منها كان ذا أضرحة وقبور مرتفعة عن الأرض. ولا يدفن في المقابر إلا أفراد العائلة التي تمتلكها، أو من يؤذن بدفنه فيها. ويعد الإذن بدفن غريب في مقبرة خاصة من علامات التقدير والاحترام بالنسبة للمتوفى الغريب. وقد تحجز مناطق من مقبرة عامة لتكون مقبرة خاصة،فلايسمح لأحد بالدفن فيها إلا لمالكها. وقد تسور ويعمل لها باب، وقد يقام ضريح أو بناء ضخم، مع ان المقبرة هي جزء من مقبرة عامة. ولا تزال هذه العادة متبعة وقد تشترى، الأرض ممن يتولى أمر المقبرة العامة. ويحافظ أهل المقابر الخاصة على مقابر أسرهم فيتعهدونها بالرعاية والعناية وبإدامتها على خير وجه. وهي تزار في المناسبات تقرباً إلى اصحاب القبور، لئلا تنقطع صلتهم بموتاهم. وورد ان بعضاً من الجاهليين كان يضرب قبة على قبر عزيز له مدة سنة"للاستمتاع بقربه وتعليلاً للنفس وتخييلاً باستصحاب المألوف من الأنس ومكابرة للحسن. كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البانية ويخاطب المنازل الخالية". وتراعى القرابة والمنزلة في دفن الموتى في المقابر فتدفن الزوجة على مقربة من زوجها في الغالب والأبن على مقربة من أبيه "، وهكذا فكاًنهم يريدون بذلك جمع شمل العائلة، وإعادتها إلى ما كانت عليه يوم كانوا أحياءّ. وإذا كان المتوفى عظيم وذا مكانة ومنزلة حرص، أقرب الناس اليه من أصحابه على نيل شرف الدفن على مقربة منه عند دنو أجلهم. وقد تتحول أمثال هذه المقابر الى مزارات، خاصة إذا كانت مقابر كهنة وسدنة ورجال دين. أما قبور الأعراب والفقراء والسواد، فهي بسيطة، حفرة تحفر في الأرض يوارى فيها الميت، ثم يهال عليه التراب أو الرمال أو الحجارة حسب طبيعة الأرض فتكون قبر ذلك الميت. وقد يسوّ ى القبر بالأرض فلا تظهر آثاره ولاتبرز معالمه عن معالم القشرة، وقد يرفع التراب بعض الشيء ليكون علامة عليه.وقد توضع عصي أو أحجار فوقه لتكون إشارة تشير إلى مكانه. وليس في إمكان الأعراب النازلين في البوادي البعيدة عن الحضر، فعل غير ذلك، ولا سما إذا كان الموت قد وقع في حين نزول القبيلة في أرض جاءت اليها في الموسم لترعى العشب أو في أثناء تنقل فإنها لا تستطيع أن تصنع قبراً لميتها غير هذا القبر. ومدة العزاء عند الجاهليين حولٌ، أي سنة لا يترك أهل الميت فيها ذكرى فقيدهم، فيندبونه في أوقات معينة ويبكون عليه عند قدوم قادم اليهم، وينحرون لذكراه ويكرمون من يأتيهم لتعزيتهم. وقد كانت مدة العزاء حول عند العبرانيين أيضاً وعند غيرهم من الساميين والشعوب الأخرى، يقوم فيها أبناء الميت أو بناته بتلاوة صلوات خاصة في خلالها عاى الميت ليرحمه الله وليغفر له وليسعد روحه. وتكَاد هذه المدة تكون امداً للعزاء ولذكرى الميت عند كل الشعوب إلى هذا اليوم. وأما مدة المناحة فهي في العادة سبعة أيام. فلما مات "زيد الخيل"، الشاعر الفارس، وهو فيَ طريقه إلى دياره، أقام "قبيصة بن الأسود" المناحة سبعة أيام. ولا تزال هذه المدة مرعية في العراق، حيت تنوح وتبكي النسوة فيها موتاها، ويكون اليوم السابع هو ختام العزاء. أما الرجال، فيقيمون العزاء ثلاثة أيام، ويسمونه "الفاتحة" في الإسلام بالعراق في هذه الأيام. ويجلس أقرباء الميت وأهله عند العبرانيين سبعة أيام في البيت حزناً عليه وتقبلاَ لتعازي الناس. وقد ورد أن مدة النياحة قد تستمر عند الجاهليين فتكون حولاً. ملابس الحزن ويلبس أهل الميت وأقرباؤه ملابس الحزن مدة العزاء أو حولاً كاملاّ. واللونان الأبيض والأسود هما اللونان اللذان تتخذ منهما الملابس في الحزن، فقد لبسوا الملابس البيض، ولبسوا الملابس السود، وما زال اللونان شعاريْ الحزن حتى الان. فاللون الأبيض هو شعار الحزن في الحجاز والشام، أما الأسود، فهو شعار الحزن في العراق. وحداد المرأة على زوجها حداد صعب عسير، عليها في هذه المدة الامتناع عن الزينة والطيب امتناعاً تاما، ويقال لها في هذه الأثناء "الحادة" لأنها حدت على زوجها: وفي خلال الحداد يمتنع الخطاب من خطبتها والطمع فيها حتى تنتهي منه. ويفهم من بعض رايات الأخباريين أن من عادة الجاهليين حجز المرأة عند وفاة زوجها في بيت صغير، قد يكون خيمة أو بناء يسمونه "الحفش"، لتقضي فيه مدة العدّة. فإذا كانت في هذا البيت، لبست شرّ ثيابها، وامتنعت عن الطيب وعن تزيين نفسها مدة عام. فإذا انتهت المدة افتضت عدّنها "بمس الطيب أو بغيره كقلم الظفر أو نتف الشعر من الوجه أو دلكت جسدها بدابةّ أو طير، ليكون ذلك خروجاً عن العدّة. أو كان من عادتهم أن تمسح قُبلها بطائر، وتنبذه فلا يكاد يعيش. وتصف رواية أخرى دخول المرأة الحفش وخروجها منه على هذه الصورة: " كانت إذا توفي زوجها دخلت حفشاً ولبست شرّ ثيابها حتى تمرّ بها سنة ثم تؤتى بدابة، شاة أو طير فتفتض بها، فقلمّا تفتض بشيء إِلاّ مات. ثم تخرج فتعطي بعرة ترمى بها...". وجاء: و "كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفراً ولا تنتف من وجهها شعراً، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر. ثم تفتض بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش ". ومن عادات بعض الجاهليين ضرب القباب على قبور موتاهم أياماً أو أشهرا قد تبلغ عاماً، يقيم فيها نساء الميت أو ذوو قرابته، ليجاوروا الميت، وليستقبلوا فيه من يفد لزيارة القبر. واعتقادهم بإحساس روح الميت بوجودهم هناك وبمجيئهم إلى القبر لمؤانستهم له هو الذى حملهم، ولا شك، على ضرب هذه القباب وعلى مجاراتهم لتلك الأجداث. ومن هذه القباب المؤقتة ظهرت الأضرحة الثابتة ذات القباب السامقة الشامخة، كما أن من المعابد المتنقلة، أي الخيام المقدسة، نشأت المعابد الثابتة عند العبرانيين وعند الجاهليين وعند غيرهم من الشعوب. ومن عادة الجاهليين إسالة دم الذبائح على القبر أو تضريحه بتلك الدماء. فيعقر على قبور الموتى وعند إهالة التراب على الميت، وقد يعقر على القبر كل عام وفي أثناء المناسبات إذا كان الميت من السادة المشهورين المعروفين يالخصال الحميدة كالشحاعة والكرم. وفي الشعر الجاهلي والأخبار أسماء أناس كانوا من المشاهير في ايامهم، جرت العادة بأن تذبح الذبائح عند قبورهم إكراماً لهم. وقد بقيت هذه العادة الجاهلية خالدة حتى اليوم مع إبطال الإسلام لها بحديث: "لا عقر في الإسلام ". وليس من الضروري أن يكَون أصحاب العقائر من ذوي قرابة صاحب القبر أو من قبيلته. ومن هذه القبور قبر "ربيعة بن مكدم" من "بني فراس بن غنم بن ماللك بن كنانة". وكان الناس يعقرون على قبره. ويظهر من شعر لحسان بن ثابت قاله لما مر بقبره، أن قبره كان قبراً مبنياً بني من حجارة حرة. والعادة في العقر، عقر قوائم الدابة، وقاء تعقر الدابة ثم تذبح والغالب ان تكون الدابة جملاً أو ناقة، ولبهن بعضهم كان يعقر شاة كذلك، وذلك إذاكان اهل الميت من طبقة ضعيفة، يصعب عليها عقر جمل أو ناقة. وقد ورد النهي عن ذلك في حديث آخر هو: " لا تعقرن شاة أو بعيراً إلا لمأكله". وقوم كان يحبسون ناقة الرجل وذلك بأن يشدّوا الناقة إلى قبر الرجل، ويعكسو رأسها إلى ذنبها، ويغطو رأسها بولية، وهي البردعة،وتربط برباط وثيق حتى لا تهرب، فإن أفلتت لم ترد عن ماء ولا مرعى، وإذا بقيت على القبر، فإنها تبقى في حفرة لا تعلف فى لا تسقى حتى تموت عطشاً وجوعاً،ويقال لهذه الناقة السيئة الحظ البليةّ. ويزعون انهم انما يفعلون ذلك، ليركبها صاحبها في المعاد، ليحشر عليها فلا يحتاج أن يمشي. قال أبو زبيد: كالبلايا رؤوسها في الولايا مانحات السمومُ حرّ الخدودْ ووجدت في قبور الجاهليين أشياء مما يستعمله الإنسان في حياته مما يدل على أنهم كانوا كغيرهم يدفنون مع الموتى ما يشعرون ان الميت قد يحتاج في حياته الأخرى اليه. أما الأعراب فلا نتصور أنهم كانوا يدفنون مع الموتى أشياء ثمينة لفقرهم وبساطة معيشتهم. وقد عثر في مقابر أهل العربية الجنوبية مثل اليمن وحضرموت على حليّ وأحجار نفيسة وأمثال ذلك مما دفنه أهل تلك البلاد مع موتاهم، ليتزبنوا بها في العالم الثاني. وتؤيد روايات أهل الأخبار عن فتح القبور في الإسلام بحثاً عن الغنى والمال، ما ذكرته من احتمال وجود رأي عند عرب ما قبل الإسلام، بأن الميت سيحتاج إلى هذه الأشياء التي دفنت معه، وأنه سيستفيد منها في عالمه الثاني الذي رحل اليه. ولكني لا أستبعد احتمالاَ اخر، قد يكون أهل الجاهلية قصدوه من دفن الذهب والفضة من حلي أو سبائك أو صفائح مكتوبة مع الميت، هو رغبة أهل الميت في اظهار شعور الود والمحبة نحو ذلك الميت، بدفن تلك النفائس العزيزة معه، لاظهار أنهم لا يبالون بها بعد فقدهم عزيزهم الميت، وأنهم يريدون دفن كنوزه معه، تعففاً عنها وإزدراء بها، وقد ورد في بعض الأخبار أن امرأة ماتت، فدفنوها مع متاعها. ولصيانة القبر وبقائه على حاله أهميه كبيرة عند الجاهليين، تتجلى في الجمل التي دونوها على شواخص قبورهم، هذه الشواخص التي عثر عليها السياح والباحثون في مواضع متعدة من جزيرة العرب، وهي تطلب إلى الآلهة بأن زنزل الالام والمدراض والعاهات بمن يتجاسر فينقل شاخص القبر من مكانه، أو يكسره ويأخذه ليستعمله، أو ما شاكل ذلك. وجملة "عور لذ عور سفر" أي "عور للذي يعور الشاخص"، أو جملة "وعور دشر وخبل"، أي عمى وجنون "خبل" من الإلهَ "ذو الشرى"، على من يحوّ ر هذا الشاخصم، ويغيره أو يأخذه ويغيره لغرض ما، وأمثالها، هي من العبارات المألوفة التي نقرأها يكثرة على شواخص القبور. ومن الطبيعي أن تجد هذه العبارات وعبارات أخرى أشد منها مدونة على تلك الشواخص، راجية من الالهة أن تنزل عقابها على من يحاول التطاول على حرمة القبر بدفن غريب، فيه. ويظهر من هذه العبارات ان من الجاهليين من كان يتطاول على القبور، ولأ سيما القبور المنحوتة والقبور الجيدة المبنية على شكل غرف، وأضرحة، فيدفنون موتاهم فيها، وبذلك تدخل جثث غريبة في تلك القبور،أو يحولوا تلك المقبرة القديمة إلى مقبرة جديدة. وقد يزيلون معالمها تماماً، أو يدفنون أمواتاً فوق أموات على نحو ما نفعل اليوم في المقابر القديمة المشهورة المقامة حول الأولياء، حيث تتحول المقابر القريبة من الولي الى مقبرة قد ترتفع من كثرة ما يدفن عليها، حتى تكون مرتفعاً عن ظاهر الأرض. وتزار قبور السادات والشثراف، وخاصة قبور كبار سادات القبائل، ويذبح عندها، ويحلف بها، ويلجأ اليها طلباً للأمان والسلامة، فلا يستطيع أحد التحرش بمن التجأ الى صاحب القر ولا ذويه. وقد هجا "بشر بن أبي خازم الأسدي" "أوس بن حارثة" من "آل لأم"، فكان في جملة ما قاله في هجائه: جعلنم قبر حارثة بن لأم الها تحلفون به فجوراً وحارثة بن لأم صاحب القبر، هو أبو أوس المهجو. وقد أشار أهل الأخبار إلى قبور سادات جاهلين كان الناس يفدون اليها ويعظمونها، ويلوذون بها، ويطوفون حولها، منها قبر "تميم" بموضع "مر الظهران"، وقبر "عامر بن الطفيل"، وقد وضعوا الأنصاب حول القبر لتكون علامة له، فلا يدخل الساحة التي يكون فيها القبر إلى موضع الأنصاب حيوان أو راكب ولا يهتك حرمتها انسان. كذلك كان الناس يحلقون شعورهم عند مثل هذه القبور، كالذي كانوا يفعلونه عند الأصنام. وقد حجت قبائل قضاعة إلى قبر كان على مرتفع من الشحر، زعم أنه قبر جدّ قبائل قضاعة. وكانت أمثال هذه القبور ملاذاً يلوذ بها أصحاب الحاجات، كما قصدها الشعراء لانشاد قصائدهم في مدح صاحب القبر والتغني بمجده وبمجد قبيلته. ولها جمى حكمه حكم الحمى الذي يحيط ببيوت الأصنام. ويقسم بهذه القبور وبحق أصحابها، كما يقسم بالأجداد، ويعد هذا النوع من القسم يميناً لا بحوز الكذب فيه، وهو كاليممان المغلظة التي حلف بها الناس ويذكرون فيها الآلهة اسماء الأصنام. وفي كتب الحديث أن النبي نهى عن الحلف بالآباء والأجداد وبتربهم، لأن ذلك من عمل أهل الجاهلية. وقد كانت قريش تحلف بآبائها وبأجدادها فتقول: أبي أفعل هذا، أو وأبي لا أفعل وحق أبي أو تربة أبي أو وتربه جدك، نحو،ذلك. وهي ايِمان من ايمان الجاهلية نهى النبى عنها. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#137 |
|
عضو فضي
|
الفصل الثاني والخمسون
الدولة أقصد بالدولة الشعب والحزب أو الجماعة الحاكمة له في أرضه وتحت سلطانه وفي حيازته وملكه، لذلك لا أشترط في هذه الدولة أن تكون دولة كبيرة كالدولة الرومانية أو اليونانية أو الساسانية، فقد تكون الدولة.حكومة قريَة مثل يثرب أو مكة، وقد تكون حكومة قبيلة، وقد تكون أكبر من ذلك وأوسع مثل دولة الحيرة ودولة الغساسنة ودول اليمن. فلا علاقة اذن لكبر أو لصغر الحكومة بمفهوم الدولة في نظري، فكل حكومة جاهلية مستقلة، هي عندي مع شعبها أي التابعين لها دولة صغرت أم كبرت. وألشعب في الجاهية وعند الجاهليين، هو القبيلة. فالقبيلة هي أصل الدولة ونواتها، وتقوم على رابطة الدم، أي على فكرة ان القبيلة هي من صلب رجل عاش حقاً ومات، وان أفرادها من هنا يرتبطون بينهم برابط الدم،اَي ان بينهم قرابة وصلة رحم. أما وطن القبيلة، فالأرض التي نشأت فيها، ثم الأرض التي هي عليها. فمن القبيلة ومن أرضها، تكونت دولتها، وعلى رأسها سيد القبيلة. هذا بالنسبة إلى اللأعراب، أما بالنسبة إلى الحضر، فإن فكرة الدولة عندهم تختلف باختلاف درجه اولئك الحضر. فالدولة في العربية الجنوبية، تجمع شمل قبائل عديدة كما تضم طوائف وفئات رسمت لها حدود معينة وحددت بحدود وقيود، فلا تتجاوزها. وقد حدد المجتمع مكانتها ومنزلتها بحيث جعل من المجتمع العربي الجنوبي مجتمعاً طبقياً. يتمتع فيه الملوك ومن يأتي بعدهم من حكام وأصحاب معبد وأرض بأعلى المنازل، ثم تليهم بقية الطبقات حسب قوتها ومكَانتها إلى أن تصل الى سواد الناس، وأقلهم منزلة الرقيق واصحاب الحرف المبتذلة. وهو نظام بقيت روحه وجذوره قائمة ئي اليمن الى الوقت الحاضر، ولكنه بدأ يجابه بمقاومة روح العصر وتقدم البشرية، فأخذ يتهدم بعض التهدم حسب مواطن الضعف في البناء. وأما في الأماكن الحضرية الأخرى، مثل العربية الشرقية وفي الحجاز، أو نجد، فإن درجة فهم الناس فيها للدولة، اختلف فيها، باختلاف تقدم ذلك المكان في ألحضارة وباتصاله بالعالم الخارجي. وبفضل عثور الباحثين على كتابات تعود إلى عهود مختلفة من تأريخ العربية الجنوبية، استطعنا الالمام بعض الالمام بشيء من نظم، الدولة في تلك الارضين. وفي جملتها طرق الحكَم فيها ونفوذ رجال، الدين وأصحاب الارض و الحياة ألاقتصادية التي جعلت العربية الجنوبية مجتمعاْ مكوناَ من طبقات، يسيره ألحكام ورجال الدين وأصحاب المال والأرض. أما بالنسبة ان المواضع الأخرى، فإن علمنا عن هذه الأمور هو دون علمنا عن العربية الجنوبية بكثير، بسبب عدم عثور الباحثين على كتابات جاهلية فيها، نستطيع أن نستلهم منها وحينا عن الماضي البعيد. ولذلك فعلمنا عنها ضحل،اعتمد أكثره من أخبار اهل الأخبار، وهي فجة أو مصنوعة، أو محرفة حرفها مرور الزمن،أو مدسوسةعمداً من اخباري أراد اظهار علمه للناس،أو من متعصب لقبيلة أراد بدسه الأخبار التفريج عن عاطفة التعصب الكامنة في نفسه. ويعبر عن سكان القرى والمدن ب"أهل" وب "آل". فيقال "أهل مكة" و "أهل يثرب"، ويراد بهم قطان مكة وسكان يثرب، و "شعب" في التعبير الحديث، على اعتبار أن كل مدينة مستقلة بشؤونها قائمة بإدارة أمورها وهي حكومة ذاتية يدير حكمها سادات المدينة. على نحو ما كَان عليه الوضع في القرى الأخرى من الحجاز وفي نواحٍ عديدة من جزيرة العرب. وإذا أصيب احدهم بضيم، أو أراد شيئا يتطلب العون والمساعدة نادى: "يا أهل مكة" أو "يا آل مكَة"، فيلبي ساداتها نداءه ويمضون في معالجة أمره، والغريب عن "اهل مكة"، له حق النخوة والاستجارة، فإذا نادى بشعارها حصل على من يدافع عنه ويأخذ حقه ممن ظلمه. ويشعر سكان المدن والقرى انهم كالقبيلة من اصل واحد، وأن لهم جداً أعلى، يرجع نسبهم اليه، أو جدهّ إن انتمى اهل المدينة إلى امرأة. وذلك، لاعتقادهم أنهم من قبيلة واحدة في الأصل، هاجرت إلى هذا المكان فسكنت نيه. فمرجع نسب مكة الى "قريش"، ونهاية نسب اهل يثرب من الأوس والخزرج الى "قيلة" جدتهم، وشب أهل الطائف الى ثقيف. فنحن إذن وإن كنا امام مدن وقرى، اي أمام عرب حضر، لكننا في انفسنا امام نظم تقوم على أسس قبلية وعقلية قبلية. فالقرية في الواقع قبيلة مستقرة تمركزت في مكان واحد. وقد تمسكت بنظم تفرع القبيلة وبالعصبية، وبما إلى ذلك من عرف مجتمع أهل البادية. وقد بقيت رابطة النسب وصلة الدم بها قوية. ذلك لأن تلك القرىَ، وإن جلبت اليها الأجانب والغرباء، غير انها بقيت مجتمعات منعزلة، لأن وسائل الاختلاط لم تكن مهيئة لها فيَ ذلك الوقت، حتى نجبرها على الخروج عن العزلة، والاختلاط بالغير، اختلاطاً شديداً على نحو ما يحدث للحضر في الأمكنة المتحضرة الممتزجة بالسكان. وجدّ القبيلة، هو مصدر إلهامها، ورابطها الروحي الذي يربط بينها. باسمه تتنادى في الغزوات والحروب، لتبعث حرارة الاندفاع والحماسة في القتال، وبه يدعو للنخوة أبناؤها ومن يلتجئ إلى القبيلة من مولى أو جار، وبقبره يلاذ إن كان له قبر، وباسمه يحلف كما يحلف بأسماء الآلهة. وللقبائل مصدر إلهام روحي آخر، هو أصنامها. فكان "المقه" صنم سبأ، وكان "ودّ" صنم "معين"، وكان للقبائل العربية الشمالية التي حاربت الآشوريين أصنام يحملونها معهم في سلم وفي حرب، ويستمدون منها المدد والعون في النزوات والحروب. ويعد سقوط الصنم في أيدي الأعداء نكسة للقبيلة وعاراً على أبنائها، لذلك كانوا لا يهدأ لهم بال حتى تعاد اليهم أصنامهم. وكان من اًهم ما يدعو القبائل العربية الى التهادن مع الآشوريين رغبتهم في استعادة أصنامهم وضمان عودتها من المنفى والأسر إلى الحرية. ولما ظهر الإسلام كانت القبائل ما تزال تحتمي بأصنامها وتدعوها لتنصرها في الحرب،حتى من تحضّر منها واستقر، مثل أهل مكة الذين كانوا ينادون: "أعْلُ هُبَلْ. أعْلُ هُبَلْ" في حربهم مع المسلمين. أما الذين غيروا دينهم وتنكروا لعبادة الأصنام فقد احتموا بشفعاء جدد، أخذوهم من النصرانية الني دخلوا فيها، فكان لهم قديسون يلوذون بهم في أثناء القتال. ويعبرّ عن القبيلة بلفظة "شعب" في العربيات الجنوبية. فالقبيلة والشعب إذن لفظان مترادفان على معنى واحد. الشعب بمعنى قبيلة في عربية القرآن الكريم،والقبيلة بمعنى شعب في العربيات الجنوبية. ولكن علماء العربية يفرقون بين اللفظتين، فيجعلون الشعب أكبر من القبيلة. والظاهر ان هذا التفريق قد وقع في الجاهلية القريبة من الإسلام، ونجده في القرآن الكريم في آية الحجرات: )وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم(. فذكر المفسرون ان الشعب أكبر من ألقبيلهّ. غير ان كثيراً من علماء العربية يرون أن الشعب والقبيلة في معنى واحد. وقد وردت كلمة "شعب" في الكتابات السبئية بمعنى قبيلة كما ذكرت،فورد: "شعب سبا"، بمعنى قبيلة سبأ. وورد "سبا واشعبهمو" بمعنى "سبأ و أشعبهم"،أي السبئيون وقبائلهم، ويراد بقبائلهم القبائل الأخرى الخاضعة لهم. ويرى بعض الباحثين في العربيات الجنوبية، ان لفظة "شعب" لا تعني عند العرب الجنوبين معنى "قبيلة" بالمعنى المفهوم من اللفظة عندنا، بل تعني جماعة ترتبط بالدولة وبالآلهة: آلهة الدولة ارتباطاَ ثقافياً واقتصادياً واجتماعياَ. فإذا قلنا شعب سبأ "شعبن سبا"، فإننا لا نقصد القبيلة سبأ، بل أمة سبأ، أو شعب سبأ بالاصطلاح الحديث. أي رابطة مواطنة تجمع شمل جميع المواطنين بالدولة جمعاً روحياً ومادياً، أي ان أمة سبأ تجمع السبئيين وغيرهم من الغرباء من أتباع حكومة سبأ، الخاضعين لحكم هذه الحكومة، ويدينون بالولاء لها ولأنظمتها ولقوانينها الروحية والمادية. ونجد في النصوص العربية الجنوبية إشارات إلى وجود ثلث أو ربع أو نصف قبيلة. فورد: "ثلثن سمعى"، أي "ثلث سمعي". ومعنى هذا ان جزءاً من قبيلة ما تعاون مع سكان منطقة ما لاستغلال أرض وللاستفادة من غلاتها،فيذَكر عندئذ رقم الجزء الذي نزل في هذا المكان. ولا يعني هذا بالضرورة ثلث أبناء القبيلة أو ربعها أو نصفها أوخمسها على الوجه المفهوم من القبيلة عندنا. بل يعني ذلك توزيع الأعمال والشغل على المجتمعين الذين تجاوزوا ورضوا بالعمل معا حسب الأجزاء المذكورة، التي تمثل نسب اشتراك المشتركين في العمل. وفي العربيات الجنوبية مصطلح، له صلة بمعنى "المواطنة" والمواطنين بالمعنى الحديث. وهو مصطلح: "خمس" ويجمع على "اخمس" "أخمس"، ويراد به مواطنو مملكة أو إمارة. فهو بمعنى المواطنة أو الرعاية في الاصطلاح الحديث. فكل من يعيش في حكومة ما في اي مكان كان، من قرية أو مدينة، فهو "خمس"، أي مواطن ومن رعايا تلك الحكومة، كما نرى في هذه الفقرة في نص "معيني": "ركل الا لت معنم ويثل وكل الالت ذا خمسم واشعبم"، و معناها: "وكل آلهة معين ويثل وكل آلهة المواطنين والقبائل". ويراد ب "اشعبم" هنا القبائل، أي الأعرابّ واما "أخمس"، فيظهر أن المراد بها الرعايا الحضر المستقرون. ورد في نص سبئي: "خمسيهو وحميرم"، أي "مواطنو سبأ وحمير". وترد لفظة "جوم" "كوم"،في النصوص السبئية القديمة بوجه خاص،مثل هذه الجملة "هوصت كل جوم". ويرى بعض الباحثين أن "هوصت" بمعنى "ملة". و"الملة"، في الإسلام،يراد بها نظام ديني واقتصادي واجتماعي،ارتبط أفراده بمجتمع واحد، برابط الأمور المذكورة. اما لفظة "جوم" "كوم"، فترادف لفظة "قوم" في عربيتنا. وقد يكون القوم عدداً صغيراً،وقد يكون كبيراً. ويرتبط القوم برباط متين يربط افراده، هو الإله الذي ينتمي القوم أليه. فورد "جوم غثتر" و "كوم ود"، اي "قوم عثتر" "وقوم ود"". فالقوم إذن جماعة وإخوان في دين، تؤمن بإله يجمع شمل المؤمنين به،ويربط بينهم برباط العقيدة والإيمان به، لا برباط النسب وصلة الرحم والدم. هذا، ويذكر علماء ا اللغة ان "الملة"، الشريعة والدين، كملّة الإسلام والنصرانية واليهودية، وهي في اللغة السنة والطريقة. وقد وردت في خمسة عشرموضعاً من القران الكريم. استعملت في ثمانية مواضع منها للتعبير عن دين إبراهيم: "ملة ابراهيم". وللمستشرقين اراء متضاربة في أصل الكلمة. والمواطنون هم أبناء "القبيلة"، التي هي نواة الحكومة وجرثومتها، والتي بقوتها تكونت تلك الحكومة، والقبائل المتحالفة معها، أو التي خضعت لحكمها فتبعتها، ولهذا تذكر القبيلة ويشار اليها، باعتبار ان الحكومة هي حكومتها في الأصل ثم يشار إلى القبائل الخاضعة لها للدلالة على انها في حكم تلك الحكومة. فقد ورد في الكتابات السبئية "سبا و اشعبهمو"، بمعنى سبأ و القبائل التابعة لها.وورد: "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في المرتفعات وفي التهائم"، وهو لقب ملوك سبأ بعد توسع رقعة سبأ واستيلاء السبئيين على غيرهم وضمهم أرضهم إلى ارض دولتهم. فدون اسم سبأ أولاً، باعتبار ان السبئيين هم العنصر الحاكم المكون الأول للدولة، ثم اشارالى من تبعهم و انضم اليهم سلما او حربا. وبين "الشعب" وإلهه رابطة مقدسة وصلة متينة لا انفصام لها. وفي استطاعتنا ان نقول ان مجتمعات العرب الجنوبيين كانت مجتمعات دينية ز فالشعب عبيد الاله ن والاله بالنسبة لاتباعه اب غفور رحيم ن شفيق قدير. "الجوم" "الكوم" أي القوم ابناؤه واولاده. فالسبئيون هم ولد "المقة"، أي اولاد المقه، اله سبأ، والمعينيون هم "ولد ود"، وقد خاطبوا الههم "وداً" بعبارة "ود ابم" أي "ود اب" و "ود الاب". وقال القتبانيون عن انفسهم "ولد عم" و "ولد عم"، أي ولد الاله "عم" واولاد الاله "عم". وفي هذه الجمل اجمل تعبير عن وجهة نظر المجتمع الى ربه. ان رب القبيلة، هو الرابط المقدس الذي يربط شملها ويجمع بين ابنائه، وبه يعتصم الناس، واليه يلاذ في الخير وفي الشر. وقد عبر عن هذه الرابطة بلفظة جميلة هي "حبلم" في بعض الكتابات. والحبل يربط ويجمع ويجعل من المتفرق وحدة. وهو مصطلح يذكرنا بالآية الكريمة: "واعتصموا بحبل الله "، وبالآية "أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس". فلفظة "ولد" اذن بمعنى قوم وابناء صنم أو موضع. فهي في معنى أبناء في اصطلاحنا الحديث، تستعمل قبل اسم الصنم أو الموضع أو القبيلة، لتدل على معنى المواطنة. ولا يشترط فيها أن تكون مواطنة نسب أي صلة رحم وقرابة دم، بل مواطنة دينيه ورابطة سياسية واجتماعية واقتصادية. والإله حامي شعبه والذابّ عنه، والمؤيد له في السلم وفي الحرب. لذلك نعت بى "شيمم" "ش ي م م" أي "شيم"، وتعني اللفظة معنى حام وحافظ ومدافع. وتجد الناس وهم ينعتون آلهتهم بهذا النعت في كتاباتهم طالبين منهم العون لشفائهم من أمراضهم ولحمايتهم من الأسوأ. وفي جملة "اهل عثتر" وامثالها التي ترد في مختلف كتابات المسند، تعبير عن هذه الرابطة المتينة الني تربط القوم بإلههم. تعبير عن صلة ملة عثتر بربهما. الجاعة المؤمنة بالإلهَ عثتر. وتعبير عن جماعات انتمت الى الهة اخرى، وقالت عن نفسها: "اهل". ويشبه هدا التعبير تعبير "اهل الله" الوارد في الإسلام ويراد بهم المؤمنون بالله المنقطعون له وحده العابدون القانتون الزاهدون. وهكذا نجد شعوب حكومات العربية الجنوبية، مؤلفة من وحدات سياسية دينية. لكل وحدة رابطة روحية تربط أفرادها، جعلت "المؤمنين إخوة"، في عقيدتهم وفي تمسكهم واعتقادهم بإلَه قبيلتهم الخاص، هو إلهَ القبيلة. ونحن إذ نقرأ لفظة "شعب" في الكتابات العربية الجنوبيهّ، يجب ان لا نفهم منها ما نفهمه من لفظة "قبيلة" في نظر الأعراب، وعند العرب الشماليين، اي رابطة دموية تجمع ابناء القبيلة، ترجع بهم إلى جدّ واحد أعلى. بل يجب علينا ان نفهمهما على وجه آخر. يجب ان نفهمهما بمفهوم "الملّة" أو "الأمة" في المصلح الإسلامي، وعلى النحو الذي فهمه المسلمون الأول من مصطلح "امة" و "ملّة"، اي رابطة تجمع بين شمل جماعات شعرت بوجود روابط دينية وفكرية واقتصادية واجتماعية بينها، وبوجود إخوة في العقيدة والرأي. على نحو ما نفهمه من آية الحجرات:" إنما المؤمنون إخوة". وذلك كما سبق أن تحدثت عن ذلك قبل قليل. وترد لفظة "عم" بمعنى شعب في الكتابات النبطية، وترد بهذا إلمعنى في لهجات عربية أخرى. وقد نعت ملوك النبط أنفسهم ب "رحم عمه" "راحم عمه"، أي "رحيم شعبه" أو "راحم شعبه"، بمعنى أنه محب لشعبه رحيم به. وأن ملوك النبط رحماء بشعبهم محبوّن له. والذي يجمع شمل الدولة ويقويها ويأخذ بها إلى الحكم ثلاثة أركان:إلَه أو آلهة، يدافع أو تدافع عن الحاكم وعن رعيته، وحاكم قد يكون "كاهناً" وقد يكون ملكاً، وقد يكون أمراً، وقد يكون سيد قبيلة، واجبه حكم رعيته وارشادهم وقيادتهم في السلم والحرب، ثم رعية طيعة طائعة تدين بالولاء للآلهة وللحكام، ليس لها الاعتراض على "حق الحكم"، لأنه حق إلهي متكرر، ولا اعتراض على قدر الآلهة ومقدراتها: ومن يخالف أوامر السلطان، كان كمن يخالف أمر ربه، عاصياً خارجاً عن سواء السبيل، فيجب تأديبه، ولو بالقتل، لأن جزأء من يخرج على أمر الالهة القتل. ومن سيماء الاخلاص للدولة ذكر أسماء الآلهة التي يتعبد لها إلحكام، اًيَ الالهة الشعب الحاكم، تيمناً بها، وتقرّباً اليها، وذكَر أسماء اّلحكام في إلكتابات في المناسبات تعبيراً عن ولاء صاحب الكتابة واخلاصه للحاكم. وذكر اسم القبيلة الحاكمة مع اسم القبيلة التي ينتمي اليها صاحب الكتابة، ليكون ذكرها تعبيراً عن الاعتراف بسيادتها عليه وعلى قبيلته. أصول الحكم المجتمع العربي الجاهلي: بدو و حضر اهل وبر وأهل مدر يتساوى في ذلك عرب العراق وعرب بلاد الشام وعرب جميع أنحاء جزيرة العرب. وفي كل مجتمع من هذين المجتمعين تكوّن نظام من أنظمة الحكم يتناسب مع المحيط، لأنه نبات ذلك المحيط، وحاصله، وما ينبت في مكان ينبت وقد اكتسب خصائص التربة وخصائص الجو، وما يحيط بالنبات من مؤثرات طبيعية أو بشرية. ومن هنا صارت "الرئاسة" قاعدة الحكم عند أهل الوبر، و "الملكية" و "رئاسة القرى والمدن"، أداة الحكم عند أهل المدر. ولا ينال الحكم في المجتمعات البدوية وفي المجتمعات الصغيرة التي لم تبلغ مرحلة متقدمة من الحضارة، والتي لم تنل حظاً من الغنى والمهارة في العمل وفي كثرة الانتاج وتنويعه، إلا من كان ذا قابلية عالية وذو شخصية قوية، وذو أسرة متجانسة متآلفة متماسكة كثيرة العدد، وذا عشيرة أو قبيلة تندفع في تأييده لمزاياه المذكورة أو لخوفها منه، أضف إلى ذلك العصبية والرغبة في كسب المال عن طريق الاندفاع معه في غزو القبائل الأخرى. فمجتمع من هذا النوع تكون قيادته بيد "سادته"، وقد يفرض أحدهم نفسه على الاخرين، طوعاً أو كرهاً فيكوّن حكومة تنسب في الغالب اليه، قد يطول أجلها إذا جاء من بعده حكام أكفاء لهم قابلية وشخصية، وقد تموت بموته، لعدم كفاءة من يخلفه، ولأنه كون دولته بشخصيته، وليس عن دوافع أخرى مثل ايمان بعقيدة واخلاص لها، أو وجود وعي مشترك وحس بوجوب التكاتف والتآزر، لتأليف مجتمع متكاتف يعيش فيه المواطنون عيشة مؤاخاة ومواطنيه بالعدل والانصاف، حتى يطول عمر تلك الحكومة، ولما كانت تلك الدولة قد كونت إما عن مصلحة أو عن خوف وقهر أو عن طمع، وقد زالت هذه بموت صاحبها، لذلك يصيبها التفكك وانهيار البناء. ومما يؤيد ذلك ردة من ارتد بعد وفاة الرسول عن الإسلام، فقد كانت حجتهم في ردتهم انهم انما بايعوا الرسول وآمنوا به، ولم يبايعوا غيره. وبوفاته انتهى حكم البيعة، فلن يخضعوا لغيره ولن يدفعوا صدقة ولا زكاة ولن يطيعوا أحداً. ولو لم يؤدبهم "أبو بكر"، بأدب القوة، لما عادوا ثانية إلى الإسلام. وللحكم الملكي صلة كبيرة بحياة الاستقرار والاستيطان، فهو لا ينمو ولا يظهر إلا في المجتمعات المستقرة وفي المواضع الغنية بالماء وفيَ القرىَ والمدن. فنرى ان حكام قرى فلسطين ومدنها كانوا قلى لقبوا أنفسهم بلقب "ملك" في ايام "ابراهيم" مع انهم لم يكونوا إلا رؤساء قرى أو مدن."ُ قد كان أكثرهم كهنة في الأصل، اي حكاماً حكموا رعيتهم باسم الآلهة، فكان لهم الحكم في الدين وفي تدبير اًمور الرعية من الناحية الدنيوية، ثَم عافوا هذا المركز وتركوا المعبد،وخصصوا أنفسهم بالنظر في الأمور الدنيوية. ولما تقدمت وسائل الحروب وتفنن الإنسان في صنع الأسلحة، وفي استذلال الحيوان وتسخيره لنقل محاربيه وأسلحتهم ومواد اعاشتهم، توسعت سلطة كبار الملوك، وتضخمت حدود ممالكهم، فظهرت الملكيات الكبيرة: ظهرت على أنقاض "ممالك القرى" و "ممالك المدن". حيث حكم التأريخ بتسلط الممالك القوية على الممالك الصغيرة،وبأكل القوي منها الضعيف، لأن الحق للاقوى والبقاء للقوي المكافح المناضل المكالب في هذه الحياة تكالب الكلاب فيما بينها لمجرد شعور كلب قوي بتفوقه على كلب آخر غريب أو كلاب غريبة عنه. ولعب "المال" دوراً خطيراً في ظهور "الملوك الكبار" وفي تكوين "الحكومات الملكية الكبيرة "، ونضيف اليه شخصية صاحب المال والطبيعة التي عاش بها، من برودة وحرارة وتبدل في الضغط الجوي، ومن تربة ومعدن ونبات وماء. فالمال وحده لا يكفي لخلق دول كبرى، وهو لا يدوم إذا لم يقرن بعقل فطن. خلاّق يعمل على الإيجاد والتكوين وتسخير الطبيعة في خدمته وخلق قوة تكون سندا له وسداً منيعاً يقف حائلاً منيعاً أمام المعتدين. والاستفادة من المال بتشغيله بحكمة وبعلم، وبإيِجاد موارد جديدة تحل محل الموارد القديمة إن نففت. وقد كان ظهور الحكومات ألملكية الكبيرة في الأرضين الغنية بخيراتها ذات الماء الغزير والجو المساعد على العمل. فوسعت رقعتها وطمعت في غيرها فابتلعتها وقوَّت نفسها بخيراتها وعبأًت كل قواها لخدمتها، وأخذت تكتسح غيرها وتتوسع وكونت الممالك الكبير المشهورة في التأريخ.وقد سمح بعض ملوك الحكومات الكبيرة لملوك الممالك الصغيرة بالاحتفاظ بحمل لقب "ملك"، على أن يكون ذلك مقروناً باعتراف أولئك الملوك بحماية الملوك الكبار لهم،وبوجوب عدم الخروج على طاعتهم وبلزوم الاشتراك معهم في الحروب إن طلب منهم الاشتراك فيها، وبدفع جزية مرضية لهم. فلم تتمكن الحكومات الصغيرة التي عاشت على التجارة والاتجار من العيش بمأمن وسلام، إذ طمعت فيها الدول القوية، فأرسلت اليها من يخيرها بين الاستسلام والطاعة أو الهلاك واحراق الدور وإنزال الدمار. وقد رأينا أمثلة عديدة على ذلك فيما سلف من هذا الكتاب. من ذلك تهديد حكومات العراق لحكومات مدن الخليج،وتهديد الرومان واليونان للنبط. وحملة "أوليوس غالوس" على اليمن، لضم أصدقاء أغنياء إلى انبراطورية الرومان، يؤدون لها الخراج ويقدمون لها ما عندهم من ذهب ابريز، وإلا فالنار والخراب والدمار والقتل. فلا مجال للحكومات الغنية الصغيرة من العيش بأمن وسلام. وليس عندها سوى الإختيار بين أمر من أمرين. فإما دفع جزية ثقيلة ترضي القوي، واما الاستسلام وإنزال النار بها والدمار. أما البوادي والأرضين القفرة الفقيرة القليلة الماء، فلا يمكن أن تنبت بها "ممالك" كبيرة،لعدم توفر مستلزمات المعيشة والتجمع الكبير فيها، لهذا صارت حكوماتها حكومات "رئاسات" رئاسة قبيلة أو أحلاف. وقد يحلو للرئيس أن نحتار له "ملك"، لقب لا يعني في الواقع العملي أكثر من سيد قبيلة. وحكومات باطن جزيرة العرب هي من هذا النوع في الأكثر. أما الملكيات فقامت في مواضع الحضارة، حيث التربهّ الصالحة الخصبة المساعدة على حياة التجمع والاستقرار. ووجود حضر َيقبلون بالطاعة والخضوع لحكم حاكم، ومال يجبى من الناس ليستعين به الحاكم على الانفاق على نفسه وعلى جيشه وعلى من ينصبهم لادارة الأمور. قامت تلك الملكيات في العراق وفي بلاَد الشام وفي أطراف جزيرة العرب وفي مواضع الماء من نجد كاليمامة. وقد تكلمت عنها في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب. أما الرئاسة، فهى درجات تبدأ برئاسة بيت، وتنتهي برئاسة قبيلة. ولكل رئيس سلطان على أتباعه وحقوق وواجبات. وعليه أيضا حقوق وواجبات يجب أن يوفي بها لأتباعه ومن هم في عنقه ويمينه. والرئيس هو "بعل" و "رب" و "سيد" جماعه والمسؤول الشرعي عن أتباعه، وهو ممثلهم ولسانهم الناطق باسمهم وحاميهم في الملمات. وقد عرف "هشام بن المغيرة" ب "رب قريش" ونسبت قريش اليه في الجاهلية، فقال الشاعر: أحاديث شاعت من معد وحمير وخبّرها الركبان حيّ هشـام وذلك تعظيماً له واحراماً لشأنه. ويعرف رئيس القبيلة ب "سيد القبيلة"، وسادات القبائل هم رؤساء القبائل. وقد ينعت رجل ب "سيد العرب" وب "سيد مضر" وب "سيد أهل الوبر"، وذلك لتعبير عن سلطانه وعن مكانته وعن حكمه لقبائل كثيرة عديدة. فقد نعت "الأفكل"، وهو "عمرو بن جعيد" ب "سيد ربيعة" لرئاسته على ربيعة. وعرف "حذيقة بن بدر" ب "سيد غطفان"، وكان يقال له: "رب معد". وعرف "قيس بن عاصم بن سنان المنقري" ب "سيد أهل الوبر"،- فلما وفد على رسول الله في وفد "تميم"، قالَ رسول الله: " هذا سيد أهل الوبر". وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية، لأنه سكر فعبث بذي محرم له. وعرف حاكم "تدمر" ب "رش تذمور"، أي "رأس تدمر" و"رئيس تدمر"، في الكتابات التدمرية القديمة. ثم عرف ب "ملك"، في الكتابات المتأخرهَ المدونة وصار اللقب الرسمي لحكام "تدمر" في ايام "الزباّء" فما بعد، إلى احتلاَل الرومان لتدمر وإلغائهم الحكم التدمري. ولقب "أذينة" ملك "تدمر" نفسه ب "ملك ملكا" أي "ملك الملوك" أيضاً، تشبهاً مملوك الفرس وبملوك حكموا قبلهم مثل الملوك الأشوريين، واتخذ لنفسه ألقاباً يونانية تقليدا للرومان. ولم نعثر في النصوص العربية الجنوبية على لقب "ملك الملوك". ويظهر ان الملوك العرب لم يتلقبوا بهذا اللقب الأعجمي. المكربون وترينا أقدم الكتابات العربية ان العربية الجنوبية حكمها قبل الملوك أناس حكموا حكماً مزدوجاً، أي حكماً دينياً ودنيويأَ، على نحو ما حدث في العراق وفي مصر وفي أماكن أخرى من الشرق، قبل أن ينتقل الحكم إلى الملوك، ويتحول. الى حكم زمني، ينصرف فيه.الملك إلى الأمور الزمنية لرعيته، تاركاً الشؤون الدينية لرجال الدين، حكموا الأرض باسم ألسماء،وحكموا حكم الساسة والحكام،.ونطقوا باسم الآلهة، فحكمهم حكم إلهي مقدس، على أتباعهم ومن يؤمن بهم إطاعتهم، لأنهم ألسنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض. ويعرف هذا الكاهن الملك ب "مكرب"، أي "مقرب". وقد حصانا من كتابات المسند على أسماء عدد من "المكربين"، غير ان تلك الكتابات خرساء، لم تبح لنا بشئ ما عن أصول حكمهم للمعابد ولإدارة الدولة ولا عن كيفية تلقيهم الأوامر الإلهية التي يطلبون من أتباعهم تنفيذها، هل كانت وهل وحياً من الآلهة، يحملها اليهم ملائكة مقربون، أو إلهاما يتجلى في نفوسهم فينطق به المكربون ويبلغونه للناس،أو صوتاً يخرج منَ رئِيّ أو صنم أو ما شاكل ذلك يسمعه "المكرب" فيفسره للناس على طريقة الكهان ? وليس في نصوص المسند تعليل ما للدوافع والاسباب التي حملت آخر "مكرب" في كل دولة من الدول العربية الجنوبية على تغيير لقبه القديم، الموروث عن ابائه، واتخاذ لقب جديد، لقب "ملك"، وهو لقب يشير إلى الحكم الدنيوي فقط، والى ابتعاد الملك عن الحكم الديني وتركه لغيره. غير اننا نستطيع أن نقول باحتمال تأثر هؤلاء "ألمكربين" بالمظاهر الخارجية اإني كانت عند الدول المعاصرة التي لقبت حكامها بلقب ملك، وهي دول كبيرة ذات جاه وسلطان فأراد أولئك الحكام، حكام حكومات اليمن، التشبه بهم، ومحاكاتهم في المظهر، فغيروا لقبهم، ليظهروا أنفسهم انهم مثلهم، وانهم ليسوا أقل شأناً من أقرانهم الملوك. ولا يظن أن التغيير الذي حدث فأدى إلى إبدال حكم "المكربين"بحكم الملوك كان تغيراً قسربا، أي نتيجة انقلاب عسكري أو ثورة، ذلك لأننا نعلم أن آخر مكرب من مكربي سبأ كان هو المكرب "كرب ال وتر" "كرب ايل وتر". وقد كان هذا المكرب أول من افتتح العهد الملكي في سبأ، وأول من حمل لقب "ملك وذلك يدل على أنه هو الذي اختار اللقب الجديد، واستبدله بالقب القديم. ولم يكن "المكرب" رجل دين بالمعنى المفهَوم من الجملة، أي عالماً بأمور الدين فقيهاً بها كرس وقته لها، ومتولياً إمامة الناس في صلواتهم وفي أداء الشعائر الدينية للارباب في معابدها، مقدماً القرابين بنفسه اليها، بل يرى بعض الباحثين أنه مجرد منصب له صبغته الدينية، وأنه يشبه منصب "الخليفة" في الإسلام "، حيث كان الخليقة يعد "أمير المؤمنين" ورئيس المسلمين. ولم يكن مع ذلك أعلم المسلمين بأمور الدين ولا أفقههم بالأحكام، وإنما هو "خليفةالله" في أرضه. وكذلك كان المكربون خلفاء الالهة على الأرض. وقد استتبع انتقال الحكم من "المكربين" إلى الملوك، حدوث تغيير في أصول الحكم. فانقطعت صلة الملك بالمعبد، ولم يعد الرئيس المباشر له ولرجال الدين، وإن بقي الملك حامي الدين والمعبد. لما للمعبد من ارتباط بالدولة ولما للاثنين من مصالح مشتركة مترابطة، إذا اختلت أصاب الأذى الجهتين. وانصرف رئيس المعبد إلى ادارة المعبد وأملاكه الكثيرة الواسعة، والى جباية الضرائب الدينية، أي حقوق الالهة على الناس. وهي حقوق واجبة مفروضة. وانصرف الملك إلى ادارة الدولة، وجباية حقوقه على شعبه. وادارة املاكه الخاصة وأملاك الدولة،.التي هي أملاك الملك أيضاَ. حيث لم يفرق الملوك بين جيبهم الخاص وبين جيب الدولة. لأن الدولة الملك، والملك الدولة. وبيت المال هو بيت مال واحد، للملك أن يتصرف به كيف شاء. الملك وأما "الملك"، فهو الرئيس الأكبر والإنسان الأعلى في مجتمعه. ولفظة "ملك" من الألفاظ العربية القديمة التي ترد في جميع اللهجات العربية، وهي أيضاً من الألفاظ التي ترد في أغلب اللغات السامية. وقد تلقب بها ملوك العربية الجنوبية، وتلقب بها ملوك الحيرة وملوك آل غسان وملوك كندة، بل طمع في هذا اللقب أمراء وسادات قبائل،اعجبهم فلقبوا أنفسهم به. ولا يعني هذا.ان حكم الملك كان دائما" "حكما شاملا واسعاً بالمعنى المفهوم من هذا اللقب،فقد كان سلطان الملك في بعض الأحيان لا يتجاوز سلطان سيد قبيلة، أو سلطان صاحب قرية أو أرض. وعلى ذلك نجد في العربية الجنوبية وفي أنحاء أخرى من جزيرة العرب عشرات من أمثال هؤلاء الملوك يحكمون قبائلهم أو أرضهم بهذه النعوت والصفات المغرية المحببة الى النفوس والقلوب، ذلك لأنهم أحبوا هذا اللقب، فلقبوا أنفسهم به، وصاروا ملوكاً، وهم في الواقع سادة قبائل أو أرض صغيرة. ونجد في كتب السير والتواريخ اسماء جملة "ملوك" عاشوا قبل الإسلام وعند ظهوره، لم يكونوا في الواقع سوى سادات "شيوخ" قبائل أو قرى، ولم يكن لهم على من حولهم نفوذ أو سلطان. ومعنى "ملك"، الرأي والمشورة والنصيحة. و "ملَك"، بمعنى قدّ م رأياً أو نصيحة أو مشورة، وذلك في بعض اللغات السامية. وتعني كلمة "شارو" "شرو"، "الملك" في الأشورية، وهي في معنى "الحكيم" في الأصل، أي في المعنى المقدم. وتعني كلمة "مليخ" "ملخ"، أي "ملك" في العبرانية،الحّكيم الذي يقدم رأيا وحكما ومشورة، فهي في معنىCounseller , Adviser الانكليزية إذ كان الملوك بمنزلة الحكماء القضاة فيَ شعوبهم، ثم تخصصت بالحاكم الذي يحكم شعبه على النحو المفهوم من اللفظة عندنا. وقد وردت لفظة "ملك" في نصوص المسند. وردت على هذه الصورة: "ملكن"، أي "الملك"، و "ملكم"، أي "ملكٌ". ووردت على هذه الصورة: "ملك" في النصوص الثمودية واللحيانية والصصوية. و"ملكو" في النصوص النبطية. أما في النصوص ألعربية الشمالية، فإن أقدم نص وردت فيه هذه اللفضة، هو نص "أم الجمال"،الذي يعود عهده إلى سنة "250" أو "275" بعد الميلاد. وهو شاهد قبر رجل اسمه "نهر بن سلى مربّ جذيمة ملك تنوخ" ونص " النمارة " الذى هو شاهد قبر الملك "امرء القيس"،وقد دون سنة"328" للميلاد. ولا نعرف في الزمن الحاضر مكانة درجة من يحمل لقب "اخ ملكا" أي "أخي الملك" الوارد في النصوص النبطية. فلسنا ندري أكانت تعني "وصاية" أو "وزارة" أو مقرباً من الملك، ام تعني ان حامله من الأسرة المالكة. ونطلق لفظة "تبع"، والجمع "التبابعة"، على ملوك حمير، بل تطلقها الموارد الإسلامية في بعض الأحيان على كل ملوك اليمن. فهي في معنى "ملك". ولا يطلقونها على غيرهم، أي على الملوك الآخرين من ملوك العرب. فهي إذن اصطلاح خاص بأولئك الملوك. كما اصطلحوا على تسمية كل من ملك الحبشة "النجاشي"، وكل من ملك الروم "قيصر"، وكل من ملك الفرس "كسرى". وقد ذكر علماء اللغة في تفسيرها: "وتبع كانوا رؤساء، سمّوا بذلك لاتباع بعضهم بعضاً في الرئاسة والسياسة. وقيل تبع ملك يتبعه قومه والجمع التبابعة". وورد في القرآن الكريم: "وقوم تبع" في جملة الأقوام التي كذبت فحق عليها وعيد. وذكر بعض أهل الأخبار "أن العرب لم تكن تسمي أحداَ تبعاً حتى يملك اليمن والشحر وحضرموت، وقيل: حتى يتبعه بنو جشمَْ بن عبد شمس". فإن لم يكن كذلك سمي ملكاً، وأول من لقب منهم بذلك "الحارث بن ذي شمر"وهو الرائش. ولم يز ل هذا اللقب ملازماً لملوكهم إلى أن زالت مملكتهم بملك الحبش اليمن. وذكر أن العرب كانت تسمي الملك "الحصير" ئ لك. لأنه محجوب عن الناس، أو لكونه حاصراً، أي مانعاً لمن أراد الوصول اليه. قال لبيد. وقماقم غلب الرقاب كأنهم جنّ على باب الحصير قيام والمراد به النعمان بن المنذر. وروي لدى طرف الحصير قيام. أي عند طرف بساط النعمانْ. وذكر بعض أهل الأخبار أن "حمير" تسمي الحاكم "الفتاح" بلغتها. والعادة ان الملكية وراثية، تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ويتولاها الابن الأكبر في الغالب. فإذا حكم هذا وتوفي، انتقلت إلى ابنه الأكبر، وهكذا. وبذلك يحرم إخوته الآخرون، إلا إذا نص الأب الملك على خلاف ذلك، كأن يذكر اسم الذي سيخلفه،أو يعين جملة أبناء أو أشخاص يحكمون من بعده على التوالي، فإذا توفي الابن الأكبر مثلا، انتقل الحكم إلى اخيه الذي يليه، وهكذا إلى نهاية الوصية. وقد يوصي المتوفى لأخيه من بعده، أو لإخوته، بدلاً من ابنه أو اولاده، فنظام الحكم اذن نظام وراثي في العادة، ينتقل طبيعة إلى الابن الأكبر للحاكم المتوفى، إلا إذا حدث خلاف ذلك، لوصية يوصيها المتوفى ولرأي يراه، أو لأحوال قاهرة كأن يكون الشخص المتوفى عقيماً لا عقب له، فقي مثل هذه الحالة ينتقل الحكم إلى أقرب الناس اليه، بحسب وراثة الدم، أو بحسب رأي الأسرة التي ينتمي اليها المتوفى.فيكون عندئذ لها وللمدنين والوجهاء الرأي والاختيار. والعادة ان الحكم يكون في الأسر الكبيرة الرفيعة، ينتقل إما من أب إلى ابن على حسب العمر، وإما إلى أخٍ أو غيره من افراد الأسرة. وقد ينشب خصام بين افراد هذه الأسرة في موضوع تولي العرش، ولا سيما في العهود القديمة، حيث لم يكن العرف قد استقر على ضرورة انتقال الحكم من الأب إلى ابنه الأكبر. فتنقسم الأسرة، وقد يطول انقسامها، عند تكافؤ المتخاصمين واستعانة كل فريق على الاخر بمؤيدين اقوياء، فيدعي حق الحكم له، ويلقب زعيمه بلقب "ملك". وتفتح هذه الخصومات الأبواب لزعماء الأسر الكبيرة الأخرى،لمنافسة الأسر الحاكمة على الحكم، فتدعيه ايضاً لنفسها وقد تنجح مدة وقد تنجح في انتزاعه من الأسر الحاكمة وابتزازه لنفسها. وقد يقارع تلك الأسر شخصِّ من سواد الناس من المغمورين، وينتزع الحكم من أصحابه، وذلك يفضل كفاية فيه، وقوة شخصية دفعته للتزعم وللطموح. وفي تأريخ الحكم في ألعربية الجنوبية أمثلة عديدة على ذلك. وقد يصر هذا الشخص مؤسس أسرة حاكمة جديدة، إذ ينتقل الحكم منه الى أبنائه أو اعضاء أسرته بعد وفاته، وقد يقتصر الحكم عليه، فإذا توزع وقتل أو مات، قتل حكمه بقتله، ومات اغتصابه له بموته. وقد أرتنا بعض كتابات المسند أن العرب الجنوبيين، لم يجدوا غضاضة في تلقب أب وابنه أو اب وأبنائه أو أخ وإخوته بلقب "ملك" في وقت واحد، فقد انتهت الينا كتابات عديدة، وفيها أب يحمل لقب ملك، ومعه أبناؤه يحملون هذا اللقب كذلك، كما انتهت الينا كتابات يحمل فيها أخ وإخوته لقب "ملك". وقد يدلّ ذلك على اشتراك المذكورين في الكتابة اشتراكاً فعلياً في الحكم، غير ان ذلك لا يعني الحتمية، فقد يجوز أن يكون "الملك" برد لقب يمنح لذلك الشخص أو لأولئك الأشخاص ليشير إلى صلة الشخص أو الأشخاص به، أو إلى منزلته ومنزلتهم بين الناس. وقد يكون ذلك.للتخفيف عن أعمال الملك بسبب من كثرة عمله أو من عدم تمشه من القيام بأعمال الملك كلها لضعف شخصيته وقابلياته، أو لمرض ألم به، أو لأن الملك أراد بذكرهم معه تدريبهم على أعمال الحكم، حتى يكونوا قد خبروا أمور الملك إذا انتقل الحكم اليهم، مع بقاء الملك الأصل في عرشه ومكانه، يمارس أعماله على نحو ما يريد. ولم يصل الينا نص ما من العربية الجنوبية يشير إلى وجود امم ملكة على عرش إحدى الحكومات التي تكونت هناك. اما خارج العربية الجنوبية، وخارج جزيرة العرب، فقد وردت في الكتابات الآشورية وفي كتابات غيرها أسماء ملكات عربيات، وكل ذلك دليل على ان العرب الشماليين لم يجدوا ما يمنعهم من تعيين ملكات عليهم، وان ملكات ولينَ حكومات. وقد كان ذلك قبل الإسلام بزمن طويل. أما في الأيام القريبة من الإسلام، فلم نعثر على اسم ملكه حكمت فيها، لا في الكتابات ولا في القصص الذي يرويه الاخباريون عن تلك الأيام. ولا نعرف في جزيرة العرب نظاماً انتخابياً عاماً ينتخب الشعب فيه ملكه على النحو الذي نفهمه في الزمن الحاضر، أو على النحو الذي كان معروفاً عند الرومان أو اليونان في زمن من الأزمان، انتخاباً لأمد محدود معين بسنين أو لأمد طويل يحد حياة الإنسان، فلم يرد نصٌ ما فيه لشيء من ذلك، ولم يرد في قصص الأخبارين ما يشير إلى وجود مثل هذا الانتخاب. ولا نعرف أيضاً ان المزاود وهي المجالس أو طبقة قادة الجيش أو سادة المدن والقبائل كان لها رأي في تعيين الملوك، أو إقرارهم على نحو ما كان يجري في الدولة البيزنطية. ولا نعرف كذلك اكَان لأحد حق اقالة الملوك وتنحيتهم عن عرشهم إذا تبين انه غير صالح لتولي الحكم لسبب من الأسباب، فإننا لم نتعرف حتى الآن على نصوص تتحدث عن مثل هذه الأمور. وأما قيام شخص من الأسرة المالكة أو من غيرها بمنافسة الملك أو بالثورة عليه وانتزاع الملك مكنه، فإن ذلك شيء آخر، يعود إلى أستعمال القوة والخروج عن الظاعة، وهما بالطبع من الأمور المخالفة في كل عهد وزمان. لقد تحدث "الهمداني" عن طريقة من طرق تعيين المللك عند "حمير"،فقال: "وبأسفل المعافر قصرُ ذي شمر، ويدخلون في قيالة حمير، وكانت أقوالها تكون في كل عصر ثمانين قيلاً من وجوه حمير وكهلان، فإذا حدث بالملك حدث، كانوا الذين يقيمون القائم من بعده ويعقدون له العهد. وكان قيام الملك من قدماء حمير عن إجماع رأي كهلان، وفي الحديث عن رأي اقوال حمير فقط، وكانوا إذا لم يرتضوا بخلف الملك، تراضوا لخيرّهم، وأدخلوا مكانه رجلاً ممن يلحق بدرجة الأقوال، فيتم الثمانين قيلاً، ولم يكن هذا في حمير إلا مرات يسيرة لأن الملك لم ييكن يعدو الرائش، إلا ان يُتوفى الملك واولاده صغار، أو يكل، فيفعل ذلك حتى يتدبر في سواه من ال الرإئش. وما ذكرته عن حكاية "الهَمْداني" عن كيفية تعيين الملوك في حمير، يؤيد كون الملكية في اليمن ملكية وراثية تنتقل في الأصل بالإرث من الأب الى الابن، إلا في الحالات الطارئة، مثل موت ملك فجأة وأولاده صغار، أو موته وهو عقيم لا خلف له، ولم يوص لأحد بالحكم من بعده، فيكون الرأي لسادات المملكة الذين جعل "الهمداني" عدة مجلسهم ثمانين قيلاً، فيختارون للملك من يرون أنه أكفأ الناس للملك، وينصبونه ملكاً. وقد رأينا انه نص في حديثه هذا على أن ما ذكره يتناول حالات خاصة، وقد وقع في مرات يسيرة، لأن الملك لم يكن يعدو الإرث المعهود عنهم الذي ينتقل في الأسرهّ المالكة. ولعلّ هذه الظروف الطارئة هي التي حملت الملك على تنصيب ابن له أو ابنين أو أخ له ملكاً معه يلقب بلقب الحكم في أثناء حياته، ويذكر ويذكرون بعده في الكتابات. وغايته من هذا النص هو أن الشخص المذكور اسمه بعد اسم الملك، هو الذي يرث الملك بعد وفاة الملك لسبب من الأسباب، فلا يقع حينئذ خلاف ما في تعيين الشخص الذي سيلي الملك. ولعل ذلك كان يحدث عند مرض الملك أو عند تقدمه في السنّ وشعوره بالعجز والكلال، أو لكونه محارباً فهو يخشى أن يقتل في المعارك، وما أشبه هذا، فكان يحتاط لذلك بالنص على اسم من يليه وتعيينه معه ليعينه في تحمل أعباء الحكم، حتى إذا حدث له حادث يكون قد تدرب على ادارة الملك. وذكر بعض اهل الأخبار انه لم يكن لملوك اليمن نظام، وانما كان الرئيس منهم يكون ملكاً على مخلافه لا يتجاوزه. وإن تجاوز بعضهم عن مخلافه بمسافة يسيرة من غير ان يرث ذلك الملك عن ابائه فلا يرثه أبناؤه عنه، وانما هو شأن شذاذ المتلصصة، يغيرون على النواحي باستغفالِ اهلها، فإذا قصدهم الطلب لم يكن لهم ثبات. وكذلك كان امر ملوك اليمن، يخرج احدهم من مخلافه بعض الأحيان، ويبدو في الغزو والإغارة، فيصيب ما يمرّ به، ثم يرجع عنه، عند خوف الطلب، زاحفاً إلى مكانه من غير ان يدين "له احد من غير مخلافه بالطاعة أو يؤدي اليه خراجاً. وقد اخذوا وصفهم هذا السلوك من الحالة السياسية التي كانت في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية، ايام تدهور الأوضاع بعد الميلاد، ولا سيما في أوائل القرن السادس للميلاد إلى دخول العربية الجنوبية في الإسلام. فقد استبد الحكام وأصحاب الاقطاع بالمخاليف، ولقبوا أنفسهم بألقاب الملك، وأخذ بعضهم يغير على بعض، ويغزو ارض جاره على طريقة الأعراب. والسيادة على القبيلة، هي كالملكية تنتقل إلى مستحقها بالوراثة في الغالب. فإذا توفي سيد قبيلة، انتقلت سيادتها إلى ابنه الأكبر. هذا عامر بن الطفيل، وهو ابن سيد قبيلة، وقد صار سيدها بعد وفاة والده، يفتخر بنفسه، ويذكر انه ورث السيادة من وراثة، اذ أتته من والده، هذا صحيح، وليس في ذلك. من شك، لكن قومه لم يسوّدوه ولم يعيّنوه مكان ابيه، لهذا السب، وانما سودوه لأنه كان يحمي حمى قبيلته ويذب عنها،ولأن فيه شروط السيادة وحقوقها، فهو سيد قومه، قبل ان تأتي السيادة اليه من والده: وإني وإن كنت ابن سيد عـامـر وفارسها المشهور في كل موكب فما سودتني ني عامر مـن وراثة أبى الله أن أسمـو بـأم ولا أب ولكنني أحمي حماهـا وأتـقـي أذاها وأرمي من رماها بمنكـب وهذا "بشامة بن الغدير"، خال "أبي سلمى" والد زهير، يقول في شعر له:- وجدت أبي فيهم وجَدّي كليهمـا يطاع ويؤتى أمره وهوُ محشتبي فلم أتعمّل لـمـسـيادة فـيهـم ولكن أتتني طائعاً غيرمتـعـب فهو رئيس ابن رئيس قبيلة،أتته السيادة من أبيه طائعة، لفضل فيه واستحقاق لها، دون ان يعمل وان يركض للحصول عليها. فالسيادة اذن عند العرب، تتبع نظام الارث في الغالب، إلا إذا حدث حادث يجعل أهل بيت السيادة، يعرضون عن الإبن الأكبر الى غيره، كأن يكون الآبن الأكبر معتوهاً أو سفيهاً أو ضعيفاً، واخوته أو أقرباؤه أقوى منه. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#138 |
|
عضو فضي
|
الأمراء
والأمير ذو الأمر، اي الآمر. وأولو الأمر: الرؤساء واهل العلم. وذكر ان الأمير الملك لنفاذ أمره، والجمع امراء، وهو يأمر إمارة. ولما كان الخليفة في الإسلام اميراً على المسلمين، نعت ب "أمر المؤمنين"، ولم ترد اللفظة في النصوص الجاهلية بمعنى "ملك". ويظهر انها كانت تعني عند اهل الحجاز الرئيس الآمر. وقد ورد في كتب التأريخ ان الأنصار لما اختلفوا مع المهاجرين بعد وفاة الرسول على "الإمارة" واجتمعوا في "سقيفة بني ساعدة" قالوا: " منا أمير ومنكم أمير ". وفي استعمال الأنصار لهذه اللفظة، دلالة على وجودها عند الجاهليين واستعمال اهل الحجاز لها بهذا المعنى في ايام الجاهلية. ويظهر من الموارد "البيزنطية" ومن روايات اهل الأخبار، أن الملوك الغساسنة والملوك من "ال نصر"، اي ملوك الحيرة، لم يكونوا ملوكاً بالمعنى العلمي الصحيح المفهوم من الكلمة، وإنما كانوا "عمّالاً"، إذا كاتبهم الروم أو الفرس، لقبوهم ب "عامل". إذ عينوهم عمالاً على الأعراب ولم يعينوهم "ملوكاً". فلقب "ملك" من الألقاب الخاصة بملوك الروم لم يمنحوه لغيرهم. وكذلك كان الشأن عند الفرس. نعم لقد ذكر المؤرخ "بروكوبيوس" Procopius ان القيصر "يسطنيانوس" Justinianus منح "الحارث بن جبلة" لقب "ملك" ولقب بعض الكتبة اليونان سادات غسان باللقب المذكور. غير ان هذا التلقيب لا يمكن ان يكون دليلاً على أن الدولة الييزنطية كانت تطلقه عليهم بصفة رسمية وانه كان لقبهم الرسمي المعترف به عند الدول الأجنبية. ومن هنا شك المستشرق "نولدكه" في صحة رواية "بروكوبيوس" بشأن منح الحارث لقب "ملك"، ذلك لأن لقب "ملك" كان خاصاً كما ذكرت بقياصرة البيزنطيين فلا يمنح لغيرهم، ولأن الوثائق الرسمية لم تطلق هذا اللقب عليهم. ثم إن نص اًبرهة الشهير الذي تحدثت عنه أثناء حديثي عن "ابرهة"، لم يلقب "المنذر" ولا "الحارث بن جبلة" بلقب "ملك"، بل لم يلقبهما بأي لقب، بما في ذلك لقب عامل. وهذا مما يدل على أن "آل نصر" و "آل غسان" وإن لقبوا أنفسهم بلقب "ملك" أو لقبهم العرب به، إلا ان ذلك التلقيب لم يكن بصفة دولية رسمية، وانما كان بصورة غير رسمية وعلى سبيل التجمل بهذا اللقب والتشبه بالملوك الأجانب، استعمله الناس من باب التزلف والتقرب إلى اولئك الحكام، أو انهم نظروا اليهم من وجهة نظرهم الخاصة، فدعوهم ملوكاً لأنهم كانوا رعيتهم وكانوا هم مالكي رقبتهم. ومن هنا اعترفوا بهم ملوكاً، أما الدول الأجنبية فقد اعتبرتهم مجرد عمال وسادات قبائل. والذي صح اطلاقه على أمراء الغساسنة، وثبت وجوده في الوثائق الرسمية، هو لقب "بطريق" Patricius، ولقب "عامل" أو رئيس قبيلة Phylarcos=Phylarkos=Phylarchus مقروناٌ بنعت من النعوت التابعة له، أو مجردا منه، كالذي جاء عن المنذر الذي حكم بعد الحارث بن جبلة "فلابيوس المنذر البطريق الفائق المديح، ورئيس القبيلة"، و "المنذر البطريق الفائق المديح،، وما ورد عن الحارث "الحارث البطريق ورئيس القبيلة". ولقب "اليطريق" من ألقاب الشرف الضخمة عند الروم، ولذلك لم يكن يمنح إلا لعدد قليل من الخاصة، ولصاحبه امتيازات ومنزلة في الدرلة حتى ان بعض الملوك كانوا يحبذون الحصول على هذا اللقب من القيصر، ويفضلونه على غيره من الألقاب. ويلاحظ أن بعض كتبة اليونان أطلقوا لقب "ملك" على الأمراء العرب، مثل "ماوية" فقد لقبوها ب "ملكة". ولم يستعملوا كلمة "فيلارك" "فيلارخ" "فيلاركس" "فيلاركوس" التي تعني "العامل" أو "سيد قبيلة". والظاهر انهم نهجوا في ذلك نهج الكتبة "السريان"، فقد لقبوا سادات القبائل العربية بلقب "ملك" على نحو ما نجلد في الشعر العربي. ويظهر ان عرب العراق كانوا قد لقببوا حكام "الحيرة" بلقب "ملك" و "ملوك"، وأن عرب بلاد الشام لقبوا حكامهم الغساسنة بلقب "ملك" كذلك، وذلك على سبيل التفخيم والتعظيم كما ذكرت، وباعتبار انهم حكامهم ومالكو أمرهم. كما لقب من خضع ل "ال آكل المرار " حكامهم من هذه العائلة بلقب "ملك". وكما لقب بعض سادات القبائل أنفسهم بلقب "ملك"، ولم يكونوا ملوكاً، بل كانوا سادات قبائل و "أمراء". ومما يؤيد أن حكام الحيرة وغسان، لم يكونوا "ملوكاً" في نظر الدول الأجنبية بل عمالاً، ما نجده من اطلاق أهل الأخبار عليهم لقب "عامل" ولقب "ملك" أيضاً. فكانوا إذا تحدثوا عن صلاتهم بالفرس، أو نقلوا من موارد فارسية قالوا لهم "عمالاً"، وقالوا عنهم جملاً مثل: " كان يلي ذلك من قبل ملوك الفرس من آل نصر... وقدر ولاية كل من ولي منهم. وأمثال ذلك من جمل تشعر أنهم كانوا عمالاً وولاة. أما إذا تحدثوا عنهم من ناحية حكمهم للحيرة وللعرب وعن صلاتهم بالشعراء وبمدد حكمهم لقبوهم ب "ملك" وقالوا: "وقد ملك...."، وسبب ذلك أنهم أخذوا أخبارهم من منبعين: منبع اجنبي يوناني وفارسي، وهو منبع وثائقه -مدوّنة ومورودة من الموارد الرسمية التي تنعتهم ب"عمال". ومنبع عربي يلقبهم ب "ملوك"، استند على العرف العربي أي على ما كان يخاطب به العرب أولئك الملوك، فوقع من ثم هذا الالتباس. السادات وسادة القوم أشرافهم ورؤسائهم، وذكر ان السيد الذي فاق غيره بالعقل والمال والدفع والنفع، المعطى ماله في حقوقه المعين بنفسه. وذكر ان السيد الحليم الذي لا يغلبه غضبه. والسيادة منزلة ودرجة، ولا تأتي أحداً إلا باعتراف قومه له بسيادته عليهم وبتنصيبهم له سيداً عليهم. إذا سوّدوا شخصاً، عصبوه. والتعصيب التسويد. ولهذا كانوا يسمّون السيد المطاع معصباً. وذكر ان العصابة العمامة. وكانت عمائم سادة العرب هي العمائم الحمر. وتعد الأسر الحاكمة التي ينشأ فيها عدد كبير من الملوك والحكام أسراً عريقة في الشرف. وينظر اليها نظرة تقدير واحترام، لأنهم ورثوا المجد عن آبائهم أباً بعد أب.وينطبق ذلك على سادات القبائل الذين يرثون سيادتهم على قبائلهم أباً عن جد، فإنهم يفتخرون بذلك على غيرهم، لأنهم ليسوا من أولئك الذين انتزعوا السيادة فصاروا سادة، على حين كان آباؤهم أو أجدادهم من الخاملين. ويعبر عن السادة والأشراف بتعابير التعظيم والتفخيم، ومنها لفظة "ابعل" "أبعل"، أي سيد ورئيس. وهي لفظة استعملت للالهة كذلك. استعملت بمعنى رب وإله. فورد "ود بعل..."، و "عثتر بعل..."، وهكذا. وقد استعملت في النصوص القديمة خاصة. ويقال للسادة "اسود" "اسواد" في العربية الجنوبية، وهم السادة الأشراف. وتقابل اللفظة لفظة سادات في عربيتنا. وهم سادة القوم وأشرافهم وأصحاب المنزلة والمكانة في المجتمع. ويعد أعضاء الأسر المالكة في طليعة السادات، وهم في السيادة على حسب قربهم أو بعدهم من الملك، ويقسمون على هذا الأساس عند حضورهم إلى الملك وفي المواسم الرسمية. ولهم أرضون يستغلونها، ورقق يخدمهم. وكانوا يقولون: "هذا سيدنا"، و "انظروا إلى سيدكم"، و "جاء سيدنا"، تعبيراً عن السيادة والرئاسة. وقد كره الرسول أن يقال له: "أنت سيد قريش"، و "أنت سيدنا"، كما كانوا يدعون رؤساءهم. علائم الملك وللملك علامات ومميزات تميزه عن غيره من الناس. منها "التاج" والعرش والرمح أو الحربة وعربة الملك والحرس الخاص ووجود محل خاص يخصص له في المعبد ونقد يضرب عليه اسمه وشعاره وصورته. و "قصر" له يحكم منه، أو قبة كبيرة يتخذها قراراً له ومجلساً حين يبتدي أو يخرج للصيد إلى غير ذلك من علامات، تكون سيماء للملك، وعلامة فارقة تميزه عن رعيته وعن سواد مملكته. وقد وصلت الينا بعض الاثار التي تشير الى شعار الملوك وعلائمهم ومنها النقود. فلدى العلماء وفي المتاحف العامة والخاصة اليوم، نقود ضربت في العربية الجنوبية، منها نقود معينية وقتبانية وحميرية. وقد ضرب عليها أسماء الملوك أصحابها. ومن ذلك نقد ظهر الملك "اب يثع" "ا ب ي ث ع" "ابيشع" فيه وهو جالس على كرسي، لعله يرمز إلى كرسي العرش. أما رأسه، فهو مكشوف بغير غطاء. مما يدل على أنه لم يستعمل "التاج". ولا نجد التاج على رؤوس يقية الملوك ممن ضربت صورهم على النقود. ولا على التماثيل التي عثر عليها لبعض ملوك أوسان. ولما كنّا لا نملك في الوقت الحاضر، صور ملوك جاهليين، ولا تماثيل كافية أو كتابات تشير إلى شعار الملوك وعلاماتهم ونوع ملابسهم وأمثال ذلك مما يميز الملوك عن الرعية، لذلك صار الحديث في هذا الموضوع من اختصاص الأجيال القادمة، فلعلها تعثر على آثار هي الآن في باطن الأرض، فيها حديث شيق عنه، فتقدمه لهم لنشره للناس. ومن علامات الملك "العمارة: رقعة مزينة تخاط في المظلة علامة للرياسة. و "العمار": ما يضعه الرئيس على رأسه عمارة لرياسته وحفظاً لها، ريحاناً كان أو عمامة. وكانوا إذا استقبلوا ملكاً أو رئيساً، استقبلوه بالريحان، يرفعونه له، وكانوا إذا جلسوا مجالس شربهم، زينوها بالريحان، فإذا دخل عليهم داخل، رفعوا شيئاً منة بأيديهم وحيوه به.كما كانوا يضعون أكاليل الريحان على رؤوسهم كما تفعل العجم. وإذا سار الملك بين الناس، استقبلوه برمي الريحان عليه، وبنثر الورود عليهم، تحية للملوك. وذكر ان من علائم الملك، أن يقال للملك أو السيد المطاعَ: "أبيت اللعن". وقد زعموا أن "حذيفة بن بدر" كان يحيىّ بتحية الملوك ويقال له: أبيت اللعن. وقد ترك ذلك في الإسلام. مظاهر التتويج وكان من عادة الملوك الاعلان عن تتويجهم للناس، والاحتفال بيوم التتويج والإفصاح عنه، وعندئذ يتلقب الملك بلقب يختاره لنفسه، يعرف به "هملقب". وكان من عادة ملوك حضرموت مثلاً الاحتفال بحمل اللقب في "محفد أنود" "محفد انودم". وقد انتهت الينا جملة كتابات تشير إلى هذا المحفد. وقد اختتمت بكلمة "هملقب" أي "ليتلقب"، واستعملت فيها بعض التعابير والكلمات التي لها صلة بهذه المناسبة، مثل "متلل"، ومعناها "بين" و "شهر" وأظهر، و "علن"، ومعناها أعلن، ليكون ذلك معروفاً بين الناس. وقد يدعى إلى هذه الاحتفالات رجال من حكومات أخرى، لمشاركة الملك وحكومته في الأفراح والمسرّات، فيأتي رجال من قتبان أو من حضرموت أو من حكومات أخرى أى سبأ مثلاً، لتهنئة ملكها وحكومتها، يحملون اليه الهدايا والألطاف التي تقدم في أمثال هذه المناسبات. ولا يستبعد استدعاء مندوبين من خارج العربية الجنوبية لحضور هذه المناسبات، غير أننا لم نظفر، ويا للأسف، بنص يفيد ورود رسل أجانب أو زيارات ملوك إلى اليمن وبقية العربية الجنوبية لهذه المناسبات، ان لمناسبات أخرى مثل الدعوة إلى زيارة العربية الجنوبية ومشاهدتها في الأعياد أو في سائر الأيام، إلا ما رأيناه في عهد "أبرهة" الحبشي. وقد حافظ ملوك العربية الجنوبية، على اختلاف حكوماتهم، على عادة اتخاذ الألقاب الملكية حين تولي العرش. فالرجل الذيُ يملك لا بد له من اتخاذ لقب له، يعرف به. وقد بقوا يحافظون على هذه العادة إلى ما بعد الميلاد. ثم أخذوا يتساهلون في حمل هذه الألقاب ولا سيما بعد تدخل الحبش في شؤون العربية الجنوبية ودخول اليهودية والنصرانية اليها. وقد كان فراعنة مصر يتخذون لهم لقباً ملكياَ عند توليهم العرش. وتجد هذه العادة، عادة اتخاذ ألقاب ملكية خاصة، عند ملوك آشور وعند غيرهم من الملوك، ليتميزوا بذلك عن أسماء الناس. ولهذه الألقاب صلة بالألهة التي كانوا يعبدون. ومعارفنا في "مراسيم التتوييج" مع ذلك ضئيلة جداً، ولا سيما ما يخص العرب الشماليين، فلا نعرف اليوم شيئاً يستحق الذكر عن كيفية التتويج وعن المراسيم والحفلات التي كانت. تقام عندهم في هذه المناسبات. ولم نعثر حتى اليوم على نص جاهلي يصف أسلوب التتويج وكيفية اجراء المراسيم الخاصة بالتتويج عند الجاهليين عامة. فلا ندري أكانت تلك المراسيم تتم في المعابد وبرئاسة رجال الدين كما كانت الحال عند الاشورين وعند غيرهم مثلاً، حيث يقوم رجل الدين الأكبر بإجراء الطقوس الدينية وبتلاوة الصلوات والأدعية، ثم يقوم بعد ذلك بوضع التاج على راْس الملك، وأمام تمثال الإلهَ: "آشور". أم كانت تلك المراسيم تتم في القصور الملكية، ام كانت تجري بسذاجة وبغير تكلف، بأن يأتي، سادات القوم لتهنئة الملك، ثم تقام المآدب. ويظهر من أخبار أهل الأخبار ان عادة اتخاذ الألقاب الملكية لم تكن معروفة عند ملوك الحيرة والغساسنة وملوك كندة وأمثالهم ممن وعت أسماءهم ذاكرتهم، بدليل ورود أسمائهم ساذجة لا تختلف عن تسميات الناس بشيء ليمس فيها نعوت ولا صلة بالآلهة على نحو ما نجده في العربية الجنوبية عند المعينيين والسبئين والقتبانيين، وغيرهم من حكومات ظهرت هناك. ولم تصل الينا أخبار في وصف كيفية احتفال ملوك الحيرة أو الغساسنة عند تتويجهم، أو عند وفاة ملوكلهم وكيفية دفنهم، ثم كيفية تنصيب خلفائهم من بعدهم. ولا بد بالطيع من أن تكون تلك الحكومات قد احتفلت في هذه المناسبات،وأن يكون ملوكها قد جلسوا لتقبل التهاني من الهنئين، وأن يكونوا قد أولموا الولائم لكبار الوافدين عليهم. وتجد في أخبار "مكة" أن سادتها مثل "عبد المطلب"، كانوا يقصدون ملوك اليمن عند انتقال العرش اليهم لتهنئتهم ولتقديم التبريكات لهم. ثم يمضون أياماً هناك حتى تنتهي ايام التهنئة، فيغدق الملك عليهم بالألطاف والطرف، لمناسبة عودتهم إلى ديارهم. وتكون هذه الألطاف من دواعي الفخر عندهم. ولا نعرف شيئاً عن رسوم "البيعة" عند الجاهليين. وأعني بالبيعة كيفية مبايعة الملوك عند انتقال الملك اليهم. ولكن المألوف بين العرب ان كبار الناس يبايعون الملوك، بوضع أيديهم اليمنى على يد الملك اليمنى، ثم يبايعونه على الاخلاص له والسمع والطاعة وما شاكل ذلك من جمل وعبارات. وقد يقسمون له بمين الطاعة والولاء. وقد ورد في بيعة الناس لرسول اللّه يوم فتح مكة،ما قد يشرح لنا اصول بيعة في الحجاز. فقد ذكر ان الناس اجتمعوا، فجلس لهم رسول اللّه على الصفا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله، أسفل من مجلسه يأخذ على الناس. فبايعوا رسول اللّه على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، وكذلك كانت بيعتهم لمن بايع رسول الله من الناس على الإسلام. فلما فرغ رسول الله من بيعة الرجال بايع النساء، واجتمع اليه نساء من نساء قريش، وكانوا قد وضعوا إناءً فيه ماء بين يدي رسول اللّه، فإذا أخذ عليهن العهد وأعطينه غمس يده في الإناء، ثم أخرجها، فغمس النساء أيديهن فيه.وكان بعد ذلك يأخذ عليهن، فإذا أعطينه ما شرط عليهن، قال: اذهبن فقد بايعتكن، لا يزيد على ذلك. وتكون هذه البيعة بغيرماء. وتكون المبايعة مبايعة السادات والأشراف للملك أو لسيد القبيلة. والمبايعة هي المعاقدة والمعاهدة على الطاعة. وبايعه عليه مبايعة عاهده. كأن كل واحد منهما باع ما عنده لصاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. ويبدأ أقرب الناس من الملك بمبايعته ثم الأبعد فالأبعد حسب الوجاهة والمكانة. ولا بد وأن يكون للشعراء والخطباء المكان الأول في "البيعة"، فالبيعة هي من المناسبات ألتي يبحث عنها لسن الناس، لإظهار انفسهم وللحصول على نوال وعطايا المبايعَن، ولا تحدث هذه المناسبات إلا في الفترات، لهذا كانوا يتلهفون لسماع أخبارها، لعرض ما عندهم من فنون القول، ولنيل ما عند الملوك من الكرم والبذل. وكان ملوك الجاهلية يأخذون الوضائع والودائع من السادات والوجوه، لتكون رهائن عندهم بالوفاء بعهود البيعة، لخشيهمم من خيسهم بعهدهم وتنصلهم منه. وقد فعل "الأكاسرة" مثل ذلك بسادات القبائل، فأخذوا "الوضائع" منهم، وجعلوها رهناً عندهم. وقد عرفت ب "وضائع كسرى". ووضائع كسرى: هم الرهائن كان يرتهنهم وينزلهم بعض بلاده، حتى يصيروا بها وضيعة. وهم الشحن والمسالح. وقد بعث رسول اللّه، إلى وضائع كسرى بهجر، فلم يسلموا، فوضع عليهم الجزية ديناراً على كل رجل منهم. وكانت "وضائع كسرى" من أبناء أشراف العجم، ومن خضع لحكمه من عجم وعرب. التيجان ويضع الملوك شيئاً فوق رؤوسهم، يتوجون به أنفسهم ليميزهم بذلك عن الرعية، يسمى "التاج" في عربيتنا. ولا نعرف في الزمن الحاضر اسم "التاج" في العربيات الجنوبية. لعدم وروده في نصوص المسند. اما أهل الحيرة والغساسنة وعرب نجد والعربية الشرقية، فقد عرفوه واستعملوه، فورد في نص النمارة من سنة "328 م." حيث ورد "ذو اسر التج" أي "الذي حاز التاج". وهذا النص هو أقدم نص تأريخي مدون وردت فيه هذه الكلمة. وقد وردت الكلمة في الشعر، إذ جاء "تاج آل محرق" وفي أخبار."النعمان" حيث عرف "بذي التاج". وذكر علماء اللغة أن التيجان للملوك. وقد رصع ملوك الحرة تيجانهم بالأحجار الكريمة على طريقة الفرس. وقد ورد في بيت شعر لمالك بن نويرة اليربوعي ان تاج النعمان بن المنذر كان من الزبرجد والياقوت والذهب. ونحن إذا جهلنا اليوم التاج أو أي شعار آخر يشير إلى الملك والحكم كان يصنعه ملوك العربية الجنوبية على رؤوسهم ليكون سمة لهم تميزهم عن الرعية وعمن هم دونهم، فان ذلك لا يعني اننا ننكر وجوداً لشعار الملك عندهم، بل إني أرى انه لا بد أن يكون لأولئك الملوك من تاج ومن شعارات أخرى، كانوا يتخذونها لتميزهم عن غيرهم ولتشعرهم بأنهم أصحاب السلطان. وإذا كان لملوك الرومان والروم والحبشة والفرس تيجان، فِلمَ لا يكون لملوك العربية الجنوبية تيجان، وقد كانوا يحاكون ملوك زمانهم في رسوم الملك وأسلوب الحكم ? وفي عربيتنا لفظة أخرى استعملت لتمييز شخص، عن بقبة أناس في المنزلة والدرجات، هي لفظة "الإكليل". فلمن يضع الإكليل على رأسه منزلة رفيعة، إلا انها لا تبلغ درجة "ملك" ولا تؤدي معنى "تاج". فالتاج لا يكون إلا للملوك. وأما "الإكليل" فلمن دونهم. وقد كان شيئا يضعه الشخص فوق مفرق رأسه، قد يعلق به خرز وأحجار وقد لا يعلق. وقد ورد في بعض الأخبار أن "هوذة بن علي الحَنفي"، صاحب اليمامة، كان يضع إكليلا على رأسه، واليه أشار الأعشى في شعره: له أكاليل بالياقوت، فصهّلـهـا صواغها لا ترى عيباَ ولا طبعا وقد عرف "الإكليل" انه شبهه عصابة مزينة بالجواهر،ويسمى التاج إكليلاً. وقيل: إن الإكليل يجعل كالحلقة، ويوضع على أعلى الرأس. وقد ورد في روايات أخرى ان كسرى أعطى "هوذة" قلنسوة فيها جوهر، فكان يلبسها، فسمّي ذا التاج. غير ان أكثر الروايات تعارض في حصول "هوذة" على التاج، وفي بلوغه منزلة ملك. وترى ان تلقيبه ب "ذي التاج" هو على سبيل المجاز، وان الذي كان يضع على رأسه هو إكليل،لا تاج من التيجان. وذكر بعض الأخباريين أن التيجان كانت لليمن، وذكر أن غيرهم كانوا يتوجون أنفسهم بخرزات تنظم لهم. ويقال إن الملك كان إذا ملك سنةً زِيد في تاجه وقلادته خرزة،ليعلم عدد السنن التي ملك فيها. وذلك كالذي ورد في بيت شعر من قصيدة قالها لبِيد في رثاء النعمان بن المنذر، وهو قوله:. رعى خرزاتِ الملك عشرين حجة=وعشرين،حتى فادَ والشيب شامل وقد ورد في شعر أعشى بكر في هوذة بن علي الحنفي الذي كان يجيز لطيمة كسرى في كل عام: من يَرَ هوذة يسجُدْ غيرمُـتـئِب إذا تعصّب فوق التاج أو وضعا له أكاليل بالياقوت فصـلـهـا صوّاغها لاترى عيبا ولا طبَعا ويتبين من ذلك ان هوذة كان من أصحاب التيجان. غير أن بعض العلماء ينكرون وجود التيجان عند غير أهل اليمن، ويقولون كما ورد عن أبي عبيدة عن أبي عمرو: " لم يتتوج معدّي قط، وإنما كانت التيجان لليمن. ولما سئل عن هوذة بن علي الحنفي، قال: إنما كانت خرزات تنظم له. وذكر ان عادة نظم الخرز في عقدْ يوضع على الرأس، ليكون شعارا للملك والحكم، عادة كانت معروفة في الحجَاز. وقد ورد ان "عبد الله بن أبي بن سلول" كان رجلاً شريفاً في يثرب لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين غيره،وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه ثم يملكوه عليهم. فما راعه إلا مجيء الإسلام إلى يثرب وقدوم الرسول اليها، فانصرف قومه عنه، فضغن على الإسلام، وراى ان الرسول قد استلبه ملكه. وورد فىِ الحديث أن الرسول: "شكا إلى سعد بن عبادة، عبد الله بن أُبَي، فقال اعف عنه، يا رسول الله، فقد كان اصطلح أهل البحيرة، على أن يعصبوه العصابة. فلما ا جاء اللّه بالإسلام، شرِق لذلك". ويعصبونه: معناه يسودونه ويملكونه، وكانوا يسمّون السيد المطاع معصباً، لأنه يعصب بالتاج. وفي ذلك قال عمرو بن كلثوم: وسيّد معشرٍ قد عصـبـوه بتاج الملكِ،يحمي المحجَرينا فجعل الملك معصباَ أيضاً، لأن التاج أحاط لي رأسه كالعصابة التي عصبت برأس لابسها. ويقال: اعصب التاج على رأسه، إذا استكفّ به، ومنه قول قيس الرقيات: يعتصب التاجُ فوق مفرقه على جبينٍ كأنه الذهـب ولا تؤدي لفظة "سموط" معنى "تاج"،بل ولا تبلغ في المنزلة منزلة "إكلبل". و "اسمط": الخيط ما دام الخرز أو اللؤلؤ منتظماَ فيه. وقد استعملت كلمة سموط في مقام التاج، للتعبير عن تاج ملوك الحيرة، غير انني أرى ان ذلك على سبيل التجوز، لا التخصيص. وقد ذكر علماء اللغة ان السمط يشدّ في العنق والجمع سموط. ومن مظاهر الملك "السرير"، ويقال له "العرش" كذلك. ويعبر بالسرير عن الملك والنعمةْ. ويذكر أهل الأخبار ان أول من جلس على السرير من ملوك العرب "جذيمة الأبرش"، وهو أول من وقعت له السمعة من ملوك العرب، وأول من لبس الطوق. وقد أشير في القرآن إلى عرش ملكة سبأ، ويكنى به عن العزّ والسلطان والمملكة. ولذلك يقال: "عرش فلان" و "عرش الممكة" و "ثل عرشه"، و "أصحاب العروش" أي الملوك. وذكر أهل الأخبار أن "السرير": الوِ ثاب. وقيل: السرير الذي لا يبرح الملك عليه، واسم الملك "موُثبان". والموثبان بلغة حمير: الملك الذي يقعد، ويلزم السرير. والوِ ثاب المقاعد. قال أمية بن أبي الصلت: بإذن اللّهِ، فإشتدت قـواهـم على ملْكين، وهي لهم وثاب وقد كان الملوك يلبسون قلائد عرفت ب "قلائد الملك". تكون من الذهب والأحجار الكريمة. وربما كان "السمط" قلادة تنظم من اللؤلؤ والأحجار الكريمة، يتقلدها الملك للزينة ولتكون شعاراَ للملك. وذكر علماء اللغة أن كل ما يضعه الملوك والرؤساء على رؤوسهم من تاج أو عمامة أو قلنسوة أو غيره، فهو "عمارة". و "العمارة"، رقعة مزينة نخاط في المظلة علامة الرياسة، وهي "التحية" أيضاً. ومن عادة الملوك استخدامهم الحراس يمشون معهم إذا ركبوا، دلالة على الملك، ولحراستهم. يمشون معهم، وقد تقلدوا سلاحهم ولبسوا ألبسة خاصة تشعر انهم من حرس السلطان. ويذكر أهل الأخبار ان أول من مشت الرجال معه، وهو راكب، "الأشعث بن قيس الكندي". كانت "بنو عمرو بن معاوية" ملّكوه عليهم وتوّجوه. وكَان من عادة الاشراف والسادات حتى في الإسلام، أن تسير مع ركابهم حاشية يتناسب عدد افرادها مع منزلة الشريف ومكانته وغناه. فكان "كريب بن أبرهة" سيد حمير في زمانه، إذا سار بالشأم خرج وتحت ركابه خمسمائة نفر من حمير يسعونْ. القصور وقد عرفت البيوت التي كان يقطن فيها المكربون وملوك العربية الجنوِبية يالقصور، مثل "قصر غندن" أي "قصر غمدان" و "قصر سلحن"، أي "قصر سلحين". ولفظة "قصر" من الألفاظ الواردة في العربيات الجنوبية. وقد أشار علماء اللغة والأخبار إلى "قصور اليمن"، وذلك يدل على اختصاص اليمن بها. وذكر علماء اللغة أن القصر: المنزل، وقيل: كل بيت من حجر. وترد في لغة بني إرم على هذه الصورة: "قصرو". ويقطن القصور حرم الملوك، أي أزواجه. وقد يكون للملك زوج واحدة، وقد تكون له جملة أزواج، إذ كانت العادة أن يتزوج الملوك بجملة نساء، ليتمتع بهن، وقد يتزوج لعوامل سياسية، فيأخذ الملك ابنة سيد قبيلة كبير، أو ابنة رجل من أصحاب الجاه والسلطان ليقوي مركزه وليحصل على مؤازرة أصحاب البنت له. وربما لا يكتفي الملك أو سيد القبيلة بالزوجة أو الزوجات، فيضيف اليها أو اليهن عدداً من "الجواري" والسراري، ممن وقعن في الأسر وعرفن بالجمال وحسن الذوق، ممن يشتريه من سوق النخاسة، وإذا ولد لهن مولود عدّ المولود من أبناء الملك أو سيد القبيلة إن قرر الملك أو سيد القبيلة ذلك، ويعامل معاملة أبناء الأسرة المالكة، غير أن الناس لم يكونوا ينكرون عليه نظرتهم إلى ابن ملك ولد من أم من بنات الأسر المالكة أو من أسرة شريفة معروفة. ولملوك الحيرة قصور ذكر أهل الأخبار أسماء بعض منها. مثل: الخورنق والسدير، كما كان لملوك الغساسنة قصور في مواضع مختلفة من مملكتهم وقصور في دمشق، يمضون في اياماً عند زيارتهم لها، وعند وجود مراجعات لهم مع حكَامها من الروم. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء بعض القصور التي بناها الغساسنة في مواضع متفرقة من الأرضين التي خضعت لحكمهم، تحدثت عنها في أثناء كلامي على الغساسنة في الجزء الثالث من هذا الكتاب: كما تحدثت عن قصور ملوك الحرة في الجزء نفسه. وكان للملك "النعمان" قصر بالحيرة عرف ب" القصر الأبيض"، لبياضه، يظهر ان جدرانه كانت مجصصة، فظهرت بيضاء. ويذكر أهل الأخبار ان النعمان، كان عنده دواوين شعر فيها ما مدح به، أو ما مدح به آله. ثم أمر فدفنها في قصره هذا، فلما كان "المختار" قيل، له: إن تحت القصر كنزاً فأمر به فحفر، فاستخرج الكنز ثم صار إلى آل مروان أو ما صار منه. وكان هذا القصر دار ملكه ومقره في الحيرة، إذ لم يذكروا له قصراً آخر له فيها. وكان للاكاسرة القصر الأبيض بالمدائن، ذكر انه كان من العجائب،ولم يزل قائماً الى إن نقضه "المكنفي بالله" العباسى في حدود سنة 290 ه.وبنى بشرفاته أساس التاج الذي بدار الخلافة وبأساسه شرفاته. وقد ذكره البحتري. وذكر "الزبيدي"، اسم قصر دعاه "لحيان"، زعم أنه "قصر النعمان بن المنذر بن ساوى" بالحيرة. فهل، قصد بذلك شخصاً آخر من أهك الحيرة أم إنه وهم من أوهام عديدة نجدهم في "تاج العروس" في أمور تأريخية، قد يكون المسؤول عنها نسّاخ الكتاب في بعض الأحيان. ونسب بعض، أهل الأخبار إلى "النعمان بن المنذر"، داراً، قالوا لها: "الزوراء".، ذكروا أن "أبا جعفر المنصور" هدمها. الحكم وأخذ الرأي ولم يكن الملوك في العربية الجنوبية أو العربية الغربية ملوكاً مطلقين لهم سلطان مطلق وحق إلهي في الدولة على نحو ما يريدون، ولكن كانوا ملوكاً مطلقين لهم سلطان مطلق وحق الهي في ادارة الدولة على نحو ما يريدون ولكن كانوا ملوكا يستشيرون الاقيال والأذواء وسادات القبائل والناس وكبار رجال الدين فيما يريدون عمله، واتخاذ قرار بشأنه. وهو نظام تقدمي فيه شيء من الرأي والمشورة وحكم الشعب."الديمقراطية" بالقياس الى الملوك المطلقين الذين حكموا آشور وبابل ومصر وايرانْ. أما الطبقات الضعيفة وبقية السواد من السوقة والفلاحين وما شاكلهم، فليس لهم رأي في تسيير الامور، ولا يستشارون في البت في أي شيء حتى في المسائل الصميمة المتعلقة بمصيرهم، ولم يكن عالم ذلك اليوم يحفل بسواد الناس،أي بالغالبية، لأن الرأي لأصحاب الوجاهة والسيادة والسلطان إذ ذاك، وفي كل مكان من أمكنة العالم. وترينا الكتابات المعينة ان ملوك معين كانوا مقيدين في حالات معينة باخذ رأي "المزود" عند اتخاذ قرار خطير، ولذلك يذكر "المزود" عند صدور التشريعات والقرارات الخطيرة في نص القوانين والقرارات، للتعبير عن موافقته عليها وعلى انها صدرتْ بعد وقوفه عليها وأخذ الملك رأيه فيها. ويؤخذ رأي المعبد أيضاً، فقد ذكر في قرار بشأن الضرائب، وِذلك يدل على ان المعبد كان يستشار في المسائل الخطيرة أيضاً. وقد تبين من بعض الكتابات ان ملوك العربية الجنوبية، قد أخذوا برأي الجمعيات وأصحاب الحرف والعمل، حتى لا يبرموا أمراً يظهر بعد تنفيذه انه غير واقعي ولا عملي، وانه سيلقى معارضة من بعض الفئات والطبقات. كما أخذوا برأي المستشارين وأصحاب الرأي من جماعة ال "فقضت" وال"بل"و "طبن" "الطبن"، وهم الملاكون، عند وضع القوانين. وقد تبين من النص: Rep. Epigr. 2771 ان ملك معين استشار "المزود" في فرض ضريبة. وتبين من النص: Rep. Epigr. 2774 انه استشاره في فرض ضرائب خصصت بالمعبد. ولكننا نجد في نصوص أخرى، مثل النصر: Rep. Epigr. 3699أن الملك لم يستشر "المزود" حين أصدر أمره في موضوع زواج المعينيين بأهل "ددن" "ددان" "ديدان". ولعله فعل ذلك لأن موضوع الزواج موضوع اداري ولا علاقة له بالسياسة العامة أو بفرض الضرائب أو بالمسائل الداخلية الخطيرة،وهي الأمور التي يأخذ فيها الملك رأيَ المجلس. كما نجد الملك يصدر قانونا باسم "معن" "معين" أي شعب "معين" دون أن يذكَر اسم "المزود". وقد تبين من بعض الكتابات أن ملوك معين أصدروا تشريعات في أمور لم يأخذوا فيها رأي المزود، لعدم ورود إشارة فيها اليه. فلدينا قرار في تنظيم أمور الزواج بين المعينيين وأهل "ددن" "ت يدان" ة لم يرد فيه ذكر للمزود. ولدينا قرار اخر لم يذكر فيه اسم المزود أيضا، غير أنه يشير إلى أنه صدر باسم شعب معين، مما قد يبعث على الظن بأن الملوك لم يكونوا ملزمين دائما بالرجو إلى رأي إلمزود ووجوب أخذ موافقته في كل قضية، بل في القضايا العامة الخطيره التي تخص مصير الشعب. ويتبين من الكتابات السبئية أن ملوك سبأ ولا سيما قدماؤهم كانوا يتبعون سنُّة "معين" في الرجوع إلى رأي المزود في القضايا الخطيرة للدولة واصدار القوانين. فكَان الملك إذا أراد اصدار تشريع، أحاله على المزود ليبدي رأيه فيه وفي طليعة هذه المسائل القوانين الخاصة بالأرضين وبالزرع وبحصص الحكومة من الضرائب لما لها من صلة بمصالح رجال المزود. ومتى وافق المزود على القانون أحيل على الملك لتصديقه ولاعلانه. وهنالك شبه كبير في موضوع التشريع بين القوانين القتبانية والقوانين السبئية العامة، الصادرة في سبأ، ولا سيما في ايام حكم قدماء الملوك، حتى ذهب بعض الباحثين الى وجود ما يشبه حد الاتفاق بين قوانين إلمملكَتين، إلا في القوانين الخاصة التي تتعلق بالتشريعات المحلية للمخاليف والمدن، فانها شرعت على وفق الأحوال الملائمة لتلك الأمكنة. وقد يشار في التشريعات الى قصور الملوك، مثل "قصر سلحن" "قصر سلحين"،كما أشير اليها في كتابات مختلفة، تتعلق بأخبار الحروب والجباية، وذلك كناية عن مقرِ الحكم، على نحو ما يستعمل في الزمن الحاضر من قولهم: "صدر من قصرنا العامر" أو "صدر من قصر....". وذلك رمز إلى مقر الحكم وكناية عن الملك الذي يقيم في ذلك القصر. ومن تلك القصور: "قصرغمدن" أي "قصر غمدان" و "قصر وعلن "قصر وعلان" و "قصر ريدن" أي "قصر ريدان". ومن هذه القصور تصدر الأوامر بالموافقة على القوانين والمراسيم، وفيها يوقع على ما يراد نشره ليكتسب صيغة رسمية مقررة. ??في اخلاق الحكام ليس لدينا وثائق جاهلية فيَ أخلاق الحكام والصفات التي يجب أن يتصف بها الحاكم، ليتمكن بها من حكم الناس ومن الحكم بينهم. وكل ما لدينا، نتف ومقتبسات في أصول الحكم تنسب إلى الجاهليين، مدونة في المؤلفات الإسلامية، يظهر ان بعضها أخذ من حكم الفرس ومن آداب اليونان في السياسة، فنسب الى الجاهليين، وبعضه اسلامي خالص وضع ليكون وعظاً وإرشاداً وإشارة هادية إلى الخلفاء والحكام في كيفية حكم الرعية وفي تنبيههم الى واجباتهم وابعادهم عن الظلم والاتعاظ بمصير الحكام الطغاة الماضين حتى لا يكون مصيرهم مصير أولئك الملوك. وفي كتاب "تأريخ ملوك العرب الأولية من بني هود وغيرهم"،لأبي سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي، وصايا وعظات في أصول الملك والحكم، نسبها إلى ملوك العرب الماضين قبل الإسلام، دوّنها للخليفة "المأمون" لتكون له هادياً ومرشداً في كيفية الحكم. وقد استهله بوصية نسبها الى "قحطان بن هود" أوصى بها بنيه أن يتعظوا بما نزل بقوم عاد حين عتوا على ربهم، وعصوا أمر نبيهم، فحثهم على التآلف والتعاضد و التناصر وعلى الطاعة للحكام، ثم حث ابنه "يعرب" كبير أولاده على العمل بسيرته ومنهجه، وان يصل ذوي القربى، وان يحفظ لسانه ويصونه، وان يكون كاظماً للغيظ، يقظاً من الأعداء، حليماً، لأن الذين سادوا لم يسودوا إلا بالعلم،وان يكون كريماً، لأن البخل يبعد الأتباع من الحاكم. وذكر "الأصمعي" ان يعرب أوصى أبناءه بخصال وبما وصاه به أبوه. أوصى بأن يتعلم العلم ويعمل به، وان يترك الحسد وان يتجنب الشر وأهله، وان ينصف الناس، وان يبتعد عن الكبرياء، لأن الكبرياء تبعد قلوب الرجال عن المتكبر، وأوصى بالتواضع، فإنه يقرب المتواضع من الناس ويحببه اليهم، وان يصفح عن المسيء، وان يحسن إلى الجار، ولأن يسوء حال أحدهم، خير له من أن يسوء حال جاره، وان يوصي بالمولى، لأن المولى منكم واليكم، وان يخلص بالاستشارة والنصيحة، وان يتمسك الإنسان باصطناع الرجال. ونجد في الوصايا التي ذكرها "الأصمعي" وصايا بوجوب التعاضد والتآزر،والابتعاد عن الفرقة، والطاعة من غير خوف، والعدل في الرعية، والتجاوز عن المسيء،والكف عن أذى العشيرة، والأخذ بالرأي لأنه لا بد للملك من يعينه في الرأي والأمر والنهي، ولا بد له من مشير يحمل عنه بعض ما يثقله من ذلك. والملك صانع، فإن قام الصانع حق قيامه على صنعته، استجاد الناس له، فكسب المال والجاه ؛ وان استهان بها، ذهبت الصنعة من يده، وكسب الندم والحرمان. واستمر "الأصمعي" يذكر الوصايا التي ذكر أن ملوك العرب الماضين وضعوها في كيفية الحكم حذر الزلل، ولتجنب الوقوع في الخطأ، وهي نثر وشعر، قد تكون من وضعه وصنعته، صنعها للخليفة ليتعظ بها في الحكم على نسق ما كان يفعله ادباء الفرس والهند في وضع الوصايا والمواعظ والقصص على ألسنة الملوك الماضين والحكماء ليتعظ بها الحكّام في أثناء حكمهم للناس. ونجد أمثلة كثيرة من هذا النوع دبجت في كتب السياسة والأدب، على ألسنة أرسطو أو الاسكندر أو أكاسرة الفرس. ونجد في شعر ينسب إلى "لقيط الإيادي"،أن الحاكم الذي يقلد الأمر يجب أن يكون رحب الذراع، مضطلعاً بأمر الحرب،لا مترفاً ولا إذا عض به مكروه خشع وخضع، يحلب دَرَّ الدَّهر،يكون مُتبَّعاٌ طوراً ومُتَّبعاً، مستحصد الرأي لا قحماً ولا ضرعاً. وكان الملوك على استبدادهم أحياناً بآرائهم يستشيرون من يرون فيه الأصالة في الرأي،ولا سيما المتقدمون في السن، فقد "كانت العرب تحمد آراء الشيوخ لتقدمها في السن، ولأنها لا تتُبع حسناتها بالأذى والمنّ، ولما مرّ عليها من التجارب التي عرفت بها عواقب الأمور، حتى كأنها تنظرها عياناً، وطرأ عليها من الحوادث التي أوضحت لها طريق الصواب وبينته تبياناً،ولما منحته من أصالة رأيها، واستفادته بجميل سعيها". ويظهر أن الملوك الغساسنة والمناذرة كانوا قد تطبعوا بطباع الروم والفرس، وأخذوا عنهم أبهة الحكم، فحجبوا أنفسهم عن رعيتهم، مخالفين بذلك العرف العربي، وحصروا أنفسهم في قصورهم وفي قبابهم،حتى أن من كان يريد الوصول اليهم من ذوي الحاجات كان عليه أن يقف أياماً أمام باب الملك، حتى يأتيه الأذن بالدخول عليه، وهذا ما ازعج الوافدين عليهم. كثيراَ، وسبب الى تجاسر الشعراء وذوي الألسنة الحادة عليهم. وكان على أكثر الوافدين التقرب إلى "الحاجب" والتذلل اليه ورشوته ليعجّل لهم بالدخول على الملوك، ومنهم من كان يتعهد له بأن يجعل له نصيباً فيما قد يناله من جوائز الملك وهداياه،فيسرع الحاجب عندئذ إلى الملك، لطلب أخذ الأذن منه بدخول ذلك الوافد عليه. وتوصف أخلاق الملوك بالتلون والتغير، لأن الملوك لهم بَدَوات. حتى تضرب بتلون أخلاقها المثل. فقيل: ويومٍ كأخلاق الملوك ملوّن فشمسُ ودجنٌ ثم طلٌّ ووابلُ ولهذا حذر أصحاب المكانة والجاه من الوصول اليهم في أيام غضبهم وبؤسهم، خشية صدور شيء منهم قد يزعجهم فيغضبوا عليهم،أو يتفوهوا بعبارات قد تخدش من كرامتهم، وتسبب لهم الألم والأذى. وقد ورد في الحكم: اتقوا غضب الملوك ومدّ البحر. وقد ضرب المثل، بيومي البؤس والنعيم. وقد وردت في الكتابات الجاهلية مصطلحات تعبّر عن تقدير الناس لملوكهم،مثل مصطلح "أمرهم"، أي "آمرهم" و "أميرهم" أو سيدهم، ونجد الكتابات العربية الجنوبية تطلق لفظة "مراهمو" و "مراسهمو" بمعنى "آمرهم" او"أميرهم" و "سيّدهم" على من هو فوقهم، كالملوك أو الأقيال أو السادات، احتراماً لهم واعترافاً بسيادتهم عليهم. أما في كتابات "تدمر"، فقد وردت لفظة "مرن"، أي "سيدنا". وقد أطلقت على الملوك، كما استعملت للأشخاص الكبار من أصحاب السلطان. وتقابل هذه اللفظة كلمة Exarkos في اليونانية، وفي الشعر ذمّ الحكام وشعر في هجاء السادة، لظلمهم وتنمرهم في حق رعيتهم، حتى ذهب الظن بهم أن كَل مطاعٍ يظلم، وان المسوّد ظالم غشوم. الراعي والرعية الراعي هو الوالي، أي الذي يلي أمور قوم ويرعى شؤونهم، فهو بمنزلة الراعي للماشية المرعية. أما القوم فهم الرعية، أي العامة. والملك هو راعي مملكته، وراعي رعيته، وهم من هم دونه، يتبعونه ويخضعون لرأيه وحكمه. ويعبر عن الرعية بالسُّوقة كذلك. سمّوا سوقة لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم، والسوقة من الناس، منَْ لم يكن ذا سلطان. والسوقة خلاف الملك. قال نهشل بن حَرّيّ: ولم تَرَعيني سه سوقةً مثل مالك ولا ملكاً تجبى اليه مـرازبـه وفي البيت المنسوب إلى "بنت النعمان بن المنذر"، وهو: فبينا نسوس الناسَ والأمر أمرُنا إذا نحن فيهم سُوقة نتنصّـف تعبير عن فكرة التعالي والترفع التي كانت عند أهل الحكم والملك بالنسبة إلى المحكومين. وفي حديث المرأة الجوَْنية التي أراد النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يدخل بها، فقال لها: هبي لي نفسك، فقالت: هلَ تهبُ الملكة نفسها للسوقة ? ما ينم عن هذه الروح. ويعبر عن السواد الأعظم ب "سواد الناس" وب "سواد القوم " أي عوامهم وكل عدد كثير. وهو مصطلح يقرب معناه من معنى "السوقة". والسواد الأعظم من الناس، هم الجمهور الأعظم والعدد الكثير وهم "الغوغاء" الذين لا يفقهون شيئاً من أمور دنياهم وانما هم تبع وغنم يتبعون أي راع. وقد برزت أهميتهم في صدر الإسلام، إذ عرفت الفائدة منهم فيما لو وجهوا توجيهاً حسناً. قال الخليفة "عمر": " استوصوا بالغوغاء خيراٌ، فإنهم يطفئون الحريق، ويسدّون البثوق ". وقد عرف الجاهليون قيمة وأهمية السواد، لأنه الكثرة والرماح التي يعتمد عليها ذوو السؤدد في سؤددهم، والجماعة التي تدافع عن سيدها وتحمي حماه. وقد استطاع "أبو سلمى" ان يعبر عن أهمية العوام وأصحاب الحناجر القوية من غوغاء الناس في جلب السؤدد إلى الأشخاص في هذا الرجز: لا بد للسؤدد من رمـاح ِومن عديد يتقي بالراح ومن كلاب جمة النباح وعلى الرعية حق الطاعة، طاعة من بيده الحكم والسلطان. وليس عليها الخروج على أوامره وأحكامه،لأن من حق الراعي تأديب رعيته إذا خرجت عن طاعته. فإذا خرجت الرعية على الملك، حق عليه تأديب رعيته بالصورة التي يراها. ولا يتمكن من الخروج على طاعة السلطان إلا الأشراف وسادات القبائل، ففي استطاعة هؤلاء بما لهم من أتباع ورعية، تنديد الملوك، أو من ينوب عنهم في الحكم. ولهذا كانت لهذه الطبقة مكانة وكلمة عند الملوك. ولم يكن من السهل على أبناء القبائل تقديم واجب الطاعة للملوك إذا كانوا من غير قبيلتهم، فالملوك الغرباء وإن كانوا عرباً مثلهم، لكنهم في نظرهم غرباء عنهم، ومن قبيلة بعيدة عنهم. والعربي بحكم طبيعة ظروفه ومحيطه القبليّ، لا يرى الخشوع إلا لمن تربطه به رابطة العصبية. ومعنى هذا أنه لا يخضع إلا لسيد قبيلته، أو لمن يخضع سيد قبيلته لحكمه أو للملك إذا كان من قبيلته. وسيد القبيلة لا يخضع هو نفسه لأحد إلا إذا أكره على ذلك، إكراهاً، أو وجد في خضوعه لحكم حاكم آخر منفعة ما تاًتيه من هذا الحكم. فإن زالت القوة التي أكرهته على الخضوع لغيره، أو ذهبت المنفعة التي كان يحصل عليها، أعلن انفصاله واستقلاله بشؤون قبيلته أو انضمامه إلى حاكم قوي اخر ليصير حليفاً له. لذا صار تأريخ القبائل صراعاً ونزاعاً بين قبائل طامعة في قبائل أصغر منها،وقبائل أخرى تريد أن تعيش لوحدها مستقلة بإدارة أمورها، أو منافسة غيرها في حكم قبائل أخرى، لتكوين حكومة كبيرة منها ومن القبائل التي استسلمت لها. فالممالك الني تكونت والتي تحدثت عنها، لم تكن إذن ممالك مكونة من مواطنين آمنوا بمبدأ المواطنة واعتقدوا بعقيدة طاعة سلطان الدولة. بلَ كانت مملكة قبائل اتحدت طوعاً أو كرهاً، وكونت حلفاً كبيراً ترأسه ملك. يظل قائماً ما دامت هنالك قوة قائمة ومصلحة وفائدة، فإن انتفت المصلحة، عادت طبيعة الأنانية القبلية إلى لعب دورها في الانفصال. وهي عقلية تعرقل وتقاوم تكوّن الدول الكبرى. ولهذا قاومها الإسلام، لأنه جاء بمبدأ "الجماعة"، وعقيدة "الأمة" و "الملة"، فورد في الحديث: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية ". وللشعراء وأهل البيان كلام في أصول سياسة الحكم وادارة أمور الرعية. قال "الجاحظ": " ومتى أحب السيد الجامعُ، والرئيس الكامل قومه أشد الحب وحاطهم على حسب حبه لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حب قومه له.هذا إذا لم يتوثب اليه ولم يعترض عليه من بني عمه واخوته من قد أطمعته الحال باللحاق به. وحسد الأقارب أشد، وعداوتهم على حسب حسدهم. وقد قال الأولون: رضا الناس شيء لا ينال. وقد قيل لبعض العرب: من السيد فيكم قال الذي إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر اغتبناه. وقد قال الأُول: بغضاء السُّوق موصولة بالملوك والسادة وتجري في الحاشية مجرى الملوك. وليس في الأرض عمل أكدّ لأهله من سياسة القوم. وقد دفعت الروح الفردية والنزعة القبلية سادات القبائل وقادة الجيش على الثورة بملوكهم وبحكامهم، فامتلأ تأريخ الجاهلية بها وبالمكايد والانتفاضات. وقد أثرت أثراً خطيراً في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وصارت في جملة عوامل تدهور الحضارة في اليمن. ونقرأ في كتابات المسند بعض الألفاظ المعبرة عن الفوضى وعدم الاستقرار بسبب حركات العصيان. منها لفظة "كيد"، وتؤدي معنى ثورة وعصيان. و "ثبر" و "مثبر" بمعنى "ثبور"، ويراد بها ثورة ايضاً. و "نزع" وتؤدي معنى ثورة كذلك. و "نقم" وتؤدي معنى "نقمة" وعدم رضى عن الاوضاع. و "قسدت" و "قسد" بمعنى ثورة وثار. فالثورة هي "قسدت" في العربية الجنوبية. و "قرن" وهي في المعنى نفسه. و "تحسبن" بمعنى عنف واستخدام العنف. ولفظة "هرج" بمعنى الفوضى والقتل والهرج. و "مخر" بمعنى مخالفة وقتال. ونجد في كتابات المسند ألفاظاً اخرى، لها صلة. وعلاقة بالأوضاع المذكورة. مثل لفظة "هبعل" في معنى الاعتراف بسيادة قوم على قوم. وبالتسليم بسيادة الرؤساء بعد ان ثاروا عليهم وحاولوا التخلص منهم. ولفظة "هوبل" في معنى النجاح في المطاردة والتوفيق في القضاء على العصيان، وعودة الأمر إلى ما كان عليه. ولفظة "همسر" بمعنى احبط وكسر. و "هسحت"، بمعنى تحطيم والقضاء على شيء، كحركة عصيان. و "هضرع" بمعنى أخضع و "حلفي بمعنى ضغط واستعمل العنف. و "حف" بمعنى أحاط. و "خرط" بمعنى الاستيلاء على شيء. و"نحت" بمعنى ضرب. و "نكى" في معنى قاسى وكابد من الألم والعذاب. و "نقيذ" بمعنى استولى على مكان وفتحه. و "سبط" بمعنى أحبط وقضى على ثورة. و "سحت" في معنى هزيمة. و "قمع" في المعنى المعروف منها في لهجتنا. و "رتضح" بمعنى ذبح. و "توشع" في معنى هزيمة. و "تشكر" في معنى هزيمة ايضاً. فلكل هذه الكلمات ولغيرها مما في معناها صلة بالأوضاع السياسية والعسكرية التي كانت سائدة في ذلك العهد. وهي دليل على سوء الحال. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#139 |
|
عضو فضي
|
تحية الملك
وكانت لملوك الحيرة وملوك الغساسنة وغيرهم من ملوك الجاهلية تحيات تختلف عن تحيات سائر الناس. لأن الملك يحيا بتحية الملك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم..ومن حياتهم: أبيت اللعن، وأسلم وانعم، وانعم صباحاً، وعش ألف سنة. "وكانت تحية ملوك العجم نحواً من تحية ملوك العرب، كان يقال لملكهم: زه هزار سال ؛ المعنى: عش سالماً ألف عام". وذكر بعض علماء اللغة أن "أبيتَ اللعن:كلمة كانت العرب تحيي بها ملوكها في الجاهلية، تقول للملك: أبيت اللعن، معناه أبيت ايها الملك ان تأتي ما تلعن عليه. واللعن: الإبعاد والطرد من الخير". وذكروا ان أول من حيي بتحية الملوك: "أبيت اللعن" و "أنعم صباحاً" يعرب بن قحطان. وقد وردت تحية "أبيت اللعن" في شعر للنابغة الذبياني،يعتذر فيه للنعمان بن المنذر: أتاني-أبيت اللعن - انك لمتني=وتلك التي تستك منها المسامع وذكر أيضاَ ان اول من قيل له ذلك قحطان. وقيل: اول من حيي بها يعرب بن قحطان. وذكر ان تحية الناس فيما بينهم: "أنعم صباحاً" أو "انعم مساء" أو "انعم ظلاماً"،و "عموا صباحاً" و "عموا مساء"، وذلك حسب المناسبات. أما إذا حيوا الملك، قالوا له: "انعم صباحاً ايها الملك"، لهيبة الملك ولتعظيمه. وقد ابطل الإسلام تلك التحية: بأن أحل السلام محلها. فلما دنا "عمير بن وهب" من رسول الله قال: "انعموا صباحاً"، فقال رسول الله: "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير؛بالسلام تحية اهل الجنة". وقد صار السلام من العلامات الفارقة بين الشرك والإسلام. وذكر ان التحيّة الملك. وفي هذا المعنى قولهم: حيّاك اللّه وبيّاك،أي اعتمدك بالملك. وفي هذا المعنى قول زهير بن جناب الكلبي: ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية أي إلا الملك، وذكر ان المراد بها هنا البقاء، لأنه كان ملكاً في قومه. والتحية في قول "عمرو بن معد يكرب": أسير به إلى النعمان،حتى أنيخ على تحيته بجنـدي تعني ملكه. فالتحية الملك. ويظهر ان بعض الجاهليين كانوا يحيون بتحية "حياك وبيّاك"،أو "حياك الله"، أو "حيّاك الله وبياك". ولا استبعد استعمالهم اسم صنم من الأصنام في موضع "الله" عند عباّد ذلك الصنم، كأن يقولون: "حياّك هبل"،وقد بقيت هذه التحية إلى الإسلام، ثم صارت: "حيّاك اللّه". وقد يخاطبون بها الملوك فيقولون: "حيا الله الملك". وذكر ان تحيات اهل الشام لملوكهم: "يا خير الفتيان". والمعروف عن العرب أنهم لم يكونوا يسجدون للملوك ولساداتهم كما كان يفعل العجم. غير ان رواية وردت في "كتاب فتوح الشام" للواقدي تذكر ان "الياس"،وهو عم ملك الحيرة وصاحب حرسه، لما أدخل "سعد بن أبي عبيد القاري"، على الملك "النعمان بن المنذر"، "صاح به الحجاب والغلمان قبَّل الأرض للملك، فلم يلتفت اليهم". وفي هذا الخبر دلالة على ان أهل الحيرة كانوا إذا دخلوا على الملوك سجدوا لهم: كما كان يفعل ذلك غيرهم من الغرباء ممن يدخل على الملوك ولا سيما الفرس. وتتحدث هذه الرواية المنسوبة إلى الواقدي،بأن الملك النعمان، كان له كلام وجدل في موضوع الدين ورسالة الإسلام مع "سعد بن أبي عبيد القاري" رسول "سعد بن أبي وقّاص" اليه. وأنه لما طرد الرسول، قال "سعد بن أبي وقّاص": سأحمل فيهم حمـلة عـربـية ولا أنثني واللّه عنهم بعسكري فإما أرى النعمان في القيد موثقا وإما طريحاً في الدماء المعفر ثم أمر سعد بن أبي وقاص جمعه بالمسير نحو النعمان، فالتقى القعقاع بن عمرو التميمي أو بشر بن ربيعة التميمي بالنعمان في كبكبة من الخيل، فحمل القعقاع أو بشر على الكبكبة أو الكتيبة فمزقها ورمى النعمان بطعنة في صدره، فلما رأت جيوش الحيرة الملك مجندلاً، ولت الأبار تريد القادسية نحو جيش الفرس. والذي أجمع عليه المؤرخون واهل الأخبار، ان المنذر كان قد ذهب إلى العالم الثاني قبل الفتح،بزمن على نحو ما تحدثت عنه في الجزء الثالث من هذا الكتاب. وقد ذكرت ما قيل في موته من شعر نظمه شعراء معاصرون له، وما وقع من اصطدام بين العرب والفرس بسبب مطالبة "كسرى" بترَكته على ما يذكره أهل الأخبار. لذلك لا يمكن التصديق بهذه الرواية مع وجود ذلك الاجماع، ثم ان فيها معالم الصنعة والتزويق،ولا سيما في موضوع الحوار بين النعمان وبين رسول "سعد" اليه في موضوع الإسلام، مما يحملنا على القول بأن هذا الخبر قد أدخل فيما بعد أيام العرب في المشكلات التي تتعرض لها الدولة، والبت في القضايا المهمة وفي موضوع فرض الضرائب. وقد عرف هذا المجلس في دولة معين ب"مزودن معن" "مزود معين". وكان للسبئيين مجالسهم الخاصة بهم، تنظر في المسائل التي يحتاج ملوك سبأ إلى اخذ الرأي فيها والوقوف على رأي عقلاء الأمة للاستنارة برأيهم عند اتخاذ رأي وإقرار قرار. ولا يعني وجود هذه المجالس ان النظام هناك كان نظاماً نيابياً انتخابياً، يجتمع الأحرار والوجهاء فينتخبون من يريدون ان يمثلهم أو يتكلم باسمهم انتخاباً على النحو المفهوم من الانتخاب في الزمن الحاضر. وإنما كانت عضوية المجالس بالوجاهة والمنزلة والمكانة، وتلك قضايا اعتبارية للعرف فيها الرأي والقرار، وأعضاء المجلس هم اعضاء فيه، لأنهم من رجال الدين أو سادات قبائل أو من كبار الموظفين، أو من اصحاب الأرض والمال، فهم في عرف ذلك اليوم الصفوة والخيرة، وعندهم العقل والرأي والسداد. وعلى هذا النحو من التمثيل تكون المزاود،اي مجالس الأمة. وقد عرف أعضاء المزود ب "اسود"، اي "أسواد" "اسياد"، بمعنى سادة، وهم بالطبع من علية القوم وسادتهم. وفي ضمن هؤلاء ال "منوت" "منوات". وكما تطلق الشعوب في الزمن الحاضر نعوت التفخيم والاحترام على مجالسهم التمثيلية، كذلك اطلقت الشعوب الماضية مثل هذه النعوت على مجالسهم. فأطلق العرب الجنوبيون لفظة "منعن" مثلاً على المزود، فورد: "مزود منعن" في بعض الكتابات، بمعنى "المزود المنيع". وربما أطلقت اللفظة على العضو في هذا المجلس كذلك. ولكننا لا نعرف ذلك في هذا اليوم معرفة أكيدة، وربما كانوا يطلقون نعوت تفخيم وتعظيم أخرى على أعضاء هذا المجلس. وحصلنا من الكتابات على اسم لمجلس يسمما ب "طبنن"، وذلك في الكتابات القتبانية. وقد رأى بعض الباحثين انه مجلس كبار الملاكين. ورأى اخرون انه بمنزلة "المزود" بالنسبة إلى القبيلة، وانه مجلس أصحاب الأملاك،ورؤساء أفخاذ القبيلة المالكين، وانه يأتي بعد "المزود" في الأهمية عند القتبانيين،وانه كان ينظر في المسائل الخاصة بالملك والأرض وفي الضرائب التي تجبى عن الزراعة وفي تأجير الأرض، وما شاكل ذلك من موضوعات تخص الأرض والزرع. ويقول علماء اللغة إن "الطبن"، هو الرجل الفطن الحاذق العالم بكل شيء، ولعلهم أخذوا هذا التفسير من العرب الجنوبيين. في "طبنن"، هو مجلس عقلاء التخوم وحذاقهم والمتكلمين باسم القوم. ولم يكن لسواد الناس ولا للطبقات الوسطى منهم،رأي ولا تمثيل في "الطبنن" ذلك لأن هذا المجلس هو مجلس كبار الملاكين للارض فقط. وكانوا يشتركون في الي "المزود". ونجد ذكر هذا المجلس، في كتابات يرى بعض الباحثين قبل من أواسط القرن الخامس قبل الميلاد. ويقابل مجلس الملاِّكين "طبنن" القتباني مجلس عرف ب "مسخنن" "المسخن" في اللهجة السبئية. وقد أشير اليه في الكتابات السبئية القديمة وفي كتابات عهد "ملوك سبأ وذي ريدان".وأعضاؤه من الوجهاء وكبار الملاكين الذين ورثوا ملكهم من عقار وأرض. وترد في الكتابات السبئية لفظة لها علاقة بمجلس يمثل طبقة خاصة في سبأ عرف ب "عهرو" "عهًر". ونجد هذا الاسم في الكتابات التي هي من القرنا الثاني قبل الميلاد فما بعده. ويظهر أنه كان مجلس اللأشراف من اهل الحسب والنسب من امثال الأشراف والنبلاء الذين عاشوا في اوروبة في القرون الوسطى. ولا يشترط في الطبقة المسماة بهذه التسمية ان تكون من كبار الملاكين وأصحاب العقار. والى هؤلاء يضاف من يقال لهم "ذ اعذر" "ذو اعذر". وهم طبقة من الاشراف لا يربط بينهم دم، ولا تجمع بينهم وبين القبيلة التي ينزلون بينها أو بين الناس الذين يعيشون بينهم، صلة رحم، ولا يملكون أرضاً، وإنما هم حلفاء وجيران، نزلوا بين قوم فصاروا مثلهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، يؤدّون ما يؤدّيه حليفهم من القبيلة من واجب وعمل، وعلى حليفهم مراعاتهم لانهم في جواره وفي حلفه. هؤلاء هم أصحاب الرأي والاستشارة في الحكومات العربية الجنوبية، والمجالس المذكورة تنظر في مصالح المنتمين اليها وكلهم كما رأينا من اًصحاب الجاه والسيادة و السلطان. وإذا أقر "المزود" موضوعا ووافق عليه، رفع القرار إلى الملك لإصدار أمره بتنفيذ ما توصل اليه، وتصدر القرارات بصورة مراسيم تشريعية ملكية تعلن للناس وتبلغ للقبائل لاقرارها وتنفيذها، وقد حفظت الكتابات جملة قرارات من هذا النوع. وتوقع المحاضر في الغالب بلفظة "مثبت" من أصل "ثبت"، وذلك دلالة على الموافقة والتأييد بصحة صدور القرار. وأن اقرار قد ثبت وصار أمراَ إلزامياً واجب التنفيذ. واصطفى الملوك لهم حاشية من ذوي الرأي والعقل والتجربة، جعلوها هيأة استشارية، تقدم الرأي لهم، وقد عرفت ب"فقضت"، وب "بتل ". فنحن في اليمن إذن بإزاء نظام يمكن أن نسميه نظام يمكن ان نسميه نظاما تمثيليا،وان لم يكن يمثل رأي الشعب تمثيلاً تاما، فلم تكن للاغلبية المكوّ نة للامة إرادة في اختيار ممثليهم للمجالس، كما هو المفروض والمطلوب من المجالس،فمن هنا لم يكن نظام الحكم في هذه البلاد نظام الحكم في هذه البلاد نظاما تمثيليا صحيحا ولكان تمثيلا من ناحية ضمه أصحاب اَلرأي والجاه والسلطان في الدولة، لمجالس "المزود" وإبدائها رأيها لحاكم البلاد، ولا سيما في المسائل الكبرى التي يتوقف عليها المصير،مثل إِعلان حرب،أو عقد صلح، أو إقرار ضرائب. نظام نستطيع أن نسميه نظام الأخذ بمبدأ استشارة ذوي الرأي والوجاهة والسلطان في المسائل الخطيرة التي تخص الدولة أو المجتمع وحدهم، فهو نظام شورويّ بالنسبة لأهل الرأي والمشورة، وهؤلاء وحدهم هم الذين يشاورون في الأمور. أما السواد، فلا رأي له. ومع ذلك، فهو أفضل من الحكم المطلق الذي يكون الملك فيه هو الكل في الكل، يفعل ما يشاء من غير حساب. وهو بالقياس إلى نظم الحكم عند الأشوريين أو البابليين لمن أو الفراعنة، نظام فيه "ديمقراطية" لا نجدها في قواعد حكم الشعوب المذكورة. ولكن الدنيا لا تدوم على،حال واحد، فأخذ حكم المزاود يتقلص،وصار عدد من يأخذ بالرأي والمشورة من الملوك يقل حتى إذا جاءت الأيام المتأخرة من حكومة سبأ، صار الأمر للاقيال والأذواء وسادات القبائل، واضطر الملوك إلى النزول عن حقهم في الأرضين إلى أصحاب السلطان في مقابل اتفاقيات تحدد الواجبات والحقوق التي يترتب على هؤلاء الأقوياء الذين اغتصبوا الأرض اغتصاباً أداؤها للدولة. ويقوم صاحب السلطان الملاّك بايجار الأرض لأتباعه من آله أو من أهل قبيلته، مقابل أجر يدفعونه له، وهؤلاء يؤجرونها أيضاً لمن هم دونهم في المنزلة والدرجة. فتحولت الملكية بذلك إلى دولة اقطاع، أرباحها وحاصلها وناتجها وقف على طبقة ذوي الجاه والسلطان. وفقد "المزود" مكانته، إذ انتزع الأقيال "اقول" منه السلطان، حتى قدموا أسماءهم في النصوص على اسم المزاود. فنجد أقيال "سمعى" "اقول سمعى" يقدمون اسمهم على اسم المزود، دلالة على خطر شأنهم وقوتهم، وعلى أن حكم "المزود" صار في الدرجة الثانية من خطر الشأن في هذه الأيام. وقد تضاءل حكم "المزود"، بل زال من الوجود منذ القرن الثالث للميلاد فما بعده، فلا نكاد تجد له حكماً أو ذكراً في الكتابات، إذ انفرد الملوك والاقطاعيون الكبار بالحكم، وصار رأيهم هو الرأي الحق المقبول، وبيئة ينفرد فيها الأفراد بالحكم، وينتزع فيها من الأشخاص حق التعبير عن الرأي، هي بيئة لا يمكن أن يعمر فيها "المزود" أو أي مجلس كان من قبيله يقوم بالتعبير عن رأي الناس، وإن كان بصورة رمزية شكلية. لذلك نستطيع أن نقول إن العربية الجنوبية فقدت أهم نعمة كانت عندها، نعمة التعبيرعن رأي،والنظم اللامركزية بعد الميلاد. وزاد في تقليص حكم المجالس تدخل الحبش بصورة مستمرة في شؤون العربية الجنوبية، وانتزاعهم الحكم بالقوة من أصحابه الشرعيين وانفراد حكامهم وحدهم بالحكم، ثم اضطرار الملوك والأقيال و الأذواء إلى مقاومة الحبش الغزاة وحشد كل الطاقات البشرية لطرد الحبش من بلادهم، وأحوال مثل هذه لا تسمح بابداء رأي، فكان فيها موت تلك المجالس التي لم تكن كما قلت تمثل الشعب، لأنها لا تمثل السواد الأكبر،وإنما كانت تمثل أصحاب الوجاهة والسلطان ولكن وجود شيء فيه وقوف إزاء الملوك وتحد لسلطانهم إن أرادوا توسيعه، هو مهما كان نوعه خير من لا شيء ومن انفراد الملوك بالأمر دون خوف ولا رهبة من اعتراض، أحد ومن نقد ناقد. هذا، ولم نعثر على نص بالمسند، ورد فيه ذكر لعدد أعضاء المزاود أو المجالس التمثيلية الأخرى. أما ما ذكره "الهمداني" من انه كان لحمير مجلس ينظر في أمور الملك واختيار الملك إذا مات الملك ولم يترك من يرثه، وان عدد أعضاء ذلك المجلس ثمانون قيلاً، لا ينقص ولا يزيد، وانهم إذا انتخبوا قيلاً منهم يكون ملكاً عند عدم وجود من يخلف الملك، أو عدم رضائهم عن الملك لسبب من الأسباب، فإنهم كانوا ينتخبون قيلا" جديداً ليكمل العدد المقرر، فإننا لا ندري أكان ذلك حكاية عن وضع الحكم في اليمن قبيل الإسلام، ام كان مجرد رواية من هذه الروايات الواردة عن الجاهلية، مما يرويه أهل الأخبار. وقد نحمل روايته محمل الصدق بالنسبة إلى مجمل الخبر. أما بالنسبة إلى ثبات العدد فأمر لا نستطيع أن نأخذ به ونقطع بصحة ما ورد فيه. وظهرت في القرن الثاني قبل الميلاد فما بعده ظاهرة جديدة أخرى، قد تدلّ على ضعف شخصية الملوك، وتقلص سلطانهم، هي ظاهرة ذكر امم ولي العهد مع اسم الملك، وتلقيبه بلقب ملك تماماً كما يلقب الملوك. فجاء اسم نهفان مع ابنه "شعرم اوتر" "شعر أوتر"، دلالةً على أنهما حكما حكا" مشتركاً، وجاء اسم ملك، وجاء اسم ملك وجاء مع اسمه اسم أخيه يحكم معه ويحمل لقب الملك، وجاء اسم ملك ومعه اسم ابنين أو ثلاثة أبناء، يشاركونه في اللقب وفي الحكم، بل ورد اسم ملك ومعه حفدته يحملون لقب الملك. وظاهرة أخرى نراها تظهر، فيها دلالة أيضاً على تناحر الأسر وتقاتلها على الجاه والحكم والسلطان، تتجلى في حكم أسرتين حكم اسرتين مختلفتين، إحداهما من "حاشد" وأخرى من "بكيل"، وكلتاهما من هَمْدان، وقد حمل كل واحد من رجلي الأسرتين اللقب الرسمي لملوك سبأ. فقد حكم "علهان نهفان" وابنه "شعر أوتر" وهما من "حاشد "، وحكم في الوقت نفسه "فرع ينهب"، وابنه، وهما من "بكيل"، وكان كل واحد منهما بلقب نفسه بألقاب ملوك سبأ. ثم تجد من ذيول هذه الظاهرة منافسة "ظفار" لمأرب، ومبارزة قصر ملوك "ظفار" وهو "ذو ريدان" لقصر ملوك سبأ القديم وهو "سلحن" "سلحين". وفي هذه المنافسة دلالة على تنافس أسرتين على الحكم، كل أسرة تدعي أنها حاكمة سبأ ومالكة مملكة سبأ. وكان من نتائج هذا التطور ظهور حكم لا أودّ تسميته ب "حكم لامركزي"، ولكن أرى تسميته: حكماً إقطاعياً، أو حكم "أمراء الطوائف"، أو حكم رؤوس الطوائف. فقد صار الأمر والنهي للقيال وللاذواء، وللسادات وقادة الجيش، حتى تكاثر عددهم، وحتى صارت لهم كلمة في اختيار الملوك وفي إسقاطهم. ونجد في الكتابات المتأخرة أسماء عدد كبير من هؤلاء الإقطاعين، دلالة على مكانتها، وخطر شأنها في السياسة العامة، ولم تختف هذه الظاهرة حتى بعد احتلال الحبش لليمن، وحتى بعد طرد الحبش عنها ودخولها في حكم الفرس إلى أيام الإسلام. وكان مما قوى سلطان الإقطاعيين الحروب التي أعلنها الملك "شمر يهرعش" على جيرانه. لقد تمكن من توسيع رقعة سبأ ومن إضافة أرضين جديدة واسعة لها، ومن إحاطتها بهالة من العظمة، ولكنه اضطر من ناحية أخرى إلى إرضاء الإقطاعيين الذين ساعدوه وخدموه في حروبه وأدوا له خدمات كجيرة، فوسع سلطانهم، وقوّى مركزهم، وصيرهم قوة ذات شأن لها سلطان في الدولة، فأضعف بعمله مركز الحكومة، ووضع من جاء بعده من الملوك في مركز حرج أمام كبار الاقطاعيين الذين أخذوا لم يتدخلون في أمور الدولة، وينافسونها في سلطان. وهكذا زالت معالم. الحكم "الاستشاري" الأقيال، ويحل محلّه حكم الملوك المستند إلى تأييد عدد من كبار رجال ألاقطاعيين وسادات القبائل، وهو حكم راعى بالطبع مصالح هؤلاء، ولم يهْتم بمصالح هؤلاء، ولم يهتم بمصالح سواد الناس، بل حتى مصالح الاقطاعيين الذين لم يكن لهم سلطان كبير، فاصيبوا بضرر بالغ من هذا التغيير الدستوري في أصول الحكم. وقد كان ملوك العربية الغربية، مثل كل ملوك ألعربية الجنوبية، يأخذون بالرأي ويعملون بمشورة المجالس. ويعرف مجلس الشورى في الكتابات الحيانية ب "هجبل" "الجبل" و "جبل". وقد نعت المجلس بجملة "العالي الشأن" في إحدى الكتابات، تعظيماً له، وتقديراَ لشأنه. ومما يؤيد أخذ الملوك برأي المجلس "جبل"وهو ورود لفظة "براى"، أي "برأي" في الكتابات، دلالة على أخذ الملوك برأي المجلس. بل ذهب بعض الباحثين إلى احتمال وجود أحزاب سياسية في مملكة لحيان.غير أننا لم نتمكن من الحصول على كتابات لحيانية فيها شيء عن الحزبية وألاحزاب في ذلك العهد. أما أصول الحكم عند "آل لخم"، فإننا لا نملك نصوصا طما لها مدونة، كذلك لا نملك نصوصا فيها شيء عن أصول الحكم عند الغساسنة. ولم يشر أهل الأخبار الى وجود مجالس على نمط "المزود" أو "دار الندوة" عند المناذرة أو الغساسنة، لذلك لا نستطيع أن نتحدث بأي حديث عن الشورى وأخذ الرأي عند اللخميين، أو عند آل غسان. بل يستنبط من بعض روايات أهل الاخبار، ان ملوك "آل نصر"و "آل غسان" و "آل اكل المرار"،كانوا ملوكاً غلب على حكمهم الاستبداد بالرأي، إذ لم يعملوا برأي أحد، ولم يأخذوا بمشورة مستشار إلا إذا كانت المشورة موافقة لهواهم ومن شخص قريب منهم، وله أثر فعلي عليهم. كما يستنبط منها ايضاً ان المقربين من الملوك، لم يكونوا مخلصين لهم في تقديم النصيحة، بل كانوا يبتغون من ورائها الحصول على منفعة وفائدة، أو ضررا يلحق بأعدائهم، وبالقبائل المعادية لقبائلهم في كثير من الأحايين. وان بعض الملوك، ولا سيما المتأخرون منهم، كانوا قد تأثروا بآرائهم فعملوا بها،فأوجدت لهم مشكلات خطيرة،كان الملوك في غنى عنها لو انهم كونوا مجالس استشارية، وأخذوا برأيها في تسيير النابه من أمور المملكة. أما القرى والمدن إن جازت هذه التسمية، شد حكمها وجهاؤها وساداتها رؤساء الشعاب والبيوتات الكبيرة. فإذا حدث حادث في شعْب حلهّ رؤساء ذلك الشعب، وإن عرض للقرية او للمدينة عارضاً اجتمع سادتها للنظر فيه وحلة، واليهَم يكون تسيير أمور القرية أو المدينة. يجتمعون في "نادي" القرية أو المدينة، وهو مجتمعها للنظر في الأمر والبت فيما يرون اتخاذه من قرارات. وقد ورد في القرآن الكريم: " وتأتون في ناديكم المنكر ". والنادي هنا المجلس، ومجتمع القوم، وموضع اتخاذ القرارات والبت في الأمور. وكان لأهل "تدمر" "مجلس" على غرار مجلس "الشيوخ" في "رومة" مؤلف من سادات المدينة من أصحاب الجاه والسلطان له سلطة من القوانين والتشربع، وله رئيس وكاتب. دار الندوة وقد تحدث اهل الأخبار عن دار قالوا انها كانت بمكة سموّها "دار الندوة" ونسبوها إلى جد قريش ومجمعها "قصي،"، قالوا: إن قريشاً كانت إذا همت بأمر أو أرادت رأياً، أو قررت اتحاذ قرار، اجتمعت فيها، ونظرت في أمرها واتخذت فيها قرارها. فهي إذن مجلس يشبه "المجالس" التي كانت في مدن اليونان، وقد كونوها لتكون حكومة المدينة المشرفة على شؤونها المدبرة لأمورها الناظرة فيما يقع فيها من خصومات وخلاف. وذكر بعض اهل الأخبار،انه لم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصيّ إلا ابن أربعين سنة للمشورة، وكان يدخلها ولد قصي "كلهم اًجمعون وحلفاؤهم والظاهر ان هذا كان خاصاً بالمشورة وأخذ الرأي. لماَ كان قد قرّ في نفوس أكثر الناس من أهمية السن في تقديم الرأي، ومن أن النضوج العقلي يبدأ في الاربعين من العمر. وإذا صحت الرواية، نكون أمام شرط مهم فيمن يحق له حضور دار الندوة، لابداء المشورة و الرأي. لكننا نسمع من رواة الأخبار أيضا، أنهم يذكرون ان قريشاَ كانت تتساهل في موضوع السن اًحياناً، فكانت تتساحل في قبول دخول من هو دون الأربعين من العمر إذا كان الشخص سديد الرأي. فقد " تحاكم العرب في الجاهلية في النفورة،وفي غير ذلك من المخايرة والمشاورة، الى أبي جهل ابن هشام في أيام حداثته وفتائه، ولذلك أدخلوه دار الندوة، ودفع مع ذوي الأسنان والحكمة من بين جميع الشبان، ومن بين جميع الفتيان. ولذلك قال قطبة بن سياّر حكيم فزارهّ حين تنافر اليه عامر بن الطفبل وعلقمة ابن علاثة: عليكم بالحديد الذهن، الحديث السن يعني أبا جهل ". الملا وفي القران الكريم لفظة "ملأ" بمعنى جماعة يجتمعون على رأي. وتعبر هذه الفظه عن الغالبية، أي عن الرأي العام الغالب لمكان ما، أو لجماعة من الجماعات. ومعنى ذلك اتخاذ "أهل الحل والعقد" من الملا رأياً يكون ملزماً للآخرين وأهل الرأي والحل والعقد، هم السادة أصحاب الجاه والعقل والسن، ولذلك كانوا يفضلون في أخذ الرأي، اْخذ رأي أصحاب العقل والخبرة ،وهم المتقدمون في السن في الغالب،ففي صغر السن طيش وتسرع، والبت في الأمور يحتاج إلى نضج وصر وأناة وحلم. لهذا كان أكثر رجال "دار ألندوة" من البالغين المتقدمين في السن. وعرف علماء العربية "الملا" أنه الرؤساء والجماعة وأشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم، "يروى أن النبي، صلى الله عليه وسلم، سمع رجلاً من الأنصار وقد رجعوا من غزِوة بدر، يقول: ما قتلنا إلا عجائز صلعاً، فقال عليه السلام: أولئك الملأ من قريش، لو حضر فعالهم، لاحتقرت فعلك " أي: اشراف قريش. فالملأ إنما هم القوم ذوو الشارة والتجمع للادارة. وورد ان "الملا" التشاور والعطية. ويظهر من المواضع العديدة التي وردت فيها هذه الكلمة في القران الكريم، ان المراد بها في اكثر تلك المواضع، علية القوم من دْوي الرأي والمكانة، والأشراف من القوم ووجوههم ورؤساؤهم و مقدموهم الذين يرُجع إلى قولهم. وذكر ان "الملأ": التشاور. تشاور الأشراف والجماعة في أمر ما. فرؤساء مكة إذن، هم حكومتها وحكامها، وليس هناك ملك أو حاكم انفرد بالحكم والسلطان. فالحكم فيها إذن، حكم مدينة، لا حكم ملك أو فرد، وقد كان الحكم في الطائف وفي يثرب وفي نجران، وفي وادي القرى على مثل هذه الطريقة، غير ان الأخباريين لم يتحدثوا عن مجلس يشبه دار الندوة في هذه المدن. وفي القرآن الكريم: "فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر"، و " أمرهم شورى بين هم ". وفي هاتين الآيتين دلالة على الأخذ بمبدأ المشورة، وان الحكم شورى. وحكم قريش في مكة، هو حكم المشاورة وأخذ الرأي، لهذا كانوا يتشاورون فيما بينهم حينما كانوا يعتزمون اتخاذ قرار تجاه الرسول. وقد بينت ان أصحاب الرأي والمشورة هم "الملا" وعِلية القوم ومن عرف بجودة الحكم والفطنة والذكاء. وكانت القرى الأخرى تستشير ذوي الحل والعقد. وكذلك فعلت القبائل. فقد كان سيد القبيلة يطلب من وجوه قبيلته ابداء رأيهم في القضايا المهمة من أمور الحرب والسلم. وكان سادات القبيلة، يجتمعون للنظر في امر اختيار رئيس، إذا مات رئيس وليس له وريث، أو وقع خلاف فيما بين أعضاء بيت الرئيس على الرئاسة. وقد حث العرب على الأخذ بالرأي والمشورة، حتى لا يقع المرء في الخطأ والتهلكة. والرأي: للنظر والتدبر والتفكير. وقد قدمه العرب على الشجاعة، فجعلوه قبلها، لأن الشجاعة لا تنجح ما لم يكن للشجاع رأي ونظر في كيفية التغلب على خصمه. المشاورة وقد كرهت العرب والحكماء مشاورة من اعترته الشواغل، وألمت به النوازل، مع وفور عقله وحزمه، فقال "قس بن ساعدة الإيادي لابنه: لا تشاور مشغولا" وإن كان حازماً، ولا جائعاً وإن كان فهماً، ولا مذعوراً وإن كان ناصحاً، ولا مهموما وإن كان عاقلاً، فالهمّ يُعقل العقلَ فلايتولد منه رأي ولاتصدق به روية". و "قال الأحنف بن قيس: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المقلّ حتى يجد،ولا الراغب حتى ينجح". وكانت العرب تخمد الأناة في الرأي، واجالة الفكرة فيه وعدم التسرع. "و كان عامر بن الظرب حكيم العرب يقول: دعوا الرأي يغب حتى يختمر، وإياكم والرأي الفطير". واجتمع رو ساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي يستشيرونه فيما دهمهم يوم الكلاب، فقال: إن وهن الكبر قد فشا في بدني، وليس معي من حدة الذهن ما أبتدئ به الرأي، ولكن اجتمعوا وقولوا، فإني إذا مرّ بي الصواب عرفته". حكم سادات القبائل وحكم سيد القبيلة حكماً يتوقف على شخصيته ومكانته، فإذا كان السيد قويا حازماً مهيباً رفع مكانة القبيلة، وصيرّ لها منزلة بين القبائل، وقد يفرض ارادتها على القبائل الأخرى. أما إذا كان ضعيفاً فاتر الهمة بارداً بليداً، طمع فيه الطامعون، وقد يكون سبباً في تشتت كلمة القبيلة وفي تجزئتها وهبوط مكانتها بين القبائل. فالرئيس هو الذي يخلق القبيلة ويعز مكانتها، وهذا هو سر ظهور قبائل كبيرة بصورة مفاجئة، ثم اختفاء أمرها وهبوط منزلتها بعد أمد. وسر ذلك ان الذي يرفع من شأن القبائل أو يخفض من منزلتها هو "سيد القبيلة"،فهو روحها، وهو الذي يمنحها إكسير الحياة. وليس حكم سيد القبيلة، حكماً مطلقاً، لا مشورة فيه ولا أخذ رأي، بل الحكم في القبائل حكماً مستمداً من رأي وجهاء القبائل وعقلائها وفرسانها وألسنتها المتبينة، فهو حكم "ملأ القبيلة". وقد يكون بيت رئيس القبيلة، هو مجلسها وموضع حكمها. وإذا حدث حادث اجتمع عقلاء القوم في مجلس الرئيس وتباحثوا في الأمر. ويقال لمجلس القبيلة "عهرو" "ع ه ر و" في اللهجة القتبانية، يعقد للنظر فيما يقع للقبيلة من أمر جليل، مثل فرض ضرائب أو زيادتها، أو إعلان حرب، أو ما شاكل ذلك من أمور. ونجد مثل هذه المجالس عند جميع القبائل. فإذا حدث للقبيلة حادث، تجمع سادتها للتباحث في الأمر، ولاتخاذ ما يرون اتخاذه من رأي. ولما كانت القبيلة منتشرة لا تستقر في واحد، صارت مضارب سادات الأحياء اندية تلك الأحياء، يجتمع فيها وجوه المضرب للسمر وللبت فيما قد يقع بين الحيّ من خلاف. وبهذه الطريقة يفصل في الخصومات وفي كل ما يحدث للحي من أمر. ويروي أهل الأخبار شعراً زعموا أن "لقيطاً الإيادي"، قاله في كيفية الحكم وسياسة الرعية، فيه هذه الأبيات: فقـــلّـــدوا أمـــركـــم لـــلّـــه دركــــــم رحـب الـذراع بـأمـر الـحـرب مـضـطـــلـــعـــا لا مـتـرفـــاً إن رخـــاء الـــعـــيش ســـاعـــده ولا إذا عــض مـــكـــروه بـــه خـــشـــعـــا ما زال يحـــلـــب درّ الـــدهـــر أشـــطـــــره يكـون مـتـبــعـــا ًطـــوراً ومُـــتـــبَّـــعـــا حتى استمرت على شزر مريرته مستحصد الرأي لاقحما ًو لا ضرعا حكم الملوك و تتلخص نظرة الجاهلية بالنسبة إلى حكم الملوك فيما يأتي: الملك مالك والتابع مملوك، واجبه تقديم حقوق الملك للملوك وحق الملك الطاعة وفي ضمن الطاعة: ألإخلاص له، والعمل بما يفرضه على التابع من حقوق وواجبات. وليس للرعية الإمتناع عن دفع ما في عنقها من حقوق لملوكها أو ساداتها: سادات القبائل. وليس لأحد حق مطالبة ملكه بدفع مال له، لا بصورة ثابتة معينة مقررة، ولا بصور أخرى. إنما الملوك والسادات احرار، لهم ان يعطوا ولهم ان يمسكوا، وما يدخل خزانتهم وما يأتيهم من ربح من تجارة أو مغنم من حروب أو من عشور ومكوس وضرائب اخرى، هو من حقهم وهو من ملكهم الخاص بهم. وكل ما يعود للحكومة، هو لهم. لنفهم هم الحكومة، والحكومة الرؤساء. وفي الحديث: " ومأكول حمير من آكلها ؛ المأكول: الرعية، الآكلون الملوك جعلوا أموال الرعية لهم مأكلة، اراد ان عوام اهل اليمن خير من ملوكهم". و "الآكال: مآكل الملوك. وآكال الملوك: مأكلهم وطعمهم: والأكل: ما يجعله الملوك مأكلة". والمأكولون إذن هم الرعية، يأكلهم ملوكهم، مما يأخذونه منهم من حقوق وبما يفرضونه عليهم من واجبات، والآكلون هم الملوك، لأنهم يأكلون ولا يعطون. والحاكم ملك كان أو سيد قبيلة، هو حاصل المحيط الذي نشأ فيه والبيئة التي عاش بين اهلها، لذلك نراه مستبداً إلى اخر حدّ من جهة، ونراه عطوفاً غافراً للذنوب من جهة اخرى. وهو القانون والسلطة التنفيذية والتشريعية ولا رادّ لحكمه وقضائه، إلا التوسلات والوساطات وشفاعة الشفاع، فإن تأثر بالشفاعة غيررأيه وإن اصر على رأيه فلا راد لحكمه. وحكم هذا شأنه يكون خاضعاً لمزاج الحاكم ولدرجة هدوء أعصابه واتزانه، فإن كان الملك عاطفياً منفعلاً سريع التاثر، صار عهده عهد مشاكل ومؤامرات يكون قبل الأشخاص فيه من الأمور البسيطة. وما يومي البؤس والنعيم، إلا مثل على عقلية الحكم في ذلك الوقت. وفي حكم كهذا تكثر فيه بالطبع الوشايات والمؤامرات، إذ يستغله الحساد وأصحاب الذكاء في الايقاع بخصومهم، كالذي فعلوه من الايقاع بين النعمان والشاعر النابغة صديقه والمقرب اليه، وكالذي فعلوه من الإيقاع بين "عمرو بن هند" وهو ملك متهور قلق، وبين سادات القبائل مما سبب إلى غزوهم والى استهتار بعض القبائل بحكمه وخروجه على طاعته. وقتل الأشخاص من أبسط الأمور بالنسبة إلى أولئك الحكام، فإذا أزعجهم شخص أو هجاهم شاعر أو انتقصهم احد،فقد يكون القتل جزاءً له في الغالب. وإذا كان امر الملك يقتل إنسان، قتل، ما لم يشفع له شفيع قويّ مؤثر. وإذا كان امر الملك يقتل الشخص في الحال، قتل دون تأخر. ولا رادّ لحكمه، فهو الحاكم وهو المنفذ للاحكام. ولا اعتبار لمنزلة الشخص الذي سيقتل، والشيء الذي يؤجل الموت أو يبعده عن شخص ما، هو هروبه إلى رجل منافس لهذا الحاكم كاره له، أو له دالة عليه، فينقذ لجوؤه إلى ذلك الشخص رقبته من سيف الجلاد. وللملك إحراق من يشاء إذا أراد، والتمثيل بجسم عدوّه. وقد رأينا جملة ملوك من ملوك "آل لخم" و "آل غسان" وقد عرفوا "بمحرق" لأنهم حرقوا أعداءهم بالنار. لم يحرقوا بيوتاً، بل بشراً، وقد رأينا بعض الروايات،وهي تنسب إلى "المنذر بن ماء السماء" قتل راهبات وقعن في الأسر من غسان ليكنّ قرابين قربهن إلى العزى. ورأينا امر "عمرو بن هند" بذبج تسعة وتسعين رجلاً من تميم على قمة "أوارة"، لأنه حلف يمنيا لينتقمن منهم بقتل مائة رجل منهم، واحراقهم بالنار. فقيل له المحرق. وضرب بفعله المثل في قصة يروونها عن هذا المثل: إن الشقي وافد البراجم. وقد اشتهر "الجلندي" ملك "عمان" بظلمه، حنى ضرب به المثل. فقيل "أظلم من الجلنديّ" و "ظلم الجلنديّ". وقيل انه هو الذي ذكره الله في كتابه، فقال: " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً ". ويذكر أهل الأخبار ان الملوك إذا ارادت قتل شخص، لبست جلود النمر وجلست تتفرج على من يراد قتله. ويعبر عن ذلك بالتنمر. اصول التشريع وسن القوانين لا نملك اليوم نصوصاً في أصول التشريع وقواعده عند الجاهليين. إذ لم يعثرعلى نص خاص بهذا الموضوع. غير ان في بعض النصوص اشارات عابرة، يمكن ان نستنبط منها شيئاً عن قواعد التشريع عند العرب قبل الإسلام. وفي جملة هذه النصوص بعض النصوص القتبانية، و منها النص الموسوم بGlaster 1606. والعرب من الشعوب التي تميل إلى الأخذ بالرأي، واستشارة ذوي إلى رأي والخبرة والسن. فنجد سيد القبيلة يستشير سادات القبيلة ووجوهها في الأمور الخطيرة التي تقع لقبيلته. كما نجد المدن والقرى تستنير برأي أولي الأمر في المشكلات التي تقع لها، لحلها وفقاً لما يستقر عليم رأي ساداتها. وفي العربية الجنوبية نجد للقبائل مجالسها كذلك، حيث يجتمع اصحاب الرأي في القبيلة، للنظر فيما يقع لقبيلتهم من امرو وقضايا خطيرة يحب أخذ الرأي فيها. وكان للملوك مستشارون يتشارون في القضايا التي يعرضها الملك عليهم، بالاضافة إلى "المزاود" والمجالس الاخرى. وقد استشار الملوك اصحاب الأرض من طبقة "طبنن" "الطبن". والمستشارون الذين عرفوا ب "فقضت" و "بتل"، كانوا يجمعونهم لأخذ رأيهم في امور الأرض وفي مسائل اخرى. كما استشاروا كبار رجال المعابد من درجة "رشو" و "شوع". وكان لرأي هؤلاء أهمية كبيرة بالنسبة للملوك، لما كان لهم من نفوذ وكامة في المجتمع. ولم يكتف الملوك بأخذ رأي الطبقات المذكورة عند إقرار قانون، بل كانوا يرسلون آرائها ووجهة نظرها إلى مجالس القبائل وإلى سادات ووجوه المدن والقرى والمستوطنات للوقوف عليها ولبيان رأيهم فيها، وذلك في القضايا العامة التي تشمل كل الدولة، مثل تنظيم امور استثمار الارض وفرض الضرائب والقوانين التجارية، لتدرس وتعالج على ضوء مصالح كل المتنفذين من ذوي الرأي والجاه في المملكة، على قدر الامكان، وليكون في الامكان تطبيقها وتنفيذها دون كبير اعتراض. ومتى جاء رأيهم ووقف الملك على كل الاراء واحاط علماً بها، عمل برأيه فيها واتخذ قراراً باتاً بموجبها. ويعبر عن اتخاذ قراره هذا بلفظة "جزمن" أي "الجزم". جزم الملك برأيه وامضائه لاصدار ذلك القانون، ويأمر عندئذ بتدوينه، ويعبر عن ذلك بجملة "سطرن ذت يدن"، أي "وقد كتب القرار بيده"، كناية انه، امر بتدوينه ونشره، فكأن يده ذاتها قد سطرته، وقد تدون جمل اخرى في هذا المعنى، مثل "تعلمه ذت يدن" و "تعلمه يدن" أي وقعه بيده، بمعنى امضاه وختمه بختمه، وذلك على ما يفعل رؤساء الدول من التوقيع تحت نص القوانين والاوامر،لاكسابها صبغة رسمية. وتذكر بعد اسم الملك بأسماء بعض رجال الحاشية وكبار السادات واعضاء المزاود، ممن يكونون قد ساهموا في اصدار القانون، ولهم قوة تنفيذية في المملكة. على نحو ما نفعل من ذكر اسم رئيس الوزراء والوزراء المختصين ممن لهم علاقة بتنفيذ القانون بعد اسم رئيس الدولة، دلالة على موافقتهم عليها، واقرارهم لها. وبعد الانتهاء من موافقة الملك عليه بتثبيت اسمه عليه يدون وتحفظ نسخاً منه في خزائن الحكومة للرجوع اليها، ويقرأ القانون على الناس للاطلاع عليه. ثم يكتب على احجار تثبت في جدار الساحات الكبيرة التي يجتمع فيها، لاسيما ساحات ابواب المدن والقرى التي تكون عند المداخل، وهي ساحات الاعلان ويكون القانون بذلك ملزماً واجب التنفيذ، وعلى موظفي الحكومة والرعية العمل بما جاء فيه. وفي حالات سن القوانين التي تخص قبيلة واحدة او مكاناً معيناً، يجتمع المجلس الاستشاري "المزود" لتلك القبلية او المكان، ثم يتداول في الامر، وقد يحضره الملك بنفسه، وقد يحضره ممثل او ممثلون عنه. واذا اتخذ المجلس قراراً في امر ما، فله الحق بأصداره بأسم الملك، كما ان له الحق بأصداره بأسمه، أي بأسم المجلس الاستشاري الذي اتخذ القرار. واذا صدر بأسم الملك دلّ ذلك على انه قانون رسمي وافقت الدولة عليه، اما في حالة اغفال الاشارة الى اسم الملك في القرار، فإن ذلك يدل على انه قانون خاص خصص بالموضع الذي أصدر المجلس قراره فيه. وتطبق احكامه عليه وحده. ومن حق المجالس، اقرار القوانين القديمة وتثبيتها، كما ان لها حق إلغائها او تعديلها ويصدر قرارها بقانون. ومن حقها ايضاً العفو عن المحكوم عليهم، عفواً كليا أو جزئيا. وتنظيم حقوق الارض بقوانين يصدرها عند الحاجة وحسب مقتضيات الأحوال. ومن الصعب علينا في الوقت الحاضر تثبيت اسماء الهيئات المشرعة في العربية الجنوبية، أي الهيئات التي كان من حقها سن القوانين ووضع الانظمة. لأننا نجد في نصوص المسند اسماء مؤسسات سنت قوانين ووضعت أنظمة في جباية الضرائب وفي تنظيم معاملات ألبيع والشراء والأرض. مثل" ذو عهرو" "عهرو" في قبيلة "فيشن" "فيشان" من قبائل سبأ و "مسخنن" "مسخنان " في سبأ كذلك. ومؤسسات أخرى لا نعرف الآن من أمرها شيئاً يذكر. يظهًر أنها كانت مجالس ومؤسسات ذات طابع محلي تشمل صلاحيتها الموضع الذي تكون فيه وكان من حقها تشريع ما ترى ضرورياً بالنسبة الى تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لذلك المكان. ويستنبط من تعدد المجالس و الجمعيات ومن الاعمال التي قامت بها، أن الحكم في العربية الجنوبي قبل الميلاد كان حكماً قريبا من الحكم "الديقراطي" الشعبي. وان سلطات الملوك كانت مقيدة ببعض القيود، فلم يكن الملك يصدر أمراً إلا بعد أخذ رأي المجالس المختصة واستشارتها وأخذ موافقتها. والمجالس المذكورة وإن كانت في الواقع مجالس كبار اصحاب الارض وأصحاب الجاه والنفوذ، ولا راي لسواد الناس فيها. وكان للملوك نفوذ عليها و دخل في قراراتها، و لا سيما الملوك الكبار اصحاب الشخصية، إلا ان وجودها على تلك الصورة وعلى هذا النحو من الحكم، هو خير بكثير من عدم وجودها ومن حكم لا يستند على أي مجلس ولا على أية أستشارة او رأي، كما كاذ الوضع عند بعض الشعوب التي حكمها حكام مستبدون، حكموا شعوبهم حكماً فرديا ًتعسفياً،لم يستند على رأي، لا رأي النخبة من الأمة، ولا رأي الشعب. ودام الحال على هذا المنوال إلى القرن الثاني للميلاد تقريباً، ثم تبدّ ل وتغير.فلما جاء القرن الثالث تقلص ظل حكم الأخذ بالشورى والرأي، حتى زال هذا الحكم، واختفى ذكر "المزاود"، ولم نسمع بعد ذلك لها خبراً. ويظهر ان العربية الجنوبية قد سارت على الطريق التي سلكها ملوك اليونان وقياصرة "رومة" من التنكر للحكم "الديمقراطي" والابتعاد عنه، للاخذ بمبدأ حكم "الفرد"، وهيمنة الحاكم الأعلى على كل شيء. فلما بسط ملوك سبأ وذو ريدان وحضرموت سلطانهم على أرضين واسعة، وكونوا لهم جيشاً كثير العدد غزوا به امارات و المخاليف،ازداد بذلك ملكهم، واتسع مالهم، وقضوا على من كان له رأي ونفوذ في المجالس حتى زالت المعارضة وصار الأمر بأيديهم، وبأيدي من يرضون عنهم ممن يأتمر بأمرهم. وبزوال قوة أصحاب المجالس، زال حكم الرأي والشورى الذي كان يحدّ بعض التحديد من سلطان الملوك، ويمنعهم من وضع القوانين من دون أخذ رأيهم، وصار الحكم إلى رأي الملوك وإلى رأي الأقوياء من كبار أصحاب "المخاليف". ومما ساعد على زوال حكم الأخذ بالمشورة والرأي واستبداد الملوك وكبار رجال الاقطاع بالحكم هو تدفق الأعراب من الحجاز ونجد وسواحل الخليج إلى العربية الجنوبية وازدياد عددهم فيها، ولا سيما بعد انهيار حكم مملكة كندة وارتحالهم من منازلهم إلى العربية الجنوبية، فازداد بذلك نفوذ الأعراب واستغلهم الملوك للقضاء على نفوذ الأعراب الملوك والأذواء وذوي الاقطاع والنفوذ والجاه، حتى صار لهم نفوذ واسع في المملكة، وغدوا فوة اعترف الملوك بها، فأشاروا اليها في لقبهم الرسمي الذي صار على هذا النحو: ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت وأعرابها في الأطواد والتهائم. وقد استغل سادة الأعراب حاجة أهل الحكم والمتنافسون عليه اليهم، ببراعة ودهاء. فصاروا يؤيدون من يغدق عليهم بالمال، ومن يفتح لهم المجال للغزو والسلب والنهب ومن يزيد على غيره في اعطاء المال لهم. وأخذوا يتنقلون من جهة إذ أخرى. يعيشون بالأمن في وقت كان الأمن فيه مضطرباً قلقاً. يهاجمون المدن والقرى والحكومات. وهذا ما أقلق بال الحكومات والرعية، وجعل الناس يخشون على حياتهم ومالهم، ويعيشون بقلق، في ظل حكومات صغيرة عديدة، لا هَم لها سوى مخاصمة بعضها بعضاً والتناحر، على عادة الحكومات المتنافسة الصغيرة في التكالب فيما بينها تكالب الكلاب. وقد امتاز هذا العهد بكثرة حروبه وبكثرة ظهور الثورات فيه. وفي محاربة الملوك إلى قضاء معظم أوقات حكمهم في مكافحة تلك الثورات وفي محاربة الاقطاعيين الذين أراد الملوك تقليص نفوذهم.وهذا مما جسر الحبش، على العربية الجنوبية، فدخلوا قوة فاتحة فيها. ووضع مثل هذا لا يساعد على قيام حكم "ديمقراطي" ولو بشكل هزيل. وقد أثرت هذه الحروب والاضطرابات على وضع العربية الجنوبية، فأخرتها كَثيراً، وقضت على ما كَان فيها من حضارة، وجعلت البلاد بلاد حكومات: حكومات قبائل قرى ومخاليف وعشائر. ولو ان الحكم هو للملوك أو للاحباش أو للفرس. وبقي الحال على هذا المنوال حتى ظهر الإسلام، فقضى الحكم الاجنبي في العربية الجنوبية. ولم يتمكن الحبش من حكم العربية الجنوبية كلها. ولم يكن من السهل عليهم حكها لطبيعة اًرضها ولتركز الاقطاع فيها، وهو نظام لازم تأريخها من قبل ظهور الحم المركَزي المنظم فيها، حتى صار من تراث تلك البلاد المميز لها في التأريخ. لقد اقتصر حكم الحبش في أليمن على مدن رئيسية معينة: كونت منطقة متصلة، أما خارجها فكان الحكم فيها بيد "الأقيال" الذين ركزوا حكمهم وقووه بتآزرهم وتعاونهم. وبقي الحال على هذا المنوال ايام الفرس أيضاً. بل استطيع ان أقول إن حكم الفرس كان حكماً شكَليا، مقتصراً على بعض المواضيع، أما الحكم الواقعي فكان للاقيال. ولا عبرة لما نقرأه في الموارد الإسلامية من استيلاء الفرس على اليمن، لأن هذه المواد تناقض نفسها حين تذكر أسماء الأقيال الذين كانوا يحكمون مقاطعات واسعة في ايام حكم الفرس لليمن، وكان منهمُ من لقب نفسه بلقب ملك، وكان له القول والفعل في أرضه، ولا سلطان للعامل الفارس عليه. حكومات مدن استعلمت لفظة "حكومة" بالمعنى المجازى، فلم يكن للمدن حكومات بالمعنى المفهوم من الحكومة في الزمن الحاضر، أي رئيس مفروض على المدينة بحكم الوراثة أو بحكم القوة، أو رئيس منتخب ينتخبه أبناء المدينة أو ساداتها وأشرافها لأجل معلوم أو لأجل غير معلوم. ولم يكن لهذه المدن موظفون نيطت بهم أعمال معينة و واجبات محددة عليهم القيام بها، في مقابل أجور تدفع لهم. ولم يكن فيها مؤسسات ثابتة مثل المحاكم والشرطة لضبط الأمن والضرب على أيدي من يخلون بالأمن ويخرجون على أوامر المجتمع وقوانينه ولم يكن فها ما يشبه أعمال الحكومة المعروفة عندنا، لأن مجتمع ذلك العهد يختلف عن مجتمعنا الحديث. فمكة مثلاً، وقد كانت من أبرز مدن الحجاز في القرن السادس للميلاد، لم تكن ذات حكومة. لم يكن يحكمها ملك ولم يحكمها رئيس، وكذلك كان أمر "يثرب" و "الطائف" وسائر قرى العربية الغربية. لم يكن فها أي شيء من هذه المؤسسات الثابتة التي تكون الحكومة، والتي تتعاون لتدبير أمور الناس. وكل ما كان في مكة، أسر، يعبر عنها ب" آل" و"بني"، فيقال: "ال عبد المطلب" و"آل عبد شمس" و"آل هاشم"،و"بنو عبد المطلب" و "بنو عبد شمس" و "بنو هاشم" " وهكذا، تستوطن شعابا خصصت بها. وكل "شعِب" لمجتمع قائم بنفسه، له سادته وأشرافه، وهم وجوه الشعب، وأصحاب الحل والعقد في هذا المجتمع. ويقوم وجوه الشعب بفض ما يحدث بين أبناء الشِعْب من خلاف، وبالنظر في أمر المخالفين لأعرَاف الشعب وعاداته، وأحكامهم غير إلزامية ولا تسندها قوة تنفيذية، بل تنفذ حكم الَأعراف والأصول المرعية:وحكم وجاهة هؤلاء الرؤساء و مكانتهم عند الشعب. أما إذا حدث حادث تجاوز مداه حدود "الشِعب"، فشمل شِعباَ آخر أو عدة "شعاب"، فيكون أمر النظر فيه لسادات "الشعاب" التي يعنيها الأمر، فيجتمعون عندئذ للنظر في الامر وللبت فيه بحكمة وبأناة قدر المكان، مراعاة للجوار، واقرارا للسلم. وإذا أخفق المجتمعون في اتخاذ قرار، توسط بينهم وسطاء محايدون لفض ذلك النزاع بالتي هي أحسن. وقد ينشب خلاف بين الأحياء على أمور تمس المصالح الكبيرة الخاصة يالأسر، فتفعل هذه الأحياء عندئذ ما لم تفعله القبائل، تلجأ الى حلفائها، أو نجدد أحلافها، أو تعقد حلفاً جديداً لتدافع به عن مصالحها،كالذي كان من أمر "حلف المطيبين" وما كان من اًمر "الاحلاف"، أو من "حلف الفضول". أما ما يعلق بأمر المدينة كلها، كأمر مكة مثلاً، من امور تتعلق بأحوال السلم أو الحرب. فيترك النظر في ذلك الى "الملا" "ملاء مكة" مثلاً. وهم وجوه مكة وسادتها من كل الاسر، فيجتمعون في "دار الندوة" او في دور الرؤساء للنظر القضايا والبت فيها، فيبين الرؤساء اراهم ويتناقشون فيها، فأذا اتفقوا على شيئ الزموا انفسهم تنفيذه، وان لم يتفقوا على شيئ وكان النزاع بين المجتمعين حاداً حاول كل فريق تأليف جبهة قوية لمقابلة الجبهة المعارضة، ولمنعها من الاعتداء عليها، وقد يعمد المتخاصمون الى مقاطعة بعضهم بعضاً، مقاطعة اقتصادية واجتماعية، كالذي حدث من مقاطعة اغلب قريش لال هاشم وال المطلب، بسبب تمسك ابي طالب بابن اخيه الرسول ودفاعه عنه، فما كان من بقية قريش الا ان قررت مقاطعة "ابي طالب" ومن آزروه وانضم اليه. ونجد في مكة نوعاً من التخصص في الامور. والظاهر ان ذلك انما كان عن استئثار بعض الرجال البارزين بعمل من الاعمال، ثم انتقل ذلك منه الى ورثتهم بالارث او بالاتفاق او بالنص، ثم صار سنة اتفق عليها، كالذي ورد من امر "الرفادة" وهي ما كانت تخرجه قريش من اموالها وترفد به منقطع الحاج. وقد عرفت الرفادة انها شيئ كانت قريش تترافد به في الجاهلية، فيخرج كل انسان مالاً بقدر طاقته، فيجمعون من ذلك مالاً عظيماً ايام الموسم، فيشترون به للحاج الجزر والطعام والزبيب للنبيذ، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي ايام موسم الحج. وكانت الرفادة لبني هاشم. وذكر ان اول من قام بالرفادة "هاشم بن عبد مناف" وسمي هاشماً لهشمه الثريد. وكالذي ورد في امر "السقاية"، سقاية الحاج، وقد عرفت انها مأثرة من مآثر قريش في الجاهلية. وهي ما كانت قريش تسقية الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها "العباس بن عبد المطلب" في الجاهلية والإسلام. وكالذي جاء أمر "السدانة" مع "الحجابة". والسادن: خادم الكعبة وبيت الأصنام. وكانت السدانة في الجاهلية لبني عبد الدار، فأقرها النبيّ لهم في الإسلام. السدنة هم الذين يتولون فتح باب الكعبة واغلاقها وخدمتها. وأما "الحجاب" فهم سدنة البيت أيضاً. وذكر ان الفرق بين السادن والحاجب ان الحاجب يحجب وأذنه لغيره، والسادن يحجب واذنه لنفسه والحجبة هم حجبة البيت. ورد في آلحديث: " قالت بنو قصيّ فينا الحجابة، يعنون حجابة الكعبة " وهي سدانتها، وتولي حفظها، وهم الذين بأيديهم مفاتيحها". وكالذي ذكر من أمر "الندوة"، والندوة التجِمع والجماعة. و "دار الندوة": دار الجماعه، سميت من النادي. وكانوا إذا حز بهم أمر، ندوا اليها فأجتمعوا للتشاور. وكالذي روي من أمر "المشورة". وذلك أن رؤساء قريش كانوا إذا أرادوا أمراً استشاروا ذوي الرأي والعقل والحنكة، ومن هؤلاء "يزيد بن زمعة بن ألأسود"، وهو من "بني أسد". فكانوا اذا ارادوا أمراً ذهبوا اليه، وعرضوه عليه. فإن وافقه والاهم عليه وإلا تخير. وكانوا له أعوانآَ. وقد أسلم،واستشهد بالطائفْ. ومن الاعمال التي كانت في مكة "الاشناق". وهي الديات والمغرم. وكانت لأبي بكر، وهو من "بني تيم" فكان إذا احتمل، شيئا ًفسأل فيه قريشاً صدقوه وأمضوا حمالة من نهض معه. وإن احتملها غيره خذلوه. ويدل حذا على أن تقدير الأشناق لم يكن ثابتاً، بل كان يعود الى تقدير صاحب الأشناق. كمايدل أن غيره قد قام به. ومن أعمال مكة "السفارة" وذلك أن أهل مكة كانوا إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب بعثوا سفيراً، وإن نافرهم حيّ لمفاخرة جعوا ا لهم منافراً لينافرهم. وكانت السفارة والمنافرة في "بني عدي" عند ظهور الإسلام. وكان الذي يتولاها إذ ذاك "عمر بن الخطاب". وذكر أهل الأخبار أن "بني سهم" "الحارث بن قيس" " وكانت ا اليه الحكومة والأموال المحجرة التي سموها لآلهتهم،والتي كانوا يخصصونها من مغانمهم في السلم وفي الحرب. ومن أعمالهم "الأيسار"، وهي "الأزلام" " وقد ذكر أهل الأخبار أنها كانت في "بني جمح"، ويتولاها منهم "صفوان بن أمية". فكَان لايُسبق بأمر عام حتى يكون هو الذي تسييره على يديه. ومن الاعمال الأخرى التي ذكرها أهل الأخبار "العمارة". وكان الذي يتولاهاعند ظهور الإسلام "العباس". وكان ينهى الناس من أن يتكلم احدهم في المسجد الحرام بهجر ولا رفث ولا أن يرفع صوته. وأشار أهل الأخبار الى ما يسمى ب "حُلوْان النفر" وقالوا إن العرب لم تكن تملك عليها في الجاهلية أحداً، فإن كانت حرب اقرعوا بين أهل الرياسة، فمن خرجت عليه القرعة أحضروه صغيراً كان أو كبيراً. فلما كان يوم الفجار أقرعوا بين بني هاشم، فخرج منهم العباس، وهو صغير، فأجلسوه على المجن. وقد كانت سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحلوان النفر في بني هاشم. واهتم أهل مكة بأمر الحروب والدفاع عن مدينتهم. ويقتضي ذلك وجود أناس لهم خبرة وتجربة في الحرب، ولهم رأي في أحوالها وأصولها وحيلها وخدعها. فالحرب خدعة، ولا بد للقائد من اللجوء إلى الخدع والحيل الحربية للتغلب على خصمه. ونطراً لضرورة التهيؤ للحرب في أيام السلم، أوجد أهل مكة بعض الأعمال وعهدوا إلى أصحابها القيام بها. منها القبة والأعنة وخزن الأسلهحة وحمل اللواء والقيادة. أما "القبة" فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون اليها ما يجهزون به قريشاً. وأما "الأعنة"، فيكون صاحبها على خيل قريش في الحرب. وكانتا إلى "خالد بن إلوليد" وهو من "بني مخزوم" عند ظهور الإسلام. وذكر ان قريشاً كانوا يحفطون الأسلحة عند "عبدالله بن جدعان"، فإذا احتاجوا إلى السلاح وزعه فيهم. فبيتهه مخزن قريش للاسلحة. ويذكر ان القبائل كانت إذا حنضرت المواسم أودعت سلاحها "عبدأللّه بن جدعان"، فإذا انتهى الموسم وقررت العودة استعودته منه، وذلك لأمانته ولشرفه ولوثوق الناس به. ومن الأعمال التي لها علاقة بالحرب: "اللواء". وذكر ان "عثمان بن طلحة" وهو من "بني عبد الدار" كان اليه اللواء والسدانة مع الحجابة، ويقال: والندوة أيضفاً. و كانت هذه في "بني عبد الدار". وورد في خبر آخر ان راية "العقاب" وهي راية قريش، كانت عند "أبي سفيان" وهو من "بني أمية". و "العقاب" راية للنبي، كَما ورد في الحديث. وذكر ان إلعقأب علم ضخم " يعقد للولاة شبه بالعقاب الطائر. والقيادة: قيادة جيش مكة. وقد كانت إلى بني أمية في الغالبْ. ولكن العادة ان يتولى سادات مكهً قيادة أحيائهم في القتال. فيقود سيد كل شعب أبناء شعبه ويوجههم حيث يرى في المعركة. أما التنسيقَ بين خطط المقاتلين لانجاح المعَركة فيكون أمره الى من تسلمه قريش قيادتها العامة في الحرب من الرجال المحاربين أصحاب الرأي في الحروب. وكان "حرب بن أمية"قائد قريش في الفجار وفي ذات نكيف. ويجب ان نضيف الى ما تقدم قيادة قوافل قريش، وقد كان أمر"عير قريش" إلى "أبي سفيان" ضد ظهور الإسلام. و "عير قريش" قافلتها. وقد كانت رئاسة القوافل من الأعمال الهامة في ايام الجاهلية. وعندما تعود القافلة سالمة غانمة يستقبل قائدها استقبال الأبطال. وقد أشير في الكتابات اللحيانية والتّدمرية إلى "رئيس القافلة"،على انه من الشخصيات المهمة ا البارزة في تدمر وعند اللحيانيين. وكذلك كان أمر قائد قافلة قريش ولا شلك. وورد في الكتابات النبطية لقب آخرغير لقب: "زعيم القافلة" هو "زعيم السوق"، سأتحدث عنه فيما بعد. وذكر ان من أعمال قريش في الجاهلية، عمل يقال له "العمارة". و كَان إلى "العباس بن عبد المطلب"، بالاضافة إلى السقإية. وقد خرجت عليه القرعة يوم الفجار، فنصب رئيساً على "بني هاشم". وكان من عادة قريش والعرب - كما يزعم أهل الأخبار - انهم لم يكونوا يملّكون أحداً عليهم. فإن كان حرب أقرعوا بين أهل الرئاسة، فمن خرجت عليه ألقرعة أحضروه، صغيراً كان أو كبيراً. فلما خرجت القرعة على العباس،وهو صغير،جاءوا به،فأجلسوه على المجن. و "العمارة" عمارة البيت. وقد عدّت من مفاخر قريش. و قد أشير اليها في القّرآن: )أجعلتم سقاية الحج وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن بالله واليوم الآخر(. وقد ورد ان ممن تولاها "العباس بن عبد المطلب " و "شيبهْ بن عثمان ". وذكر ان "المشرَكين قالوا: عمارة البيت وقيام على السقاية خيرٌ ممن آمن وجاهد. وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل إنهم أهله، وعمّاره. فذكر اللّه استكبارهم واعراضَهم". أما بخصوص نظام الحكم في يثرب، فإنه لا يختلف عن طريقة نظام الحكم في مكة، فلم يكن لأهل يثرب عند ظهور الإسلام رئيس وقد حاول بعض ساداتها من الأوس والخزرج تنصيب أنفسهم ملوكاً على المدينة، غير أنهم لم يفلحوا في مسعاهم فلم ينصبوا ملوكاً عليها. والظاهر أن للمنافسة الشديدة العنيفة التي كانت بين الأوس والخزرج على الزعامة والرئاسة يداً في عدم تمكين أي أحد من سادة أ يثرب من الانفراد بزعامة المدينة وبالسيادة عليها. وقد يكون لوجود اليهود بيثرب يد في تعميق الخلاف بين "أولاد قيلة"، إذ لم يكن من مصلحتهم اتفأقهم واجماعهم على اختيار رئيس واحد قوي. فالرئيس القوي سيبسط نفوذه همن غير شك على يهود يثرب أيضاً، ويستذلهم ويجعلهم أتباعاً له. أما في حالة تشتت كلمتهم وتشاحنهم فستكون لليهود إمكانية إثارة فريق على فريق، والاستفادة من سياسة فرق تسد". وبذلك يكون أمرهم ونهيهم في أيديهم بدلاّ من أن يكون في أيدي "صاحب يثرب". وقد حاول أهل يثرب من الأوس والخزرج حل " مشكلة الحكم في مدينتهم حلاً وسطاً، على قاعدة:أن من الأوس أمير ومن الخزرج. أمير. يحكمان حكما مشتركاً، أو على التوالي، كأن يحكم سيد الأوس سنة، تم يترك الحكم لسيد الخزرج يحكم السنة التالية " ثم يعود فينسحب ليتولى الحكم سيد الأوس وهكذا، غير أن الحل لم ينجح ايضأَ، وبقيت المشكلة: "مشكلة الحكم" مستعصية غير محلولة حتى دخل ألرسول يثرب، فحلّها حلاً أزعج بعض من كان طامعاً في الحكم وكان يرغب ان يكون سيد يثرب. هذا ولم نعثر في الأخبار الواردة الينا من يثرب، على خبر يفيد وجود "ناد" في هذه المدينة على شاكلة "دار الندوة" أو نوادي الملا. والظاهر أنه قد كان للنفرة الشديدة الني كانت بين الحيين: الأوس والخزرج يد في عدم ظهور مجلس حكم موحد في هذه المدينة. فبغض كل حيّ للحيّ جعل الاتفاق فيما بينهما على تكوين مجلس واحد من "ملا" المدينة أمراً صعباَ، على حين كان ذلك ممكناًً بالنسبة لأهل مكة، لأنهم كانوا كتلة واحدة، ومصلحتهم في حكم مشترك هي مصلحة عامة. ولم تكن المنافسات عندهم بين الأسر شديدة حادة، لذلك كان من الممكن اجتماع سادات الأسر في مجلس واحد، لا سيما وهم تجار، ومن مصلحة إلتاجر تْمشية الأمور وتصريفها بالطرق السلمية، وحلها بغير تعنت ولا تشدد وغطرسة. وكان أمر "الطائف" في أيدي "ملا المدينة". يديرون شؤونها في أيام السلم والحرب، ولم يرد في الأخبار أن أهل الطائف توجوا رجلاً عليهم، فجعلوه ملكاً، ولم يرد فيها أيضاً انهم رأسوا رئيساً عليهم، بل كانت الرئاسة في عدد من الرؤساء، هم سادات البطون والأحياء. ولكَل رئيس كلمته في حيّه الذي يقيم فيه. |
وما توفيقي الا بالله
|
|
|
#140 |
|
عضو فضي
|
الفصل الثالث والخمسون
حقوق الملوك وحقوق سادات القبائل وبعد أن تكلمت على أصول الحكم عند الجاهليين وعلى الأشخاص الذين. كانوا يتولون إدارة الحكم وتصريفها، وجب أن أتكلم على حقوق الملوك وحقوق سادات القبائل على أتباعهم،أي الواجبات التي يجب أن يؤديها الأتباع إلى ساداتهم وحكامهم من طاعة ومن مال، فأقول: حقوق الملوك والملك هو السلطة العليا في المملكة وهو الموجه والمدير المدبر لأمورها. وله على أتباعه حقوق، منها: حق التسليم والخضوع والطاعة. فطاعة الملك طاعة واجبة. وله حق جباية الشعب، أي اًخذ الضرائب منه: ضرائب على الزراعة،وضرائب على التجارة، وحق إعلان النفير والحرب، والامتناع عن دفع حقوق الملوك المتفق عليها، والخروج على أمره هو خروج على الحق والقانون. هذا وانا نأسف إذ نقول اننا لا نملك كتابات جاهلية تتحدث عن حقوق الملوك وعلم الواجبات التي على الشعب القيام بها تجاههم، فما نتحدث به عن هذا الموضوع مستمد من بعض الأوامر والإرادات التي أصدرها ملوك من العربية الجنوبية، في تنظيم الأعمال وفي كيفية التجارة والاتجار أو في الضرائب التي على التاجر أو المزارع أداوها للملوك، وبعض آخر أخذ من كتب أهل الأخبار والتواريخ وكتب الشعر والنثر، وفيها نتف وردت عرضأَ عن بعض حقوق الملوك وسادات القبائل في الجاهلية الملاصقة للاسلام. والملك هو قائد شعبه إيام السلم وايام الحرب، يرأس جيشه في القتال ويختار من يشاء لقيادة الجيش. وهو القاضي الأعلى والحاكم فيما يقع بينهم من خلاف. وهو الرئيس الروحي لأمته وكاهنها في الأصل. غير ان الملوك تركَوا هذه القيادة الروحية، أي الزعامة الدينية لغيرهم، وهم رؤساء الدين، واحتفظوا بالسلطة الزمنية الني تشمل سلطة القيادة والحكم. بيت المال والملك هو صاحب اْرض الدولة والقيّم عليها. وله حق منح الأرض لمن يشاء وانتزاعها عمن يشاء، أو تأجيرها لمن يرى. والأرض عند العرب الجنوبيين هي ملك الآلهة، وليس على وجه الأرض ملك لإنسان. غير أن هذا لا يعني ان الأرض ومن عليها ملك لرجال الدين باعتبار انهم ألسنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض والممثلون لهم في هذا العالم، َفهم وحدهم إذن لهم حق ادارة الأرض واستغلالها، وذلك لأن الملوك سلبوهم هذا الحق واستبدوا به ومارسوه ونصبوا أنفسهم خلفاء على الأرض، وصاروا أوصياء الالهة على أموالها. وهكَذا فسرت قاعدة "المال مال الآلهة" تفسيراً يجعل حق الأشراف على "مال الآلهة" في هذه الأرض للملوك ولأصحاب السلطان الفعلي الحاكمين حكماً بقانون القوة، أما رجال الدين الذين يجب ان يكَونوا هم خلفاء الآلهة على الأرض والمنفذين لأوامرها، فقد خضعوا لحكم الواقع، ورضوا بما حصلوا عليه من حقوق وامتيازات، وساروا إلى جانب الملوك في الغالب، لتشابه المصلحتين، وحصل الترضي على اعطائهم حقوقأ وامتيازات واسعة، واستقلالاً في إدارة اموال المعابد، بحيث لا يكون للحكومة اي سلطان عليها، وهي مستثناة من دفع الضرائب التي يجب على سائر الناس دفعها الىْ الحكومة، فصار المعبد من ثم سلطة ذات ثرأء وسلطان تلي سلطة الحكومة ولها ضرائب يدفعها المؤمنون المتقون. والملوك هم من كبار أصحاب الملك في الدولة، فإلى جانب حقهم المتقدم في اعتبارهم خلفاء الالهة على الأرض في ادارة ملكها، نجدهم يمتلكون أرخضاً وآسعة وأملاكاً شاسعة ويتاجرون باسمهم،فيرسلون القوافل لتجارة. والأرض التي يمتلكها الملوك، هي أرضون خاضعة لهم مباشرة، لأنها ملكهم الخاص. ومعنى ذلك ان منفعتها تكون خاصة بهم. فلا يصرف منها على المصلحة العامة، إلا إذا أراد المك ان يتبرع بذلك رضاءً، وله بالطبع أن يهدي منها ما يشاء الى من يشاء، كما يفعل أي مالك، وهو يؤجر ارضه لمن يريد. ويقال لما يدفع له في مقابل ذلك "نحلث". والأرضون المفتوحة عنوة هي من حق الدولة، تضاف إلى أملاكها وتسجل باسمها وتعدّ من "بيت المال"، ويكون حق النظر في أمرها والإشراف عليها واستغلالها للملك، لأنه رئيس الدولة وحاكمها، وله الخيار في كيفية التصرف بها. له أن يعطيها للاقيال في مقابل ضريبة حربية يقدمونها له تسمى "ساولت." أو في مقابل ايجار يتفق عليه يقال له "ثوبت"، وله أيضاً أن يبيعها متى شاء، ويعبر عن ذلك ب "شامت" أي بيع. ويراد بضريبة "ساولت" أي الضريبة الحربية، تعهد أصحاب الأرض بتقديم المحاربين إلى الدولة، ويتفق على العدد وعلى وقت التقديم، ويسجل ذلك في عقد الآتفاق. ويقوم أصحاب العقد بالانفاق عليهم وبتقديم كل ما يحتاج المحارب اليه من عدة وسلاح. واالغالب ان يقوم بذلك المحارب نفسه، لأنه رجل مسخر مأمور، فهو من أتباع صاحب الأرض ينتزعه سيده من أرضه، ويرسله إلى الخدمة وقت الحاجة اليه. ولما فتح "كرب ايل وتر" ملك سبأ أرض أوسان ودهس،وفتح عنوة كل أرضى"عبدان" ومدنها وقراها وأوديتها وحصونها ومراعيها، صارت كل هذه الأرضين وما عليها من محاربين ومن مدنين أحرار عبيد ملكاً لدولة سبأ وسجلت في جملة مقتنياتها. ويلاحظ ان سلطنة العوالق العليا عدت "وادي عبدان" الذي هو في جنوب "نصاب" من "أرض الدولة" أي من أملاك السلطان ومن أرض "بيت المال" ورقبتها بيد "سلطان العوالق". وبالاضافة إلى الأرضين المفتوحة عنوة،ضم ملوك سباً إلى أملاك الدولة أرضين اشتروها شراءً، واشتروا كل ما كان عليها من ناس وحيوان وزرع. فقد كان المشتغلون بالأرض يعدون تابعين لها فيباعون معها وهم ملك لها. وهم طبقة خاصة من طبقات عبيد الأرض. ولم تتحدث الكتابات عن حقوق الملك وعن مدى صلاحياته في الحكم، ولكننا نستطيع ان نقول قولاً عاماً إن سلطات الملك كانت كسلطات الملوك الاخرين في الأقطار الأخرى، تتوقف على شخصية الملك وسلطانه وقدرته، فهو ملك ذو سلطان واسع مطلق، أوامره قوانين، وارادته مطاعة، يحد سلطان المتنفذين ويخضعهم لحكمه إن كان الملك صاحب شخصية قوية وعزم،وهو مغلوب على أمره يحكم اسماً إن كان ضعيفأ خائر العزم، وتحكم المملكة العناصر القوية صاحبة السلطان من ابناء الأسرة المالكة، أو من سادات القبائل أو رجال الدين، فعلى هذه الأجوال إذن كانت تتوقف سلطات الملك وأعماله في المملكة. وللملوك حق يسمى "حق الإحماء". فإذا اعجب الملك بأرض أو بعشب، أعلن حمايته لتلك الأرض، أو لذلك العشب، فلا يِسمح عندئذ لأحد بدخول "الحمى" اي المكان المحمي دون اذن الملك أو الشخص المخول من الملك بهذا الحق. ويدخل فيَ هذا الحق حق حماية الحيوان أو النبات. وكان ملوك الحيرة يحمون الأرضين والحيوانات،كالإبل والخيل والكباش،، فتكون لهم، لا يسمحون لغيرهم بالانتفاع منها. ولما وثب "علباء بن ارقم اليشكري" على كبش للنعمان ابن المنذر، كان من أحماه، أي جعله حمى، فذبحه، حمل إلى النعمان، فاعتذر اليه وعفا عنه. وكان "النعمان بن المنذر" يحمي مواضع عديدة قرب الحيرة وعلى مبعدة منها. ترعى فيها إبله وبهائمه، منها أرض "سحيل". أرض بين الكوفة والشام. أموال الدولة ذكرت ان الأرض هي ملك الآلهة في نظر العرب الجنوبيين، وان "المكروبن" والملوك هم خلفاء إلالهة على الأرض، وهم المسؤولون عن الأرض وعن الملك وعن تطبيق أوامر الالهة ونواهيها بن الناس. وهم حماة الملكية. وكل أرض الدولة هي ملك الحاكم من حيث المبدأ،والحاكم هو الذي يقر الملكية ويثبتها لأتباعه ويحافط عليها. والملكية بصورة عامة، إما أن تكون ملكية الدولة، وإما أن تكون ملكية الملك أو الحكام، أي أملاكهم الخاصة بهم المسجلة باسمهم، وإما ان تكون من أملاك المعابد، من أوقاف وغيرها وإما أن تكون من ملكية أشخاص وهي: أملاك ثابتة، أي غير منقولة، مثل أرض وبئر وحدائق وبساتين، وأموال منقولة مثل: بهائم وأثاث وغير ذلك مما يمكن نقله من مكان إلى مكان. وأعني بأرض الدولة، أرض الفتوح. وهي كل أرض تفتتح عنوة، فتعد مالا من أموال الدولة، وتسجل باسم الدولة، كأن تسجل باسم شعب مَعين أو شعب سبأ، وتقيد عند تسجيلها باسم الهة ذلك الشعب، باعتبار انها هي المالك الحقيقي الشرعي. وتقوم الحكومة بإدارتها وبالاشراف عليها وباستغلالها واستثمارها إما مباشرة، أي بتعينن موظفين لإدارتها، وإما بإعطائها اقطاعا أو كراءً إلىغير ذلك من طرق الاستثمار. ويسجل وارد هذه الأملاك باسم الدولة ويدخل في خزانتها، وينفق منه على المشاريع العامة، وفي ضمنها رواتب الموظفين وأجورالمشتغلين في إدارة هذه الأملاك. ويمكن تسمية أرض الدولة بأرض السلطان أو أرض "ميرى" أو "أرض سنَية" في المصطلح الحديث. ومن أملاك الدولة: الصوافي. وهي الأرضين التي استولي عليها وكانت تابعة لحكومة سابقة. فتكون حقاً من حقوق الدولة المنتصرة وغنيمة لها. وتدخل فيها الأملاك واللأرض التي جلا عنها أهلها أوماتوا ولا وارث لها. ففد كان الملوك يستصفون الأرضين التي يستولون عليها بالقوة ويجعلونها ملكاً لهم. وهي غير "الصفايا"، أي ما يختاره الرئيس من المغنم ويصطفيه لنفسه قبل القسمة من فرس أو سيف أو غيره. والصوافي في الإسلام: الأملاك والأرض التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها. والضياع التي يستخلصها السلطان لخاصته. وكانت "صفية" بنت "حيي" من الصفايا، اصطفاها الرسول لنفسه من غنيمة "خيبر". أموال الملوك وإلى جانب أموال الدولة، توجد اموال الملوك. وهي اموالهم الخاصة بهم والمسجلة بأسمائهم لأنها ملك لهم. يتصرفون بها تصرفاً مباشراً، أو يؤجرونها لأتباعهم في مقابل أجر يقال له "نحلت". والعادة ان الذي يستأجرها هم كبار الناس وسادات المجتمع يأخذونها منهم بشروط سهلة، ثم يؤجرونها لمن هم دونهم بشروط صعبة، للاستفادة من الفرق بين سعري الإيجارين. وقد يؤجرالملوك إلى قبيلة، وتكون القبيلة مسؤولة كلها امامه على الأرض. فيذكر في العقد اسم القبيلة المستأجرة باعتبار أنها هي التي أجرت ذلك الملك. إلا أن الغالب هو أن سادات القبائل، هم الذين يتصرفون بالأرض المستأجرة، فيؤجرونها إلى اتباعهم بشروط ثقيلة. ليربحوا من الفرق. ويكونون هم المسؤولين عن تقديم ال "نحلت" أي بدل الإيجار إلى الملوك. ويحدث في كثير من الأوقات ان كبار الاقطاعيين وكبار سادات القبائل، يستأثرون بأملاك الدولة وبأملاك الملوك، ويتصرفون بها تصرفاً اعتباطياً،ولا تتمكن الحكومة من عمل شيء تجاههم لنهم أقوياء، لذلك تضطر الدولة إلى مداراتهم ومسايستهم، بأن تأخذ منهم "نحلت" "نحلة"، أي أجراً رمزياَ، يكون بمثابة اعتراف منهم بأن الأرض التي استأثروا بها هي ملك للدولة وللملوك.ويقومون هم باستغلالها وبالتصرف بها كيف يشاؤون. ولا يزال هذا الوضع معروفاً حتى اليوم، فقد كان سادات القبائل قد وضعوا أيديهم على أرضين "حكومية" أي "ميري"، وتصرفوا بها وكأنها ارض تملك "طابو" في مقابل اجر رمزى زهيد، ومنهم من استولى عليها وسجلها باسمه، فصارت ملكاً صرفاً له. بعد بذله مبلغاً زهيداً اعتبر ثمناً لتلك الأرض. الأوقاف وقد كانت المعابد اوقاف حبست عليها، ولها موظفون لجياية غلتها، وهي أوقاف قديمة سجلت باسم المعابد منذ كان الكهان "المكربون" يتولون أمور الحكم. وأوقاف كان يحبسها الآغنياء الأتقياء في حياتهم أو بعد وفاتهم على المعابد، قربةً إلى الآلهة. وهي معفوة من الضرائب، فلا تدفع للحكومة اي ضريبة. لانها أملاك المعبد. ويدفع المستغلون للاوقاف حق التصرف بالاوقاف إلى المعبد، لأنه هو المالك الشرعي للوقف. كما ساتحدث عن ذلك بالقسم الخاص بالمعبد. وكان أهل الجاهلية يحبسون السوائب والبحائر والحوامي وما ألشبهها، فلا يعتدي عليها ولا يستغلها احد. فلما جاء الإسلام، نزل القرآن بإحلال ما كانوا محرمون منها وإطلاق ما حبسوا. وعرف ذلك ب "الحبس". وكانوا في الجاهلية يحبسون مال الميت ونسائه. كانوا إذا كرهوا النساء لقبح أو قلة مال حبسوهن عن الأزواج لأن أولياء الميت كانوا اولى بهن عندهم. " وفي حديث ابن عباس: لما نزلت آية الفرائض قال النبي، صلى الله عليه وسلم: لا حبسى بعد سورة النساء، أي لا يوقف مال ولا يزوى عن وارثه "، إشارة إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من حبس مال الميت ونسائه. وكانوا يحبسون الأرض والنخل والكروم وغير ذلك على أصنامهم، ويجعل بعضهم غلتها على ابناء السبيل.وذكر ان "الحبس"يقع على كل شيء وقفه صاحبه وقفا محرماً لا يورث ولا يباع من ارض ونخل وكرم ومُستغل. سمات الملك وكانوا يسَمون إبل الملوك وماشيتهم بسمة خاصة، لتكون علامة على انها من ملك الملوكَ والدولة. كما كان إلأشخاص يَسِمون إبلهم وماشيتهم بسمات خاصة بهم، لتكون دلالة على تبعيتها لصاحب "الميسم". والوسم أثر الكي.والميسم: هو الحديدة التي يكوى بها، واسم للالة التي يوسم بها. والأصل في الوسم أن يكون بكي، ثم أطلقوه على كل علامة، مثل قطع في أذن أو قرمة تكون علامة، أو ضروب الصور.وكان الرسول يسم إبل الصدقة بميسم، أي يعلم عليها بالكي. ووضعوا الريش علامة وسمة لجمالهم، ليعرف من يراها انها من إبل الملوك، فلا يقترب منها. وكانوا إذا أرادوا تشريف أحد، حملوه على هذه الإبل أو أهدوه منها. "ومن المجاز: أعطاه،اي النعمان النابغة مائة من عصافيره بريشها،. اي بلباسها وأحلاسها. وذلك لأن الرحال لها كالريش أو لأن الملوك كانت إذا حبت حباءً جعلوا من أسنمهّ الإبل ريشاً، وقبل ريش قنعامة، ليعرف انه من حباء الملك". وذكر ان الملوك كانوا يضعون الريش في أسنمة الإبل وتغرز فيها، وكانت تجعل الريش علامة لحباء الملك تحميها بذلك وتشرف صاحبها. وقد عرفت إبل المك "النعمان بن المنذر" بأصالتها وبجودة جنسها وبنجابتها. وذكر ان أكرم فحل كان للعرب من الإبل كان يسمى عصفوراً، وتسمى أولاده عصافر النعمان. وكان إذا وهب منها لأحد عدّ ذلك تقديراً وتعظيماً له. حتى كانوا يقولون: "حباه بكذا وكذا من عصافيره"، و "وهب له مائة من عصافره". وذكر ان من فحول إبل "النعمان" الأخرى "داعر" و "شاغر"و "ذو الكبِلين". ولأهمية السمات في ذلك الوقت، وضعوا لها أسماء، ذكرت في كتب اللغة ولأخبار. منها: السطاع، والرقمة، و الخبا ط، والكشا ح، والعلاط، وقيدا لفرس، والشعب، و المشيطفة، والمعفاة، والقرمة، والجرفة، والخطاف،والدلو والمشط، والفرتاج، والثؤثور، والدماغ، والصداع، واللجام،والهلال، والخراش، والعراض، واللحاظ، و التلحيظ، والتحيين، والصقاع،و الدمع. اتجار الملوك وسادات القبائل ولم تكن الموارد المذكورة لتسدّ حاجة الملوك، وسادات القبائل، لذلك عمدوا إلى موارد أخرى لاستنباط المال منها، فعمدوا إلى التجارة وتربية الأنعام وإلى إقامة بعض المصانع وتنمية أرض التاج وزراعتها لبيع حاصلها وساهموا في البيع والشراء في الاسواق، فكان لهم وكلاء ينقلون أموال الملوك إلى الأسواق لبيعها فيها، ولشراء ما يحتاج اليه الملك من تجارة أخرى يستطيع تصريفها في أسواق أخرى، تكون هذه البضائع عزيزة ثمينه فيها، ولم يكن الاتجار بالأسواق أمراً خاصاً بالملوك العرب، وإنما كان ذلك عرفأَ متبعاً عند غيرهم من الملوك، مثل الأكاسرة والقباصرة وملوك العبرانيين. فمن ذللث ما روي من انه كان للنعمان بن المنذر وغيره لطائم، عير تحمل الطيب والمسلك وبز التجارة، تذهب إلى الأسواق لبيعها فيها، ولتأتي بتجارة جديدة. وقد ذكر ان "اللطيمة" وعاء الطيب أو سوقه، وقيل كل سوق بحلب اليها غير ما يؤكل من حر الطيب والمتاع غير الميرة: لطيمة. والميرة لما يؤكل. والطأئم هي الأسواق التي تباع فيها العطريات. وفي جملة ما يباع فيها "بالات" المسك، أي اًوعية المسك. ويظهر من نصوص المسند اًن الملوك كانوا قد أسسوا دوراَ للنسيج، يباع ما تنتجه في الأسواق. وقد اشتهرت اليمن بأنسجتها المختلفة المتعددة. فكانت دور النسيج من جملة الموارد التي تأتي بالمال الى أولئك الملوك. غنائم الحروب وللملوك مورد آخر من موارد دخلهم، هو غنائم الحروب. فإن ما يغنمه جيشهم من مال وأشياء ثمينة واًسرى يكون ملكاً للملوك،وإذا فاض عدد الأسرى عن حاجة الملوك باعوهم في أسواق النخاسة، للاستفادة من ثمن بيعهم. أما إذا قرر الملك الاحتفاظ. بالأسرى، فإنهم يستخدمون في أعمال كثيرة، مثل الخدمة م في الجيش، أو الاشتغال بشق الطرق وانشاء الأبنية والعمل في الأرض، إلى غير ذلك من أعمال يشغلون بها باعتبار انهم رقيق. وقد يهدي منهم الملوك إلى المقربين اليهم، ولا سيما بعد انتهاء الحرب أو الغزو واحصاء الأسرى، فقد يختار الملك لنفسه أجل الأسيرات. وقد يعطيهن هدايا إلى من يشاء من قواد جيشه ومن كبار موظفيه والمقربين البه. وتشمل غنائم الحرب كل ما يقع في أيدي المنتصر من غنيمة، لا فرق عنده إن كانت من أموال الحكومة الخاسرة أو من أموال سيد القبيلة المغلوب، أو من أموال الأتباع والرعية. فقانونهم في الحرب ان كل ما يقع في أيدي الغالب هو ملك له، ان كانت الغنيمة من أموال الحكومة أو من أموال الرعية فالرعية ملك للملك، وملكها ملك للغالب بحق القوة، وهي نفسها ملك له يتصرف بها كيف يشاء. لذلك تكون غنائم الحروب مورداً حسناً بالنسبة للغالب، لا سيما إذا كان المغلوب من أصحاب الثراء والمال ومن الحضر. وكان الأمير في الجاهلية يأخذ الربع من الغنيمة، وجاء الإسلام فجعله الخمس وجل له مصارف. ومنه قول: عدي بن حاتم الطائي: ربعت في الجاهلية وخمست في الإسلام. أي قدمت الجيش في الحالين. الاقطاع والاقطاعيون والاقطاع معروف بين الجاهليين، وخاصة بين أهل العربية الجنوببة. وقد كان اقطاعاً للارض لتستغل زراعة، واقطاعاً لاستغلال ما فيها من ماء أو معدن مثل الملح. وكان الملوك يقطعون أملاك الدولة لمن شاعوا، كما فعل المعبد ذلك، إذ كان يقطع الأرض المحبوسة باسمه لمن يشاء من الناس. وقد كانت العادة في اليمن جارية بإقطاع المعادن والمياه لأصحاب السلطان، كأن يقطع "الملح" لشخص ليستغله، فيشغل من يريد في استخراجه وبيعه. وقد وردت في الكتابات الجاهلية إشارات إلى استغلال معادن الملح، والى إقطاعها الأشخاص يستخرجون الملح منها في مقابل أجر يدفع عن ذلك الإقطاع. وقد بقيت هذه العادة إلى الإسلام، فقد ورد في كتب الحديث: أن "الأبيض بن حمال" استقطع رسول الله ملح مأرب،فأقطعه. ولما ذكر "الأقرع بن حابس" للرسول أنه قد ورد ذلك الملح ورآه، وانه مثل الماء العد بالأرض، من ورده أخذه، وان إقطاعه له يمنع الناس من وروده، فاعتدهُ الرسول صدقة، وجعله مثل الماء العِدّ. والإقطاع يكون تمليكاً وغير تمليك. فإذا كان تمليكاً، صار له ليس لأحد حق مزاحمته عليه ولا استثماره، ويكون عندئذ ملكه. وله حق تأجيره. لغيره أو اعطائه في مقابل حق يعينه في الحاصل والناتج.وقد كان الملوك في العربية الجنوبية يقطعون أصحاب الجاه والسلطان وسادات القبائل الإقطاعات،فتولد من هذا الإقطاع كبار أصحاب الأرض، وصار لهم سلطان واسع بحكم ما حصلوا عليه من مال وقوة وجاه. حتى صاروا يتدخلون في شؤون الدولة الداخلية. وأما الإقطاع الثاني، وهو إقطاع من غير تمليك فإنه إقطاع لأمد قد يحدد بزمن، وقد لا يحدد بزمن، وذلك بشروط تثبت وتحدد في عقد الاتفاق،كأن يتفق على أن يقدمّ من يقطع له الإقطاع ثلث الحاصل أو الغلة أو الربع أو ما شابه ذلك، أو أن يقدم مبلغاً مقطوعاً أو عيناً يذكر ويثبت مقداره، أو خدمةا معين للدولة أو للمعبد القطاعي صاحب الملك مثل تقديم عدد معين من المحاربين وقت الطلب ومقدار معين من مال أو عين. وقد لا يستغل الإقطاعي اقطاعياته، وإنما يقوم بإقطاعها للاقطاعيين الصغار، أو يؤجرها لمن هم دونهم في المكانة ليقوموا هم باستغلال ما استأجروه، وقد يعطيها للفلاحين للاشتغال بها بشروط يتفق عليها معهم. ويكون الإقطاعي قد استفاد من إقطاعه من غير تعبِ أو جهد. وفي الكتابات الجاهلية ان سادات القبائل كانوا يملكون اقطاعيات واسعة يديرونها باسم قبائلهم، وقد تزيد اقطاعياتهم عن حاجات القبيلة، لذلك يؤجرونها لقبائل اخرى تكون في حاجة إلى الأرض في مقابل خدمات تؤديها للقبيلة المؤجرة صاحبة الأرض وفي مقابل حقوق عينية تثبت وتعين وتدفع عند حلول الآجال المعينة في العقد. وتعتبر القبيلة التي تستغل الارض نفسها تابعة للقبيلة التي تملك الأرض. وللفقهاء اراء في الاقطاع في الإسلام، بأنواعه: اقطاع التمليك، واقطاع الإرفاق، واقطاع الموََات. وقد عاش الاقطاعيون على استغلالهم لخيرات الأرضين الواسعة التي امتلكوها، والتي درت عليهم أموالاً طائلة، خلقت لهم قوة مهابة في البلاد، صيّرت بعضهم حكومة في داخل حكومة. عاشوا في قلاع وقصور حصينة حمتها حصون متينة، لهم أتباعهم وحرسهم، وصارت لهم سطوة لا تقل عن سطوة كبار رجال الدين، بل زادت على سطوتهم فيما بعد الميلاد، حيث صاروا ينافسون الملوك ويَتحدَّون إرادتهم في كثير من الأحايين، مما أقلق الوضع السيامي، وهز صرح الحكومات. وأوجد مجالاً لتدخل الأحباش في شؤون اليمن. حقوق سادات القبائل وامتيازاتها ولسادات القبائل بحكم منازلهم ومكانتهم في قومهم امتيازات وحقوق، ولهم في مقابلها واجبات عليهم أدبياً تبعة القيام بها لرعيتهم، وهم أفراد القبيلة. وفي جملة حقوق سيد القبيلة حق "المرباع" وهو حقه في أخذ ربع الغنائم إذا وقع الغزو. وأخذ "المرباع" هو من أمارات الفخر والجاه والرئاسة عند العرب ولذلك كان يتباهى به من له هذا الحق، ويفتخر أهله بهذا الحق، لأنه من سيماء الرئاسة والشرف. وقد افتخر "الزبرقان بن بدر التميمي" أمام الرسول بأنه من حي كرام، فلا حي يعادلهم منهم الملوك وفيهم يقسم الربع، أي انهم كانوا يأخذون ر الغنيمة خالصا، وهو المرباع. وكان "عديّ بن حاتم" ممن يأكل "المرباع". ويروى ان الرسول قال له: "انك لتأكل المرباع وهولا يحل لك في دينك". وقد عرف سادات القبائل الذين يأخذون المرباع ب "ذوي الاكال"، ولهم مقام عندهم بالطبع، ولهذا منحوا امتيازات في الغنائم، فوقّتهم على سائر الناس. وقد ذكرهم "ابن حبيب السُّكري"، فقال عنهم: "ذوو الآكال من وائل. وهم أشراف كانت ألملوك تقطعهم القطائع. فاًما مضر، فكانوا لقاحالا يدينون للملوك إلا بعض تميم ممن كان باليمامة،ما صاقبها. فذوو الآكال: قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبدالله ذي الجدين بن عمرو بن الحارث ابن همام بن مرّة بن ذهل بن شيبان. وكان كسرى أطعمه الأبلة وثمانين قرية من قراها، ويزيد بن مسهر بن أصرم بن ثعلبة بن أسعد بن همام بن مُرّة بن ذهل بن شيبان، والحارث بن وعلة بن المجالد بن يثربي بن الزبّان بن الحارث ابن مالك بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة ". وذوو الاكال، سادة الأحياء الآخذين للمرباع وغيره. قال الأعشى: حولي ذوو الآكال من وائل كالليل من باد ومن حاضر والمرباع حق قديم نجده عند أكبر القبائل، وظل إلى مجيء الإسلام،لا ينازعها عليه منازع من القبيلة، فكان الحارث بن عبدالله بن بكر بن يشكر المعروفون بالغطاريف ياخذون ربع ما يغنم الأزد جميعاً، لأن الرئاسة في اللأزد كانت لهم. ومن أكل "المرباع" "عامر الضحيان"، وكان سيدّ "النمر بن قاسط"في الجاهلية وصاحب مرباعهم. ومن "المرباع" جاءت "الرباعة"، بمعنى الرئاسة. يقال هو على رباعة قومه، أي سيدّهم. ويقال: ما في بني فلان من يضبط رباعته غير فلان، أي أمره وشأنه الذي عليه. ويقال: لا يقيم رباعة القوم غير فلان. و"الرباعة" الحال والطريقة والإستقامة. وفي كتاب الرسول للمهاجرين والأنصار: انهم أمة واحدة على رباعتهم. أي على استقامتهم. واًمرهم الذي كانوا عليه. ولسيد القبيلة حق اخر مفروض على قبيلته، هو حق "الصفايا"، وهو ما يصطفيه الرئيس لنفسه من الغنيمة من فرس وسلاح أو جارية وغير ذلك من الأموال قبل القسمة. وكانت "صفيةّ بنت حيي" في جملة الصفايا التي اصطفاها الرسول لنفسه يوم خيبر، ومنه قيل للضياع التي يستخلصها السلطان لخاصته "الصوافي". وقيل: الصفايا ما يصطفيه الرئيس لنفسه دون أصحابه مثل الفرس، وما لايستقيم أن يقسم على الجيش لقلته،كثرة الجيش. وقيل أيضاً الصفى أن يصطفى الرئيس لنفسه بعد الربع شيئأً كالناقة والفرس والجارية.والصفى في الإسلام على تلك الحالة. ثم له حق "النشيطة"، وهو ما أصاب من الغنيمة قبل أن يصير إلى مجتمع الحي. وقيل: النشيطة من الغنيمة، ما أصاب الرئيس في الطريق قبل أن يصير إلى بيضة القوم. وقيل: ما يغنمه العزاة في الطريق قبل بلوغهم المواضع التي قصدوها، أو ما أنشط من الغنائم ولم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب. وأما الفضول، وهو حق آخر من حقوق الرئيس، فهو ما عجز أن يقسم لقلته وما فضل عن القسم فيخصص به، كالبعير والفرس ونحوهما. وقد أشير إلى حقوق سيد القبيلة المدكورة في هذا البيت من الشعر المنسوب إلى عبد الله بن عنمة الضبي، أو إلى الأفوه الأودي: لك المرباع منا والصـفـايا وحكمك والنشيطة والفضول الحمى ولسيد القبيلة حق "الحمى"، وهو من أمارات عزه وشرفه وسيادته. فكان إذا مر سيد قبيلة برمضة أعجبته، أو بغدير أعجبه، أعلن حمايته عليها أو عليه إلى حد يعينه ويثبته، فلا يقترب أحد من ذلك الحد، وهو في ذلك مثل الملوك في هذا الحق. ولهذا لم يتمتع بهذا الحق إلا سادات القبائل الكبار أصحاب العز والجاه وكثرة العدد، مثل "كليب وائل" سيد ربيعة، وكانت رئاسة مضر وربيعة له في أيامه، وكان من عزه انه إذا مر بمكان أعجبه كنع كليباً له ثم رمى به هناك، فلا يسمع عواء ذلك الكليب أحد، فيقرب ذلك الموضع. فكان يقال: "أعز من كليب وائل". وقد تفرد العزيز من سادات القبائل بالحى،وعدّ وه من أمارات العز والمنعة، فلا يناله إلا كبار سادات القبائل. وذكر ان "كليب وائل كان متغطرساً، حتى كانت غطرسته هذه سبب قتله. والى ظلمه وتعسفه، وأخذه الحمى، أشار "العباس بن مرداس" يقوله: كماكان يبغيها كليب بظلـمـه من العزحتى طاح وهو قتيلها على وائل اذ يترك الكلب نابحاً وإذ يمنع الأفناء منها حلولهـا والحمى الأرض التي تحمى من الناس فلا يرعى فيها إلا بموافقة من حماها. وقد،جعله بعضهم: "موضع فيه كلأ محمى من الناس أن يُرعى". وذكروا أنه "كان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلداً في عشيرته استعوى كلباً فحمى لخاصته مدى عواء الكلب لايشركه فيه غيره، فلم يرعه معه أحد.وكان شريك القوم في سأئر المراتع حوله ". ويظهر من غربلة ما ورد في الآخبار عن "الحمى"، أنه كان على نوعن: حمى دائم أو طويل الأجل، وهو الأرض المخصبة الجيدة المنبتة التي تتوفر فيها المياه، أو تكون المياه فيها قربية من سطح الأرض، فينتقيها كبار سادات القبائل ويجعلونها حمى دائماّ لهم ولأسرتهم، وقد يحولونه إلى ملك لهم، يتوارث توارث الإرث، ويكون لمن هو من الأسرة التي حمته، أو لمن خصمص الحمى باسمه. ومن هذا القبيل "حمى ضرية"، مرعى لإبل الملوك، ومراعي الملوك الأخرى. وحمى آخر، يكون قصير الأجل بالنسبة للحمى الأول. فقد يحمى لموسم وقد يحمى لمواسم فأجله سرتبط بأجل الغيث الذي ينزل عليه. فإذا جاد ووصل الأرض وأنبتها نباتاً حسناً وكساها بساطاً أخضر، بقي حامي الحمى به، وإد انحبس المطر عنه، وجفَّ كل شيء به، ورفع ذلك البساط عنه، وظهرت عبوسة الرمال والتربة المتهشمة من نحته، فقد يهرب حاميه منه ليفتش عن أرض أخرى يعيش عليها، فيصير الحمى عندئذ بلا حام، إلا إذا عاد الغيث اليه، وعاد صاحبه ليجدد عهده به، وليثبت حق حمايته عليه، وإلا، فقد يصير في حماية شخص آخر قد ينزل به قبله، ويكون لديه من القوة والمنعة ما لا يستطيع أحد من زعزعته عنه. ولا بد وان نحدد حدود الحمى وان تثبت له أنصاب وعلامات، حتى يكون الناس علي بينة من حسوده فلا يدخلونه. ونجد في الكتب التي دوّنها الرسول للوفود الي زارته، والتي حمى لها أحمية، حدوداً ومعالم دونت أسماؤها فيها، وقد تثبتت مساحتها في بعض الكَتب، مما يدل على ان مايرويه أهل الأخبارمن قصة تعيين حدود الحمى بعواء كلب أو بركضة فرس أسطورة من أساطير أهل الأخبار. ومن أشهر مواضع الحمى في جزيرة العرب: حمى ضرية. وقد عرف في ايام ملوك كندة ب "الشرف" وهو "كبد نجد"، وكانت به منازل الملوك من بني آكل المرار. ثم عرف ب "ضرية" في وقت لا نستطيع نحديده تماماً، ويذكر علماء اللغة ان "ضرية" امرأة سمي الموضع بها، وهو بأرض نجد، وبه يئر. ويظهر ان اسم "ضرية" كان معروفاً في ايام ملوك كندة من بني آكل المرار، ولكنه كان اسم موضع من مواضع الشرف، ثم اشتهر، فسمي به هذا الحمى: حمى ضرية. وذكر بعض أهل الأخبار ان "ضرية" أكبر الأحماء، وقد سميّ ب "ضرية بنت ربيعة بن نزار.". قال "ابن السكيت": "الشرف كبد نجد و كَان من منازل الملوك من بني آكل المرار من كندة. وفي الشرف حمى ضرية وضرية بئر. وفي الشرف الربذة وهي الحمى الأيمن. وفي الحديث ان عمر حمى الشرف والربذة ". ويظهر من هذا الوصف ان "الشرف" أرض واسعة بنجد. منها الربذة وهو الحمى الأيمن لمن يتجه إلى الجنوب فيوجه وجهه نحو البحر العربي ويجعل قفاه إلى العراق وبادية الشام وبلاد الشام، ومنها حمى "ضرية"الشهير. وذكران أول من حمى "ضرية" في الإسلام "عمر" حماها، لإبل الصدقة وظهر الغزاة، وكان ستة أميال من كل ناحية من نواحي ضرية وضرية في وسطها. و"ضرية" من مياه "الضباب" في الجاهلية، وكانت لذي الجوشن الضبابي، والد شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسينْ. وورد أنها كانت حمى "كليب بن وائل"، وان في ناحية منه قبره، وكان الناس يقصدونه. ومن الحمى، حمى فيد. قرب أجأ وسلمى جبلي طيء، على طريق حاج العراق إلى مكة. وذكر أن فيداً فلاة في الأرض بين أسد وطيء في الجاهلية، فلما قدم "زيد الخيل" على رسول الله أقطعه "فيد". وبها قرية "فيد"،سميت ب "فيد بن حام" أول من نزلها. وهي من القرى الجاهلية. وقد أشار "ياقوت" إلى أحماء أخرى. منها حمى الربذة وحمى النير وحمى ذو العثرى وحمى النقيع. وذكر أن ب "النير" قبر كليب وائل. وأن الخليفة "عمر" حمى "النقيع" لخيل المجاهدين ولنعم الفيء، فلا يرعاها غيرها. ولا يعقل أن يكون "كليب وائل" أول من حمى الحمى في الجاهلية. والظاهر ان شطط "كليب" وتعسفه" في الإكثار من الحمى، وشدة منعه الناس الغرياء من الرعي في احمائه، جعل أهل الأخبار ينسبون مبدأ الإحماء اليه. وقد تكون لفظة "كليب" التي صارت وكأنها اسم كليب مع أنها لقب في الأصل، هي التي أوحت إلى ذهب أهل الأخبار، بابتكار قصة استنباح "كليب" جهرواً، ليكون مدى انقطاع سماع نباحه وعوائه نهاية الحمى، أي حدوده. ونجد بعض أهل الأخبار يجعلون حدود الحى المواضع التي تصل اليها الخيل وهي جارية، فتقف عندها من التعب. فيكون الحمى بهذه الطريقة أكبر وأوسع من الحى المحدد بنباح كاب. وفي أرض "بني أسد" "حزن"، كانت ترعى فيه إبل الملوك. وهو قف غليظ بعيد من المياه، فليس ترعاه الشياه ولا الحمر، وليس فيه دمن ولا روث. اليه أشير في قول الأعشى: ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليه مسيل هـطـل ويتبين من دراسة ما أورده أهل الأخبار عن الحمى، أن الأحماء لم تكن أرضين صغيرة حدودها ضيقة بحدود مدى سماع عواء الكلب، بل انها كانت أكثر من ذلك بكثير. كانت مقاطعة كبيرة تظم آباراً وعيوناً وقرى في بعض الأحيان. وقد حصل عليها أصحابها من الحروب والغزو في الأصل. فعندما يغزو سيد قبيلة، قبيلة أخرى، كان يختار لنفسه خيرة الأرضين فيجعلها في حماه. فنشأ الحمى في الأصل هو من الحروب والغزو، أي من الغنائم التي تقع في أيدي المنتصر، ومن الهبات التي يعطيها ملك لأشراف شعبه ولقادته في السلم أو في الحروب، فتحمى لهم ولا يدخلها أحد غيرهم، إذ صار حكمها حكم الملك. وذكر أن الملوك إذا جاءتها الخرائط بالظفر، غرزت فيها قوادم ريش اسود. دواوين الدولة ولا بد وأن يكون لكل حكومة مهما كان حجمها وشأنها دواوين وسوائر لتنفيذ ما تقرره من أوامر وأحكام، ولجباية ما تفرضه من حقوق على رعينها،ولاحقاق الحق بين الرعية وللدفاع عن حدودها ولضبط الأمن في أرضها، ولا يمكن تصوروجود حكومة، بدون وجود ما ذكرته. وقد سبق لي أن ذكرت ان قصور الملوك في العربية ألجنوبية كانت موضع حكمهم ومقر عملهم، ولهذا السببُ ذكرت أسماؤها في القوانين،لتكنى بذلك عن صدررها بأمر من الملك وبموافقته عليها. والمفروض ان أولئلك الملوك كانوا قد خصصوا جناحاً أو أجنحة فيها لجلوسهم مع مستشاريهم وكبار موظفيهم للنظر في شؤون الحكم، أو لاستقبال الرسل والوفود الذين يقصدونهم من الخارح أو من داخل المملكة لمقابلتهم ولعرض ما جاؤوا به من رسائل أو طلبات عليهم، وان هنالك مواضع في يجلس فيها الملوك للاستماع إلى شكاوي الناس وظلاماتهم، ومواضع لجلوس الكتاّب وموظفي القصر، ومواضع لخزن السجلات والوثائق. فقصور الملوك، اذن هي بهذا المعنْى، دار الحكم الأولى في تلك الحكومات، والمرجع الأول للرعية في علاقتها وصلتها بصاحب المملكة. ذلك ما كان بالنسبة إلى عواصم الملوك، أما بالنسبة الى بقية أجزاء المملكة، فإن الحكم فيها هو إلى ولاة وعمال ثم إلى من هم دونهم في المنزلة والدرجة.وبيوتهم هي دور حكمهم يجلس العامل أو الوالي أو "الكبير" في جناح من بيته، ليأتيه من يريد مقابلته من موظفين وكتبة ليقصوا عليه ماعندهم من أخبار وطلبات، وليملي عليهم ما يراه من أحكام وأوامر. وفي هذا البيت أيضا ًيستقبل الضيوف وأعيان البلد وأصحاب الشكاوي والمراجعات. وفيها يقيم مع عائلته. فبيوت الحكام اذن، هي دور اقامة ودور حكم وقضاء بين الناس في ان واحد. وأما ما ورد في روايات أهل الأخبار من أن ملوك الحرة كانوا قد اتخذوا قصورهم مكاناً للنظر في أمور رعيتهم، ولاستقبال الرسل والوفود، وللاستماع إلى ظلامات الناس وشكاويهم، وانهم كانوا قد أوكلوا أمر ادخال الرعية عليهم إلى حجاب معينين، لا يسمحون لأحد بالدخول على الملك إلا بعد أخذ اذن منه بذلك، فإنه يدل على أن ملوك الحيرة كانوا مثل ملوك العربية الجنوبية ومثل ملوك ذلك الوقت قد اتخذوا بيوتهم داراً للحكم وداراً للاقامة. وان قصر الملك هو أيضاً دار الحكم بين الناس، والمشروع للاحكام. وإذا أخذنا بما ورد في كتب أهل الأخبار من أن "دار الندوة" كانت مرجع اهل مكة في كل أمر من أمورهم صغر أم كبر، حتى أن "الجارية إذا حاضت أدخلت دار الندوة، ثم شق عليها بعض ولد عبد مناف بن عبد الدار ثم درعها إياه وانقلب بها إلى أهلها فيحجبها. وكان عامر بن هاشم بن عبد ماف عبد الدار يسمى محيضا، جاز لنا القول إن تلك الدار كانت دار حكومة. اليها يرجع أهل مكة في منازعاتهم وفي خصوماتهم وفي أمور سامهم وحربهم. وأن أبناء قصيّ كانوا قد وزعوا أعمالها بينهم على نحو ما سطره أهل الأخبار. ولفظة "ديوان" من الألفاظ المستعملة في الجاهلية عند عرب العراق، ويذكرعلماء اللغة أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية. وقد كان للفرس دواوين في جملتها ديوان خاص للنظر في أمور العرب، واجبه النظر في صلات "كسرى"مع ملوك الحيرة وسادات القبائل. وليه "زيد" والد "عدي بن زيد العبادي"،فلما توفى "زيد" وليه ابنه من بعده، ثم وليه "زيد بن عدي بن زيد"، بعد مقتل والده على يد "النعمان بن المنذر". ولا أستبعد وجود الدواوين في حكومة الحيرة. فقد كان لها كتّاب تولوا أمور ديوان المراسلة بين ملوك الحيرة، والفرس، وأمور المراسلة فيما بين ملوك الحيرة وبين عمالهم على الأرضين التابعة لهم وبينهم وبن سادات القيائل. أما ما ورد في أخبار أهل الأخبار من أن الخليفة "عمر بن الخطاب"، هو أول من أمر بتدوين الدواوين، فإنهم قصدوا بذلك موضوع تأسيس ديوان العطاء وموضوع تدوين الدواوين في الإسلام. مما لا مجال للبحث عنه في هذا المكان. وورد اسم "الديوان" في الحديث. ذكرا"ّ. لم أن الرسول قال: "إن للّه حراساً، فحراسه في السماء الملائكة، وحراسه في الأرض الذين يأخذون الديوان ". |
وما توفيقي الا بالله
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
![]() الإعلانات النصية |
|||